نزول سورة الأنفال
٤٤ فقرة، ج ٥ ص ١٤٥
الصفحة ٢ من ٢
- ج ٥ ص ١٦٦
ــ
بِفِدَاءِ أَوْ ضَرْبَةِ عُنُقٍ. قَالَ عَبْدُ اللهِ [بْنُ مَسْعُودٍ] : فَقُلْت: إلّا سَهْلَ ابْنَ بَيْضَاءَ وَقَدْ كُنْت سَمِعْته يَذْكُرُ الْإِسْلَامَ قَالَ فَجَعَلْت أَنْظُرُ إلَى السّمَاءِ مَتَى تَقَعُ عَلَيّ الْحِجَارَةُ فَقُلْت: أُقَدّمُ الْقَوْلَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ فَقَالَ النّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – "إلّا سُهَيْلَ ابْنَ بَيْضَاءَ" فَفَرِحْت بِذَلِكَ "، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَمّا أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِالْمَغَازِي، فَإِنّهُمْ يَقُولُونَ إنّمَا هُوَ سَهْلُ ابْنُ بَيْضَاءَ أَخُو سُهَيْلٍ فَأَمّا، سُهَيْلٌ فَكَانَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَقَدْ شَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَدْرًا، ثُمّ إنّ النّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَفْدِ بَعْدَهَا بِمَالِ إنّمَا كَانَ يَمُنّ أَوْ يُفَادِي أَسِيرًا بِأَسِيرِ كَذَلِكَ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَذَلِكَ وَاَللهُ أَعْلَمُ لِقَوْلِهِ {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا} [الْأَنْفَال:٦٧] يَعْنِي الْفِدَاءَ بِالْمَالِ وَإِنْ كَانَ قَدْ أَحَلّ ذَلِكَ وَطَيّبَهُ، وَلَكِنْ مَا فَعَلَهُ الرّسُولُ بَعْدَ ذَلِكَ أَفْضَلُ مِنْ الْمَنّ أَوْ الْمُفَادَاةِ بِالرّجَالِ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ {فَإِمّا مَنّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} [مُحَمَّد:٤] كَيْفَ قَدّمَ الْمَنّ عَلَى الْفِدَاءِ فَلِذَلِكَ اخْتَارَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدّمَهُ وَأَمّا مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي هَذَا، فَالْأَوْزَاعِيّ وَسُفْيَانُ وَمَالِكٌ يَكْرَهُونَ أَخْذَ الْمَالِ فِي الْأَسِيرِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَقْوِيَةِ الْعَدُوّ بِالرّجَالِ وَاخْتَلَفُوا فِي الصّغِيرِ إذَا كَانَ مَعَهُ أُمّهُ فَأَجَازَ فِدَاءَهُ بِالْمَالِ أَهْلُ الْعِرَاقِ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ وَالصّحِيحُ مَنْعُهُ وَكَانَ الْعَبّاسُ عَمّ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَسْرَى، فَفَدَى نَفْسَهُ وَفَدَى ابْنَيْ أَخِيهِ فَقَالَ لِلنّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَدْ تَرَكْتنِي أَتَكَفّفُ قُرَيْشًا فَقِيرًا مُعْدِمًا، فَقَالَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَيْنَ الذّهَبُ الّتِي تَرَكْتهَا عِنْدَ أُمّ الْفَضْلِ وَعَدَدُهَا كَذَا
ج ٥ ص ١٦٧مَا نَزَلَ فِي التّوَاصُلِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ
وَحَضّ الْمُسْلِمِينَ عَلَى التّوَاصُلِ وَجَعَلَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ أَهْلَ وِلَايَةٍ فِي الدّينِ دُونَ مَنْ سِوَاهُمْ وَجَعَلَ الْكُفّارَ بَعْضَهُمْ أَوْلِيَاءَ بَعْضٍ ثُمّ قَالَ {إِلّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} أَيْ يُوَالِ الْمُؤْمِنُ الْمُؤْمِنَ مِنْ دُونِ الْكَافِرِ وَإِنْ كَانَ ذَا
ــ
وَكَذَا، وَقُلْت لَهَا: كَيْت وَكَيْت "، فَقَالَ مَنْ أَعْلَمَك بِهَذَا يَا ابْنَ أَخِي، فَقَالَ " اللهُ " فَقَالَ " حَدِيثٌ مَا اطّلَعَ عَلَيْهِ إلّا عَالِمُ الْأَسْرَارِ أَشْهَدُ أَنّك رَسُولُ اللهِ " فَحِينَئِذٍ أَسْلَمَ الْعَبّاسُ وَكَانَ فِي الْأَسْرَى مَنْ يَكْتُبُ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَنْصَارِ أَحَدٌ يُحْسِنُ الْكِتَابَةَ فَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ لَا مَالَ لَهُ فَيَقْبَلُ مِنْهُ أَنْ يُعَلّمَ عَشَرَةً مِنْ الْغِلْمَانِ الْكِتَابَةَ وَيُخَلّيَ سَبِيلَهُ فَيَوْمَئِذٍ تَعَلّمَ الْكِتَابَةَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ غِلْمَةِ الْأَنْصَارِ، وَهَذِهِ عُيُونُ أَخْبَارٍ وَصَلْتهَا بِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ فِي يَوْمِ بَدْرٍ جَمَعْتهَا مِنْ كُتُبِ التّفَاسِيرِ وَالسّيَرِ وَلَخّصْتهَا.
