ذكر ما قيل من الشعر يوم أحد

٩٣ فقرة، ج ٦ ص ٧٤

الصفحة ١ من ٣

  1. شِعْرُ هُبَيْرَةَ

    قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:

    وَكَانَ مِمّا قِيلَ مِنْ الشّعْرِ فِي يَوْمِ أُحُدٍ، قَوْلُ هُبَيْرَةَ بْنِ أَبِي وَهْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَائِذِ بْنِ عَبْدِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَائِذُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ:

    مَا بَالُ هَمّ عَمِيدٍ بَاتَ يَطْرُقُنِي ... بِالْوُدّ مِنْ هِنْدَ إذْ تَعْدُو عَوَادِيهَا

    بَاتَتْ تُعَاتِبُنِي هِنْدٌ وَتَعْذُلُنِي ... وَالْحَرْبُ قَدْ شُغِلَتْ عَنّي مَوَالِيهَا

    مَهْلًا فَلَا تَعْذِلِينِي إنّ مِنْ خُلُقِي ... مَا قَدْ عَلِمْت وَمَا إنْ لَسْت أُخْفِيهَا

    مُسَاعِفٌ لِبَنِي كَعْبٍ بِمَا كَلِفُوا ... حَمّالُ عَبْءٍ وَأَثْقَالٌ أُعَانِيهَا

    وَقَدْ حَمَلْت سِلَاحِي فَوْقَ مُشْتَرَفٍ ... سَاطٍ سَبُوحٍ إذَا تَجْرِي يُبَارِيهَا

    كَأَنّهُ إذْ جَرَى عِيرٌ بِفَدْفَدَةِ ... مُكَدّمٌ لَاحِقٌ بِالْعَوْنِ يَحْمِيهَا

    مِنْ آلِ أَعْوَجَ يَرْتَاحُ النّدِيّ لَهُ ... كَجَذْعِ شَعْرَاءَ مُسْتَعْلٍ مَرَاقِيهَا

    أَعْدَدْته وَرِقَاقَ الْحَدّ مُنْتَخَلَا ... وَمَارِنًا لِخُطُوبِ قَدْ أُلَاقِيهَا

    ــ

    شَرْحُ مَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ مِنْ الْأَشْعَارِ

    وَقَدْ شَرَطْنَا الْإِضْرَابَ عَنْ شَرْحِ شِعْرِ الْكَفَرَةِ وَالْمُفَاخِرِينَ بِقِتَالِ النّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

    ج ٦ ص ٧٥هَذَا وَبَيْضَاءَ مِثْلُ النّهْيِ مُحْكَمَةٌ ... نِيطَتْ عَلَيّ فَمَا تَبْدُو مَسَاوِيهَا

    سُقْنَا كِنَانَةَ مِنْ أَطْرَافِ ذِي يَمَنٍ ... عُرْضُ الْبِلَادِ عَلَى مَا كَانَ يُزْجِيهَا

    قَالَتْ كِنَانَةُ أَنّى تَذْهَبُونَ بِنَا؟ ... قُلْنَا: النّخِيلَ فَأَمّوهَا وَمَنْ فِيهَا

    نَحْنُ الْفَوَارِسُ يَوْمَ الْجَرّ مِنْ أُحُدٍ ... هَابَتْ مَعَدّ فَقُلْنَا نَحْنُ نَأْتِيهَا

    هَابُوا ضِرَابًا وَطَعْنًا صَادِقًا خَذِمًا ... مِمّا يَرَوْنَ وَقَدْ ضُمّتْ قَوَاصِيهَا

    ثُمّتْ رُحْنَا كَأَنّا عَارِضٌ بَرِدٌ ... وَقَامَ هَامُ بَنِي النّجّارِ يَبْكِيهَا

    كَأَنّ هَامَهُمْ عِنْدَ الْوَغَى فِلَقٌ ... مِنْ قَيْضِ رُبْدٍ نَفَتْهُ عَنْ أَدَاحِيهَا

    أَوْ حَنْظَلَ ذَعْذَعَتْهُ الرّيحُ فِي غُصْنٍ ... بَالٍ تَعَاوَرَهُ مِنْهَا سَوَافِيهَا

