سرية زيد بن حارثة إلى القردة

٧ فقرات، ج ٥ ص ٢٧٩

  1. إصَابَةُ زَيْدٍ لِلْعِيرِ وَإِفْلَاتُ الرّجَالِ

    قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَسَرِيّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ الّتِي بَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا، حِينَ أَصَابَ عِيرَ قُرَيْشٍ، وَفِيهَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، عَلَى الْقَرَدَةِ مَاءٍ مِنْ مِيَاهِ نَجْدٍ. وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهَا: أَنّ قُرَيْشًا خَافُوا طَرِيقَهُمْ الّذِي كَانُوا يَسْلُكُونَ إلَى الشّامِ، حِينَ كَانَ مِنْ وَقْعَةِ بَدْرٍ مَا كَانَ فَسَلَكُوا طَرِيقَ الْعِرَاقِ، فَخَرَجَ مِنْهُمْ تُجّارٌ فِيهِمْ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ وَمَعَهُ فِضّةٌ كَثِيرَةٌ وَهِيَ عِظَمُ تِجَارَتِهِمْ وَاسْتَأْجَرُوا رَجُلًا مِنْ بَنِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، يُقَالُ لَهُ فُرَاتُ بْنُ حَيّانَ يَدُلّهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى الطّرِيقِ.

    ج ٥ ص ٢٧٩
  2. ــ

    سَرِيّةُ زَيْدٍ

    ذَكَرَ فِيهَا فُرَاتَ بْنَ حَيّانَ الْعِجْلِيّ مَنْسُوبٌ إلَى عَجِلِ بْنِ لُجَيْمِ بْنِ صَعْبِ بْنِ عَلِيّ بْنِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ. وَاللّجَيْمُ تَصْغِيرُ لُجَمٍ وَهِيَ دُوَيْبّةٌ تَطِيرُ بِهَا الْعَرَبُ، وَأَنْشَدُوا:

    لَهَا ذَنَبٌ مِثْلَ ذَيْلِ الْعَرُو

    سِ إلَى سَبّةٍ مِثْلَ جُحْرِ اللّجَمْ

    وَكَانَ عَيْنَ قُرَيْشٍ وَدَلِيلَ أَبِي سُفْيَانَ أَسْلَمَ فُرَاتٌ وَحَسُنَ إسْلَامُهُ وَقَالَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنّ مِنْكُمْ رِجَالًا نَكِلْهُمْ إلَى إسْلَامِهِمْ مِنْهُمْ فُرَاتٌ وَأَرْسَلَهُ

    ج ٥ ص ٢٨٠قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:

    فُرَاتُ بْنُ حَيّانَ، مِنْ بَنِي عِجْلٍ حَلِيفٌ لِبَنِي سَهْمٍ

    قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:

    وَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ فَلَقِيَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْمَاءِ فَأَصَابَ تِلْكَ الْعِيرَ وَمَا فِيهَا، وَأَعْجَزَهُ الرّجَالُ فَقَدِمَ بِهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

  3. شِعْرُ حَسّانَ فِي تَأْنِيبِ قُرَيْشٍ

    فَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ بَعْدَ أُحُدٍ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ الْآخِرَةِ يُؤَنّبُ قُرَيْشًا لِأَخْذِهِمْ تِلْكَ الطّرِيقَ

    دَعُوا فَلَجَاتِ الشّامِ قَدْ حَالَ دُونَهَا ... جَلّادٌ كَأَفْوَاهِ الْمَخَاضِ الْأَوَارِكِ

    ــ

    رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ فِي شَأْنِ مُسَيْلِمَةَ وَرَدّتْهُ وَمَرّ بِهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالرّجّالُ بْنُ عُنْفُوَةَ فَقَالَ ضِرْسُ أَحَدِكُمْ فِي النّارِ مِثْلُ أُحُدٍ، فَمَا زَالَ فُرَاتٌ وَأَبُو هُرَيْرَةَ خَائِفِينَ حَتّى بَلَغَتْهُمَا رِدّةُ الرّجّالِ وَإِيمَانُهُ بِمُسَيْلِمَةَ فَخَرّا سَاجِدِينَ وَاسْمُ الرّجّالِ نَهَارُ بْنُ عُنْفُوَةَ وَالْعُنْفُوَةُ ضَرْبٌ مِنْ النّبْتِ يُقَالُ لَهُ الصّلّيَان.