-
خَيْلُ بَدْرٍ
فَصْلٌ: وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ الْخَيْلَ الّتِي كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ فَذَكَرَ بَعْزَجَةَ فَرَسَ الْمِقْدَادِ، وَالْيَعْسُوبَ فَرَسَ الزّبَيْرِ وَفَرَسًا لِمَرْثَدِ الْغَنَوِيّ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ خَيْلٌ إلّا هَذِهِ وَفِي فَرَسِ الزّبَيْرِ اخْتِلَافٌ وَقَدْ كَانَ لِلنّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْلٌ بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ مِنْهَا: السّكْبُ وَاللّزَازُ وَالْمُرْتَجِزُ وَاللّحِيفُ وَقَدْ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ مِنْ حَدِيثِ عَبّاسِ بْنِ سَهْلٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ وَيُقَالُ فِيهِ اللّخِيفُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَقَالَ الْقُتَبِيّ: كَانَ الْمُرْتَجِزُ فَرَسًا اشْتَرَاهُ عَلَيْهِ السّلَامُ مِنْ أَعْرَابِيّ ثُمّ أَنْكَرَ الْأَعْرَابِيّ أَنْ يَكُونَ بَاعَهُ مِنْهُ فَشَهِدَ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ عَلَى الْأَعْرَابِيّ بِالْبَيْعِ فَقَالَ لَهُ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "بِمَ تَشْهَدُ"؟ قَالَ أَشْهَدُ بِصِدْقِك يَا رَسُولَ اللهِ فَجُعِلَتْ شَهَادَتُهُ شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ وَالْحَدِيثُ
ج ٥ ص ١٦٨رَحِمٍ بِهِ {تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ} أَيْ شُبْهَةٌ فِي الْحَقّ وَالْبَاطِلِ وَظُهُورُ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ بِتَوَلّي الْمُؤْمِنِ الْكَافِرَ دُونَ الْمُؤْمِنِ.
-
ثُمّ رَدّ الْمَوَارِيثَ إلَى الْأَرْحَامِ مِمّنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْوِلَايَةِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ دُونَهُمْ إلَى الْأَرْحَامِ الّتِي بَيْنَهُمْ فَقَالَ {وَالّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ
ــ
مَشْهُورٌ غَيْرَ أَنّ فِي مُسْنَدِ الْحَارِثِ زِيَادَةً فِيهِ وَهِيَ أَنّهُ عَلَيْهِ السّلَامُ رَدّ الْفَرَسَ عَلَى الْأَعْرَابِيّ وَقَالَ "لَا بَارَكَ اللهُ لَك فِيهَا" فَأَصْبَحَتْ مِنْ الْغَدِ شَائِلَةً بِرِجْلِهَا، أَيْ قَدْ مَاتَتْ.
قَالَ الطّبَرِيّ: وَمِنْ خَيْلِهِ الضّرِسُ وَمُلَاوِحٌ وَالْوَرَدُ وَهُوَ الّذِي وَهَبَهُ لِعُمَرِ فَحَمَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ رَجُلًا فِي سَبِيلِ اللهِ وَحَدِيثُهُ فِي الْمُوَطّأِ وَكَانَ لَهُ عَلَيْهِ السّلَامُ مِنْ الدّرُوعِ ذَاتُ الْفُضُولِ وَأُخْرَى يُقَالُ لَهَا: فَضّةُ وَرَايَةٌ يُقَالُ لَهَا الْعُقَابُ وَقَوْسَانِ أَحَدُهُمَا: الصّفْرَاءُ، وَالْأُخْرَى: الزّوْرَاءُ وَسَيْفُهُ ذُو الْفَقَارِ لِفِقْرَاتِ كَانَتْ فِي وَسَطِهِ وَكَانَ لِنُبَيْهٍ وَمُنَبّهِ ابْنَيْ الْحَجّاجِ سُلِبَاهُ يَوْمَ بَدْرٍ وَيُقَالُ إنّ أَصْلَهُ كَانَ مِنْ حَدِيدَةٍ وُجِدَتْ مَدْفُونَةً عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَصُنِعَ مِنْهَا ذُو الْفَقَارِ وَصَمْصَامَةُ عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ الّتِي وَهَبَهَا لِخَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ وَكَانَتْ مَشْهُورَةً عِنْدَ الْعَرَبِ، وَكَانَ لَهُ حَرْبَةٌ يُقَالُ لَهَا: النّبْعَةُ وَذَكَرَ الْعُقَيْلِيّ فِي كِتَابِ الضّعَفَاءِ جُمْلَةً مِنْ آلَاتِهِ عَلَيْهِ السّلَامُ فِي حَدِيثٍ أَسْنَدَهُ فَمِنْهَا الْجَمْعُ اسْمُ كِنَانَتِهِ وَالْمُدِلّةُ اسْمٌ لِمِرْآةِ كَانَ يَنْظُرُ فِيهَا، وَقَضِيبٌ يُسْمَى: الْمَمْشُوقُ وَذَكَرَ الْجَلَمَيْنِ وَنَسِيت مَا قَالَ فِي اسْمِهِ وَأَمّا بَغْلَتُهُ دُلْدُلُ وَحِمَارُهُ عُفَيْرٌ فَقَدْ ذَكَرْنَاهُمَا فِي كِتَابِ الْأَعْلَامِ وَذَكَرْنَا مَا كَانَ فِي أَمْرِ الْحِمَارِ مِنْ الْآيَاتِ وَزِدْنَا هُنَالِكَ فِي اسْتِقْصَاءِ هَذَا الْبَابِ وَرَأَيْنَا أَنْ لَا نُخْلِيَ هَذَا الْكِتَابَ مِمّا ذَكَرْنَا هُنَالِكَ أَوْ أَكْثَرَهُ وَأَمّا دُلْدُلُ فَمَاتَتْ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ وَهِيَ الّتِي أَهْدَاهَا إلَيْهِ الْمُقَوْقِسُ، وَأَمّا الْيَعْفُورُ فَطَرَحَ نَفْسَهُ
ج ٥ ص ١٦٩فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ} أَيْ بِالْمِيرَاثِ {إِنّ اللهَ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الْأَنْفَال: ٧٣-٧٥]
-
ــ
فِي بِئْرٍ يَوْمَ مَاتَ النّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَاتَ وَذَكَرَ ابْنُ فَوْرَكٍ فِي كِتَابِ الْفُصُولِ أَنّهُ كَانَ مِنْ مَغَانِمِ خَيْبَرَ، وَأَنّهُ كَلّمَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ لَهُ يَا رَسُولَ اللهِ أَنَا زِيَادُ بْنُ شِهَابٍ، وَقَدْ كَانَ فِي آبَائِي سِتّونَ حِمَارًا كُلّهُمْ رَكِبَهُ نَبِيّ، فَارْكَبْنِي أَنْتَ وَزَادَ الْجُوَيْنِيّ فِي كِتَابِ الشّامِلِ أَنّ النّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا أَرَادَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ أَرْسَلَ إلَيْهِ هَذَا الْحِمَارَ فَيَذْهَبُ حَتّى يَضْرِبَ بِرَأْسِهِ الْبَابَ فَيَخْرُجُ الرّجُلُ فَيَعْلَمُ أَنّهُ قَدْ أُرْسِلَ إلَيْهِ فَيَأْتِي النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ لَهُ تُرْسٌ فِيمَا ذَكَرَ الطّبَرِيّ فِيهِ تِمْثَالٌ كَرَأْسِ الْكَبْشِ وَكَانَ يَكْرَهُهُ فِيهِ فَأَصْبَحَ ذَاتَ يَوْمٍ قَدْ انْمَحَى، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ أَثَرٌ وَأَمّا رِدَاؤُهُ عَلَيْهِ السّلَامُ فَكَانَ يُقَالُ لَهُ الْحَضْرَمِيّ، وَبِهِ كَانَ يَشْهَدُ الْعِيدَيْنِ كَانَ طُولُهُ أَرْبَعَ أَذْرُعٍ وَعَرْضُهُ ذِرَاعَانِ وَشِبْرٌ وَكَانَ لَهُ جَفْنَةٌ عَظِيمَةٌ يُقَالُ لَهَا الْغَرّاءُ يَحْمِلُهَا أَرْبَعَةُ رِجَالٍ جَرَى ذِكْرُهَا فِي حَدِيثٍ خَرّجَهُ أَبُو دَاوُدَ، فَهَذِهِ جُمْلَةٌ تَشْرَئِبّ إلَى مَعْرِفَتِهَا أَنْفُسُ الطّالِبِينَ وَتَرْتَاحُ بِالْمُذَاكَرَةِ بِهَا قُلُوبُ الْمُتَأَدّبِينَ وَكُلّ مَا كَانَ مِنْ بَابِ الْمَعْرِفَةِ بِنَبِيّنَا عَلَيْهِ السّلَامُ وَمُتّصِلًا بِأَخْبَارِ سِيرَتِهِ مِمّا يُونِقُ الْأَسْمَاعَ وَيَهُزّ بِأَرْوَاحِ الْمَحَبّةِ الطّبَاعَ وَالْحَمْدُ لِلّهِ عَلَى مَا عُلِمَ مِنْ ذَلِكَ.