    قَدْ نَبْذُلُ الْمَالَ سَحّا لَا حِسَابَ لَهُ ... وَنَطْعَنُ الْخَيْلَ شَزْرًا فِي مَآقِيهَا

    وَلَيْلَةً يَصْطَلِي بِالْفَرْثِ جَازِرُهَا ... يَخْتَصّ بِالنّقَرَى الْمُثْرِينَ دَاعِيهَا

    وَلَيْلَةً مِنْ جُمَادَى ذَاتِ أَنْدِيَةٍ ... جَرْبَا جُمَادِيّةٍ قَدْ بِتّ أَسْرِيهَا

    ــ

    إلّا مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ لَكِنّهُ ذَكَرَ فِي شِعْرِ هُبَيْرَةَ الّذِي بَدَأَ بِهِ بَيْتَيْنِ لَيْسَا مِنْ شِعْرِهِ فَلِذَلِكَ ذَكَرْتهمَا، وَهُمَا:

    وَلَيْلَةٍ يَصْطَلِي بِالْفَرْثِ جَازِرُهَا ... يَخْتَصّ بِالنّقَرَى الْمُثْرِينَ دَاعِيهَا

    فِي لَيْلَةٍ مِنْ جُمَادَى ذَاتِ أَنْدِيَةٍ ... جَرْبَا جُمَادِيّةٍ قَدْ بِتّ أَسْرِيهَا

    قَوْلُهُ يَصْطَلِي بِالْفَرْثِ أَيْ يَسْتَدْفِئُ بِهِ مِنْ شِدّةِ الْبَرْدِ.

    ج ٦ ص ٧٤
  2. حَوْلَ جَمْعِ نَدَى وَأَسْمَاءِ الشّهُورِ

    وَقَوْلُهُ يَخْتَصّ بِالنّقَرَى الْمُثْرِينَ يُرِيدُ يَخْتَصّ الْأَغْنِيَاءَ طَلَبًا لِمُكَافَأَتِهِمْ وَلِيَأْكُلَ عِنْدَهُمْ يَصِفُ شِدّةَ الزّمَانِ قَالَهُ يَعْقُوبُ فِي الْأَلْفَاظِ وَنَسَبَهُمَا الْهُذَلِيّ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ فِي هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ أَنّهُمَا لَيْسَا لِهُبَيْرَةَ وَنَسَبَهُمَا لِجَنُوبَ أُخْتِ

    ج ٦ ص ٧٦لَا يَنْبَحُ الْكَلْبُ فِيهَا غَيْرَ وَاحِدَةٍ ... مِنْ الْقَرِيسِ وَلَا تَسْرِي أَفَاعِيهَا

    أَوْقَدَتْ فِيهَا لِذِي الضّرّاءِ جَاحِمَةً ... كَالْبَرْقِ ذَاكِيَةَ الْأَرْكَانِ أَحْمِيهَا

    أَوْرَثَنِي ذَاكُمْ عَمْرٌو وَوَالِدُهُ ... مِنْ قَبْلِهِ كَانَ بِالْمَثْنَى يُغَالِيهَا

    كَانُوا يُبَارُونَ أَنْوَاءَ النّجُومِ فَمَا ... دَنَتْ عَنْ السّورَةِ الْعُلْيَا مَسَاعِيهَا

    شِعْرُ حَسّانَ فِي الرّدّ عَلَى هُبَيْرَةَ

    قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:

  3. فَأَجَابَهُ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ، فَقَالَ:
  4. سُقْتُمْ كِنَانَةَ جَهْلًا مِنْ سَفَاهَتِكُمْ ... إلَى الرّسُولِ فَجَنّدَ اللهُ مُخْزِيهَا

    أَوْرَدْتُمُوهَا حِيَاضَ الْمَوْتِ صَاحِيَةً ... فَالنّارُ مَوْعِدُهَا، وَالْقَتْلُ لَاقِيهَا

    جَمَعْتُمُوهَا أَحَابِيشًا بِلَا حَسَبٍ ... أَئِمّةُ الْكُفْرِ غَرّتْكُمْ طَوَاغِيهَا

    ــ

    عَمْرٍو ذِي الْكَلْبِ الْهُذَلِيّ.