  4. وَفِيهَا يَقُولُ حَسّانُ

    دَعُوا فَلَجَاتِ الشّامِ قَدْ حَالَ دُونَهَا

    الْفَلَجَاتُ جَمْعُ فَلَجٍ وَهِيَ الْعَيْنُ الْجَارِيَةُ يُقَالُ مَاءٌ فَلَجٌ وَعَيْنٌ فَلَجٌ وَذَكَرَهُ أَبُو حَنِيفَةَ: فَلَحَات بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَقَالَ الْفَلَحَةُ الْمَزْرَعَةُ.

  5. حَوْلَ كَلِمَةِ الْمُخَاصَمَةِ وَالْمُلْكِ وَقَوْلُهُ

    جِلَادُ كَأَفْوَاهِ الْمَخَاضِ الْأَوَارِكِ

    ج ٥ ص ٢٨١. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  6. ــ

    أَيْ الّتِي أَكَلَتْ الْأَرَاكَ، فَدُمِيَتْ أَفْوَاهُهَا، وَالْمَخَاضُ وَاحِدَتُهَا خَلِفَةٌ مِنْ غَيْرِ لَفْظِهَا، وَهِيَ الْحَامِلُ [مِنْ النّوقِ] ، وَقَدْ قِيلَ فِي الْوَاحِدِ مَاخِضٌ وَمِنْهُ قَوْلُ الطّائِيّ:

    وَأَخّرْتهَا عَنْ وَقْتِهَا وَهِيَ مَاخِضُ

    وَعِنْدِي أَنّ الْمَخَاضَ فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ بِجَمْعِ إنّمَا هُوَ مَصْدَرٌ وَلِذَلِكَ وُصِفَ بِهِ الْجَمِيعُ وَفِي التّنْزِيلِ {فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ} [مَرْيَم: ٢٣] وَقَوْلُهُمْ نَاقَةٌ مَاخِضٌ كَقَوْلِهِمْ حَامِلٌ أَيْ ذَاتُ مَخَاضٍ وَذَاتُ حَمْلٍ وَقَدْ يَقُولُ الرّجُلُ لِنِسَائِهِ أَنْتُنّ الطّلَاقُ فَلَيْسَ الطّلَاقُ بِجَمْعِ وَإِنّمَا مَعْنَاهُ ذَوَاتُ طَلَاقٍ وَكَذَلِكَ مَعْنَى الْمَخَاضِ أَيْ ذَوَاتُ مَخَاضٍ غَيْرَ أَنّهُ قِيلَ لِلْوَاحِدَةِ مَاخِضٌ وَلَمْ يَقُلْ نَاقَةٌ مَخَاضٌ أَيْ ذَاتُ مَخَاضٍ كَمَا يُقَالُ امْرَأَةٌ زَوْرٌ وَصَوْمٌ لِأَنّ الْمَصْدَرَ إذَا وُصِفَ بِهِ فَإِنّمَا يُرَادُ بِهِ الْكَثِيرُ وَلَا تَكْثِيرُ فِي حَمْلِ الْوَاحِدَةِ أَلَا تَرَى أَنّك تَقُولُ هِيَ أَصْوَمُ النّاسِ وَمَا أَصْوَمَهَا، وَلَا يُقَالُ إذَا حَبَلَتْ مَا أَحْبَلَهَا، لِأَنّهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ كَمَا لَا يُقَالُ فِي الْمَوْتِ مَا أَمْوَتَهَا، فَلَمّا عَدِمَ قَصْدَ التّكْثِيرِ وَالْمُبَالَغَةِ لَمْ تُوصَفْ بِهِ كَمَا لَا تُوصَفُ بِالسّيْرِ إذَا قُلْت: مَا هِيَ الْأَسِيرُ فَإِذَا كَانَتْ إبِلًا كَثِيرَةً حَصَلَ مَعْنَى الْكَثْرَةِ فَوُصِفَتْ بِالْمَخَاضِ وَهُوَ الْمَصْدَرُ لِذَلِكَ فَإِنْ قُلْت: فَقَدْ يَقُولُ الرّجُلُ أَنْتِ الطّلَاقُ وَأَنْتِ الْفِرَاقُ قُلْنَا: فِيهِ مَعْنَى التّكْثِيرِ وَالْمُبَالَغَةِ وَلِذَلِكَ جَازَ لِأَنّهُ شَيْءٌ يَتَمَادَى وَيَدُومُ لَا سِيّمَا إنْ أَرَادَ بِالطّلَاقِ الطّلَاقَ كُلّهُ لَا وَاحِدَةً وَلِي كَذَلِكَ الْمَخَاضُ وَالْحَمْلُ فَإِنّ مُدّتَهُ مَعْلُومَةٌ وَمِقْدَارُهُ مُؤَقّتٌ.