  5. وَقَوْلُهُ ذَاتُ أَنْدِيَةٍ جَمْعُ نَدَى عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ وَقَدْ قِيلَ إنّهُ جَمْعُ الْجَمْعِ كَأَنّهُ جَمْعُ نَدَى عَلَى نِدَاءٍ مِثْلُ جَمَلٍ وَجِمَالٍ ثُمّ جَمْعُ الْجَمْعِ عَلَى أَفْعِلَةٍ وَهَذَا بَعِيدٌ فِي الْقِيَاسِ لِأَنّ الْجَمْعَ الْكَثِيرَ لَا يُجْمَعُ وَفَعّالٌ مِنْ أَبْنِيَةِ الْجَمْعِ الْكَثِيرِ وَقَدْ قِيلَ هُوَ جَمْعُ نَدِيّ وَالنّدِيّ الْمَجْلِسُ وَهَذَا لَا يُشْبِهُ مَعْنَى الْبَيْتِ وَلَكِنّهُ جَمْعٌ جَاءَ عَلَى مِثَالٍ أَفْعِلَةٍ لِأَنّهُ فِي مَعْنَى الْأَهْوِيَةِ وَالْأَشْتِيَةِ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَأَقْرَبُ مِنْ ذَلِكَ أَنّهُ فِي مَعْنَى الرّذَاذِ وَالرّشَاشِ وَهُمَا يُجْمَعَانِ عَلَى أَفْعِلَةٍ وَأَرَادَ بِجُمَادَى الشّهْرَ وَكَانَ هَذَا الِاسْمُ قَدْ وَقَعَ عَلَى هَذَا الشّهْرِ فِي زَمَنِ جُمُودِ الْمَاءِ ثُمّ انْتَقَلَ بِالْأَهِلّةِ وَبَقِيَ الِاسْمُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ فِي الصّيْفِ وَالْقَيْظِ وَكَذَلِكَ أَكْثَرُ هَذِهِ الشّهُورِ الْعَرَبِيّةِ سُمّيَتْ بِأَسْمَاءِ مَأْخُوذَةٍ مِنْ أَحْوَالِ السّنَةِ الشّمْسِيّةِ ثُمّ لَزِمَتْهَا، وَإِنْ خَرَجَتْ عَنْ تِلْكَ الْأَوْقَاتِ.

    ج ٦ ص ٧٧أَلّا اعْتَبَرْتُمْ بِخَيْلِ اللهِ إذْ قَتَلَتْ ... أَهْلَ الْقَلِيبِ وَمَنْ أَلْقَيْنَهُ فِيهَا

    كَمْ مِنْ أَسِيرٍ فَكَكْنَاهُ بِلَا ثَمَنٍ ... وَجَزّ نَاصِيَةٍ كُنّا مَوَالِيهَا

    قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:

    أَنْشَدَنِيهَا أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ

    قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَيّتَ هُبَيْرَةُ بْنُ أَبِي وَهْبٍ الّذِي يَقُولُ فِيهِ

    وَلَيْلَةٍ يَصْطَلِي بِالْفَرْثِ جَازِرُهَا ... يَخْتَصّ بِالنّقَرَى الْمُثْرِينَ دَاعِيهَا

    يُرْوَى لِجَنُوبَ أُخْتِ عَمْرٍو ذِي الْكَلْبِ الْهُذَلِيّ فِي أَبْيَاتٍ لَهَا فِي غَيْرِ يَوْمِ أُحُدٍ.

  6. شِعْرُ كَعْبٍ فِي الرّدّ عَلَى هُبَيْرَةَ

    قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:

    وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ يُجِيبُ هُبَيْرَةَ بْنِ أَبِي وَهْبٍ أَيْضًا:

    أَلَا هَلْ أَتَى غَسّانَ عَنّا وَدُونَهُمْ ... مِنْ الْأَرْضِ خَرْقٌ سَيْرُهُ مُتَنَعْنِعُ

    ــ

  7. شَرْحُ شِعْرِ كَعْبٍ:
  8. وَذَكَرَ شِعْرَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ يُجِيبُ هُبَيْرَةَ وَأَوّلُهُ أَلَا هَلْ أَتَى غَسّانَ. وَقَدْ افْتَتَحَ قَصِيدَةً أُخْرَى فِي أَشْعَارِ بَدْرٍ بِهَذَا اللّفْظِ فَقَالَ:

    أَلَا هَلْ أَتَى غَسّانَ فِي نَأْيِ دَارِهَا

    وَإِنّمَا يَذْكُرُ غَسّانَ لِأَنّهُمْ بَنُو عَمّ الْأَنْصَارِ، وَالْأَنْصَارُ بَنُو حَارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ. وَاَلّذِينَ بِالشّامِ بَنُو جُحْفَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، وَالْكُلّ غَسّانُ، لِأَنّ غَسّانَ مَاءٌ شَرِبُوا مِنْهُ حِينَ ارْتِحَالُهُمْ مِنْ الْيَمَنِ فَسُمّوا بِهِ.

  9. وَقَوْلُهُ سَيْرُهُ مُتَنَعْنِعُ أَيْ مُضْطَرِبٌ. وَقَوْلُهُ الْعَرَامِيسُ جَمْعُ عِرْمِسٌ

    ج ٦ ص ٧٨صَحَارٍ وَأَعْلَامٌ كَأَنّ قَتَامَهَا ... مِنْ الْبُعْدِ نَقْعٌ هَامِدٌ مُتَقَطّعُ

    تَظَلّ بِهِ الْبُزْلُ الْعَرَامِيسُ رُزّحًا ... وَيَخْلُو بِهِ غَيْثُ السّنِينَ فَيُمْرَعُ

    بِهِ جِيَفُ الْحَسْرَى يَلُوحُ صَلِيبُهَا ... كَمَا لَاحَ كَتّانُ التّجَارِ الْمُوَضّعُ

    بِهِ الْعِينُ وَالْآرَامُ يَمْشِينَ خَلِفَةً ... وَبَيْضُ نَعَامٍ قَيْضُهُ يَتَقَلّعُ

    مَجَالِدُنَا عَنْ دِينِنَا كُلّ فَخْمَةٍ ... مُذَرّبَةٍ فِيهَا الْقَوَانِسُ تَلْمَعُ

    وَكُلّ صَمُوتٍ فِي الصّوَانِ كَأَنّهَا ... إذَا لُبِسَتْ تَهْيٌ مِنْ الْمَاءِ مُتْرَعُ

    وَلَكِنْ بِبَدْرِ سَائِلُوا مَنْ لَقِيتُمْ ... مِنْ النّاسِ وَالْأَنْبَاءِ بِالْغَيْبِ تُدْفَعُ

    وَإِنّا بِأَرْضِ الْخَوْفِ لَوْ كَانَ أَهْلُهَا ... سِوَانَا لَقَدْ أَجْلَوْا بِلَيْلِ فَأَقْشَعُوا

    إذَا جَاءَ مِنّا رَاكِبٌ كَانَ قَوْلُهُ ... أَعِدّوا لِمَا يُزْجِي ابْنُ حَرْبٍ وَيَجْمَعُ

    فَمَهْمَا يُهِمّ النّاسَ مِمّا يَكِيدُنَا ... فَنَحْنُ لَهُ مِنْ سَائِرِ النّاسِ أَوْسَعُ

    فَلَوْ غَيْرُنَا كَانَتْ جَمِيعًا: تَكِيدُهُ الْبَ ... رّيّةُ قَدْ أَعْطَوْا يَدًا وَتَوَزّعُوا

    نُجَالِدُ لَا تَبْقَى عَلَيْنَا قَبِيلَةٌ ... مِنْ النّاسِ إلّا أَنْ يَهَابُوا وَيَفْظَعُوا

    وَلَمّا ابْتَنَوْا بِالْعَرْضِ قَالَ سُرَاتُنَا ... عَلَامَ إذَا لَمْ تَمْنَعْ الْعِرْضَ نَزْرَعُ؟

    وَفِينَا رَسُولُ اللهِ نَتْبَعُ أَمْرَهُ ... إذَا قَالَ فِينَا الْقَوْلَ لَا نَتَطَلّعُ

    تَدَلّى عَلَيْهِ الرّوحُ مِنْ عِنْدِ رَبّهِ ... يَنْزِلُ مِنْ جَوّ السّمَاءِ وَيُرْفَعُ

    ــ

    وَهِيَ النّاقَةُ الْقَوِيّةُ عَلَى السّيْرِ.