    ج ٥ ص ٢٨٢بِأَيْدِي رِجَالٍ هَاجَرُوا نَحْوَ رَبّهِمْ ... وَأَنْصَارُهُ حَقّا وَأَيْدِي الْمَلَائِكِ

    إذَا سَلَكَتْ لِلْغَوْرِ مِنْ بَطْنِ عَالِجٍ ... فَقُولَا لَهَا لَيْسَ الطّرِيقُ هُنَالِكِ

    ــ

    وَقَوْلُهُ

    بِأَيْدِي الْمَلَائِكِ هُوَ جَمْعُ مَلَكٍ عَلَى غَيْرِ لَفْظِهِ وَلَوْ جَمَعُوهُ عَلَى لَفْظِهِ لَقَالُوا: أَمْلَاكٌ وَلَكُنّ الْمِيمَ مِنْ مَلَكٍ زَائِدَةٌ فِيمَا زَعَمُوا، وَأَصْلُهُ مَأْلُك مِنْ الْأُلُوكِ وَهِيَ الرّسَالَةُ قَالَ لَبِيدٌ:

    وَغُلَامٌ أَرْسَلْته أُمّهُ ... بِأَلُوكِ فَبَذَلْنَا مَا سَأَلَ

    وَقَالَ الطّائِيّ:

    مَنْ مُبْلِغُ الْفِتْيَانَ عَنّي مَأْلُكًا ... أَبِي مَتَى يَتَثَلّمُوا أَتَهَدّمُ

    و [أَبُو تَمّامٍ حَبِيبُ بْنُ أَوْسٍ] الطّائِيّ وَإِنْ كَانَ مُتَوَلّدًا، فَإِنّمَا يُحْتَجّ بِهِ لِتَلَقّي أَهْلِ الْعَرَبِيّةِ لَهُ بِالْقَبُولِ وَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنّهُ لَمْ يَلْحَنْ وَإِذَا كَانَ الْأَصْلُ فِيهِ مَأْلُكًا فَإِنّمَا قَلَبُوهُ إرَادَة إلْغَاءِ الْهَمْزَةِ إذْ سَهّلُوا وَلَوْ سَهّلُوا مَأْلُكًا، وَالْهَمْزَةُ مُقَدّمَةٌ لَمْ تَسْقُطْ وَإِنّمَا تَسْقُطُ إذَا سُكّنَ قَبْلَهَا، فَقَالُوا: مَلْك، فَإِذَا جَمَعُوا عَادَتْ الْهَمْزَةُ وَلَمْ تَعُدْ إلَى مَوْضِعِهَا لِئَلّا تَرْجِعَ كَجَمْعِ مَأْلُكَةٍ وَهِيَ الرّسَالَةُ وَلَوْ قِيلَ إنّ لَفْظَ مَلَكٍ مَأْخُوذٌ مِنْ الْمَلَكُوتِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُهْمَزْ لِأَنّ. أَكْثَرَ الْمَلَائِكَةِ لَيْسُوا بِرُسُلِ وَلَوْ أُرِيدَ مَعْنَى الرّسَالَةِ لَقَالُوا: مُؤْلَكٌ كَمَا تَقُولُ مُرْسَلٌ وَلَضَمّتْ الْمِيمُ فِي الْوَاحِدِ وَتَكُونُ الْهَمْزَةُ عَلَى هَذَا زَائِدَةٌ فِي الْجَمِيعِ كَمَا زَادُوهَا فِي شَمْأَلٍ وَهِيَ مِنْ شَمَلَتْ الرّيحُ لَكَانَ هَذَا وَجْهًا حَسَنًا، وَسِرّ زِيَادَةِ الْهَمْزَةِ فِي شَمْأَلٍ وَهِيَ مِنْ شَمَلَتْ الرّيحُ فَأَطْلَعَتْ الْهَمْزَةُ رَأْسَهَا لِذَلِكَ إذْ قَدْ اجْتَمَعَ فِيهَا أَنّهَا مِنْ عَنْ شِمَالِ الْبَيْتِ وَأَنّهَا

    ج ٥ ص ٢٨٣قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي أَبْيَاتٍ لِحَسّانَ بْنِ ثَابِتٍ نَقَضَهَا عَلَيْهِ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَلّبِ، وَسَنَذْكُرُهَا وَنَقِيضَتَهَا إنْ شَاءَ اللهُ [فِي] مَوْضِعِهَا.

  7. ــ

    شَامِيّةٌ وَكَذَلِكَ الْمَلَائِكَةُ هُمْ مِنْ مَلَكُوتِ اللهِ وَفِيهِمْ رُسُلٌ وَكَوَاحِدِ مِنْهُمْ مِنْ مَلَكُوتِ اللهِ فَقَطْ لِأَنّهُ لَا يَتَبَعّضُ كَمَا تَتَبَعّضُ الْجُمْلَةُ مِنْهُمْ فَأَمّا قَوْلُ الشّاعِرِ

    فَلَسْت لِإِنْسِيّ وَلَكِنْ لَمَأْلُك ... تَنْزِلُ مِنْ جَوّ السّمَاءِ يَصُوبُ

    فَهَمَزَ مَأْلُكًا، وَهُوَ وَاحِدٌ وَالْبَيْتُ مَجْهُولٌ قَائِلُهُ وَقَدْ نَسَبَهُ ابْنُ سِيدَهْ إلَى عَلْقَمَةَ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَمَعَ هَذَا فَقَدْ وَصَفَ مَأْلُكًا بِالرّسَالَةِ لِقَوْلِهِ تَنْزِلُ مِنْ جَوّ السّمَاءِ يَصُوبُ فَحُسْنُ الْهَمْزَةِ لِتَضَمّنِهِ مَعْنَى الْأُلُوكِ كَمَا حَسُنَ فِي جُمْلَةِ الْمَلَائِكَةِ إذْ لِلْجُمْلَةِ بَعْضُ هَمّ إرْسَالٍ وَالْكُلّ مِنْ مَلَكُوتِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَلَيْسَ فِي الْوَاحِدِ إلّا مَعْنَى الْمَلَكُوتِيّة فَقَطْ حَتّى يَتَخَصّصَ بِالرّسَالَةِ كَمَا فِي هَذَا الْبَيْتِ الْمَذْكُورِ فَيَتَضَمّنُ حِينَئِذٍ الْمَعْنَيَيْنِ فَتَطْلُعُ الْهَمْزَةُ فِي اللّفْظِ لِمَا فِي ضِمْنِهِ مَعْنَى الْأُلُوكِ وَهِيَ الرّسَالَةُ.