  10. وَقَوْلُهُ قَيْضُهُ يَتَفَلّعُ أَيْ يَتَشَقّقُ وَالْقَيْضُ قُشُورُ الْبَيْضِ وَالْقَوَانِسُ جَمْعُ قَوْنَسٍ وَهِيَ بَيْضَةُ السّلَاحِ.

  11. وَقَوْلُهُ وَكُلّ صَمُوتٍ فِي الصّوَانِ، يَعْنِي: الدّرْعَ جَعَلَهَا صَمُوتًا لِشِدّةِ نَسْجِهَا وَإِحْكَامِ

    صَنْعَتِهَا، وَالنّهْيُ وَالنّهْيُ الْغَدِيرُ، سُمّيَ بِذَلِكَ لِأَنّ مَاءَهُ قَدْ مُنِعَ مِنْ الْجَرَيَانِ بِارْتِفَاعِ الْأَرْضِ فَغَادَرَهُ السّيْلُ فَسُمّيَ غَدِيرًا، وَنَهَتْهُ الْأَرْضُ فَسُمّيَ نَهْيًا.

    ج ٦ ص ٧٩نُشَاوِرُهُ فِيمَا نُرِيدُ وَقَصْرُنَا ... إذَا مَا اشْتَهَى أَنّا نُطِيعُ وَنَسْمَعُ

    وَقَالَ رَسُولُ اللهِ لَمّا بَدَوْا لَنَا ... ذَرُوا عَنْكُمْ هَوْلَ الْمَنِيّاتِ وَاطْمَعُوا

    وَكُونُوا كمن يشري الْحَيَّة تَقَرّبًا ... إلَى مَلِكٍ يُحْيَا لَدَيْهِ وَيُرْجَعُ

    وَلَكِنْ خُذُوا أَسْيَافَكُمْ وَتَوَكّلُوا ... عَلَى اللهِ إنّ الْأَمْرَ لِلّهِ أَجْمَعُ

    فَسِرْنَا إلَيْهِمْ جَهْرَةً فِي رِحَالِهِمْ ... ضُحَيّا عَلَيْنَا الْبِيضُ لَا نَتَخَشّعُ

    بِمَلْمُومَةِ فِيهَا السّنّوْرُ وَالْقَنَا ... إذَا ضَرَبُوا أَقْدَامَهَا لَا تَوَرّعُ

    فَجِئْنَا إلَى مَوْجٍ مِنْ الْبَحْرِ وَسَطُهُ ... أَحَابِيشُ مِنْهُمْ حَاسِرٌ وَمُقَنّعٌ

    ثَلَاثَةُ آلَافٍ وَنَحْنُ نَصِيّةٌ ... ثَلَاثُ مِئِينٍ إنْ كَثُرْنَا وَأَرْبَعُ

    نُغَاوِرُهُمْ تَجْرِي الْمَنِيّةُ بَيْنَنَا ... نُشَارِعُهُمْ حَوْضَ الْمَنَايَا وَنَشْرَعُ

    تَهَادَى قَسَيّ النّبْعِ فِينَا وَفِيهِمْ ... وَمَا هُوَ إلّا الْيَثْرِبِيّ الْمُقَطّعُ

    وَمَنْجُوفَةٌ حِرْمِيّةٌ صَاعِدِيّةٌ ... يُذَرّ عَلَيْهَا السّمّ سَاعَةَ تُصْنَعُ

    تَصُوبُ بِأَبْدَانِ الرّجَالِ وَتَارَةً ... تَمُرّ بِأَعْرَاضِ الْبِصَارِ تَقَعْقَعُ

    ــ

    وَقَوْلُهُ وَمَنْجُوفَةٌ مَفْعُولَةٌ مِنْ نَجَفْت: إذَا حَفَرْت، وَيَكُونُ أَيْضًا مِنْ نَجَفْت الْعَنْزَ إذَا شَدَدْتهَا بِالنّجَافِ وَهُوَ الْحَبْلُ فَإِنْ كَانَ أَرَادَ الرّمَاحَ فَمَعْنَى قَوْلِهِ مَنْجُوفَةٌ أَيْ مَشْدُودَةٌ مُثَقّفَةٌ وَإِنْ كَانَ أَرَادَ أَسِنّتَهَا، فَهِيَ أَيْضًا مُتَجَوّفَةٌ مِنْ نَجَفْت إذَا حَفَرْت، لِأَنّ ثَعْلَبَ الرّمْحِ دَاخِلٌ فِي الْحَدِيدَةِ فَهِيَ مَنْجُوفَةٌ لَهُ وَإِنْ كَانَ أَرَادَ السّيُوفَ فَمَنْجُوفَةٌ أَيْ كَالْمَحْفُورَةِ لِأَنّ مُتُونَهَا مِدْوَسَةٌ مَضْرُوبَةٌ بِمَطَارِقِ الْحَدِيدِ فَهِيَ كَالْمَحْفُورَةِ.

  12. وَقَوْلُهُ:
  13. تَصُوبُ بِأَبْدَانِ الرّجَالِ وَتَارَةً ... تَمُرّ بِأَعْرَاضِ الْبِصَارِ تَقَعْقَعُ

    يَقُولُ تَشُقّ أَبْدَانَ الرّجَالِ حَتّى تَبْلُغَ الْبِصَارَ فَتَقَعْقَعُ فِيهَا، وَهِيَ جَمْعُ بَصْرَةٍ وَهِيَ حِجَارَةٌ لَيّنَةٌ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ جَمْعَ بَصِيرَةٍ مِثْلُ كَرِيمَةٍ وَكِرَامٍ وَالْبَصِيرَةُ الدّرْعُ وَقِيلَ التّرْسُ وَالْبَصِيرَةُ أَيْضًا: طَرِيقَةُ الدّمِ فِي الْأَرْضِ فَإِنْ

    ج ٦ ص ٨٠وَخَيْلٌ تَرَاهَا بِالْفَضَاءِ كَأَنّهَا ... جَرَادٌ صَبّا فِي قَرّةٍ يَتَرَيّعُ

    فَلَمّا تَلَاقَيْنَا وَدَارَتْ بِنَا الرّحَى ... وَلَيْسَ لِأَمْرِ حَمّهُ اللهُ مَدْفَعُ

    ضَرَبْنَاهُمْ حَتّى تَرَكْنَا سَرَاتَهُمْ ... كَأَنّهُمْ بِالْقَاعِ خُشُبٌ مُصَرّعُ

    لَدُنْ غُدْوَةً حَتّى اسْتَفَقْنَا عَشِيّةً ... كَأَنّ ذَكَانَا حَرّ نَارٍ تَلَفّعُ

    وَرَاحُوا سِرَاعًا مُوجِفِينَ كَأَنّهُمْ ... جِهَامٌ هَرَاقَتْ مَاءَهُ الرّيحُ مُقَلّعُ

    وَرُحْنَا وَأُخْرَانَا بِطَاءٌ كَأَنّنَا ... أُسُودٌ عَلَى لَحْمٍ بِبِيشَةِ ظُلّعُ

    فَنَلِنَا وَنَالَ الْقَوْمُ مِنّا وَرُبّمَا ... فَعَلْنَا وَلَكِنْ مَا لَدَى اللهِ أَوْسَعُ

    وَدَارَتْ رَحَانَا وَاسْتَدَارَتْ رَحَاهُمْ ... وَقَدْ جُعِلُوا كُلّ مِنْ الشّرّ يَشْبَعُ

    وَنَحْنُ أُنَاسٌ لَا نَرَى الْقَتْلَ سُبّةً ... عَلَى كُلّ مَنْ يَحْمِي الذّمَارَ وَيَمْنَعُ

    جِلَادٌ عَلَى رَيْبِ الْحَوَادِثِ لَا نَرَى ... عَلَى هَالِكٍ عَيْنًا لَنَا الدّهْرَ تَدْمَعُ

    بَنُو الْحَرْبِ لَا نَعْيَا بِشَيْءِ نَقُولُهُ ... وَلَا نَحْنُ بِمَا جَرَتْ الْحَرْبُ نَجْزَعُ

    بَنُو الْحَرْبِ إنْ نَظْفَرْ فَلَسْنَا بِفُحْشِ ... وَلَا نَحْنُ مِنْ أَظْفَارِهَا نَتَوَجّعُ

    وَكُنّا شِهَابًا يَتّقِي النّاسُ حَرّهُ ... وَيَفْرُجُ عَنْهُ مَنْ يَلِيهِ وَيَسْفَعُ

    فَخَرْت عَلَيّ ابْنَ الزّبَعْرَى وَقَدْ سَرَى ... لَكُمْ طَلَبٌ مِنْ آخِرِ اللّيْلِ مُتْبَعُ

    فَسَلْ عَنْك فِي عُلْيَا مَعَدّ وَغَيْرِهَا ... مِنْ النّاسِ مَنْ أَحْزَى مَقَامًا وَأَشْنَعَ

    وَمَنْ هُوَ لَمْ تَتْرُكْ لَهُ الْحَرْبُ مَفْخَرًا ... وَمَنْ حَدّهُ يَوْمَ الْكَرِيهَةِ أَضْرَعُ

    شَدَدْنَا بِحَوْلِ اللهِ وَالنّصْرِ شِدّةً ... عَلَيْكُمْ وَأَطْرَافُ الْأَسِنّةِ سُرّعُ

    تَكُرّ الْقَنَا فِيكُمْ كَأَنّ فُرُوعَهَا ... عَزّ إلَى مَزَادٍ مَاؤُهَا يَتَهَرّعُ

    عَمَدْنَا إلَى أَهْلِ اللّوَاءِ وَمَنْ يَطِرْ ... بِذِكْرِ اللّوَاءِ فَهُوَ فِي الْحَمْدِ أَسْرَعُ

    فَخَانُوا وَقَدْ أَعْطَوْا يَدًا وَتَخَاذَلُوا ... أَبَى اللهُ إلّا أَمْرَهُ وَهُوَ أَصْنَعُ

    قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:

    وَكَانَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ قَدْ قَالَ:

    ــ

    كَانَتْ فِي الْجَسَدِ فَهِيَ جَدِيّةٌ وَلَا مَعْنَى لَهَا فِي هَذَا الْبَيْتِ.

  14. مُجَالَدُنَا عَنْ جِذْمِنَا كُلّ فَخْمَةٍ

    فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أَيَصْلُحُ أَنْ تَقُولَ مُجَالَدُنَا عَنْ دِينِنَا" ؟ فَقَالَ كَعْبٌ نَعَمْ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "فَهُوَ أَحْسَنُ" فَقَالَ كَعْبٌ مُجَالَدُنَا عَنْ دِينِنَا

    شِعْرٌ لِابْنِ الزّبَعْرَى

    قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:

    وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزّبَعْرَى فِي يَوْمِ أُحُدٍ:

    يَا غُرَابَ الْبَيْنِ أَسَمِعْت فَقُلْ ... إنّمَا تَنْطِقُ شَيْئًا قَدْ فُعِلْ

    إنّ لِلْخَيْرِ وَلِلشّرّ مدى ... وكلا ذَلِك وَجْهٌ وَقَبَلْ

    وَالْعَطِيّاتُ خِسَاسٌ بَيْنَهُمْ ... وَسَوَاءٌ قَبْرٌ مُثْرٍ وَمُقِلْ

    كُلّ عَيْشٍ وَنَعِيمٍ زَائِلٌ ... وَبَنَاتُ الدّهْرِ يَلْعَبْنَ بِكُلّ

    أَبْلِغْنَ حَسّانَ عَنّي آيَةً ... فَقَرِيضُ الشّعْرِ يَشْفِي ذَا الْعِلَلْ

    كَمْ تَرَى بِالْجَرّ مِنْ جُمْجُمَةٍ ... وَأَكُفّ قَدْ أُتِرّتْ وَرِجِلْ

    وَسَرَابِيلَ حِسَانٍ سُرِيَتْ ... عَنْ كُمَاةٍ أُهْلِكُوا فِي الْمُنْتَزَلْ

    كَمْ قَتَلْنَا مِنْ كَرِيمٍ سَيّدٍ ... مَاجِدِ الْجَدّيْنِ مِقْدَامٍ بَطَلْ

    ــ

    ج ٦ ص ٨١
  15. شَرْحُ شِعْرٍ لِابْنِ الزّبَعْرَى
  16. وَقَوْلُ ابْنِ الزّبَعْرَى:
  17. يَا غُرَابَ الْبَيْنِ أَسَمِعْت، فَقُلْ ... إنّمَا تَنْطِقُ شَيْئًا قَدْ فُعِلْ

  18. إقْرَارُ الْجَاهِلِيّةِ بِالْقَدَرِ:
  19. قَوْلُهُ قَدْ فُعِلْ أَيْ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ وَقَدْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيّةِ يُقِرّونَ بِالْقَدْرِ وَقَالَ لَبِيدٌ فِي الْجَاهِلِيّةِ

    إنّ تَقْوَى رَبّنَا خَيْرُ نَفَلْ ... وَبِإِذْنِ اللهِ رَيْثِي وَالْعَجَلْ

    مَنْ هُدَاهُ سُبُلَ الْخَيْرِ اهْتَدَى ... نَاعِمَ الْبَالِ وَمَنْ شَاءَ أَضَلْ

    ج ٦ ص ٨٢صَادِقِ النّجْدَةِ قَرْمٍ بَارِعٍ ... غَيْرِ مُلْتَاثٍ لَدَى وَقْعِ الْأَسَلْ

    فَسَلْ الْمِهْرَاسَ مَنْ سَاكِنُهُ؟ ... بَيْنَ أَقْحَافٍ وَهَامٍ كَالْحَجَلْ

    لَيْتَ أَشْيَاخِي بِبَدْرِ شَهِدُوا ... جَزَعَ الْخَزْرَجِ مِنْ وَقْعِ الْأَسَلْ

    حِينَ حَكّتْ بِقَبَاءِ بَرْكَهَا ... وَاسْتَحَرّ الْقَتْلَ فِي عَبْدِ الْأَشَلْ

    ثُمّ خُفّوا عِنْدَ ذَاكُمْ رُقّصًا ... رَقَصَ الْحَفّان يَعْلُو فِي الْجَبَلْ

    فَقَتَلْنَا الضّعْفَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ ... وَعَدَلْنَا مَيْلَ بَدْرٍ فَاعْتَدَلْ

    لَا أَلُومُ النّفْسَ إلّا أَنّنَا ... لَوْ كَرّرْنَا لَفَعَلْنَا الْمُفْتَعَلْ

    بِسُيُوفِ الْهِنْدِ تَعْلُو هَامَهُمْ ... عِلَلًا تَعْلُوهُمْ بَعْدَ نَهَلْ

    ــ

    وَقَالَ رَاجِزُهُمْ

    يَا أَيّهَا اللّائِمُ لُمْنِي، أَوْ فَذَرْ ... إنْ كُنْت أَخْطَأْت فَمَا أَخْطَا الْقَدَرُ

    وَقَوْلُهُ غَيْرُ مُلْتَاثٍ هُوَ مُفْتَعَلٌ مِنْ اللّوثَةِ كَمَا قَالَ الضّبّيّ:

    عِنْدَ الْحَفِيظَةِ إنْ ذِي لُوثَةٍ لَانَا

    وَالْمِهْرَاسُ: حَجَرٌ مَنْقُورٌ يَمْسِكُ الْمَاءَ فَيَتَوَضّأُ مِنْهُ شُبّهَ بِالْمِهْرَاسِ الّذِي هُوَ الْهَاوُونُ وَوَهِمَ الْمُبَرّدُ فَجَعَلَ الْمِهْرَاسَ اسْمًا عَلَمًا لِلْمِهْرَاسِ الّذِي بِأُحُدِ خَاصّةً وَإِنّمَا هُوَ اسْمٌ لِكُلّ حَجَرٍ نُقِرَ فَأَمْسَكَ الْمَاءَ. وَرَوَى ابْنُ عَبْدُوسٍ عَنْ مَالِكٍ أَنّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ يَمُرّ بِمِهْرَاسِ فِي أَرْضِ فَلَاةٍ كَيْفَ يَغْتَسِلُ مِنْهُ؟ فَقَالَ مَالِكٌ هَلّا قُلْت مَرّ بِغَدِيرِ وَمَنْ يُجْعَلُ لَهُ مِهْرَاسًا فِي أَرْضِ فَلَاةٍ؟ فَهَذَا يُبَيّنُ لَك أَنّ الْمِهْرَاسَ لَيْسَ مَخْصُوصًا بِالْمِهْرَاسِ الّذِي كَانَ بِأُحُدِ وَكَذَلِكَ وَقَعَ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ أَنّ النّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرّ بِقَوْمِ يَتَجَاذَوْنَ مِهْرَاسًا أَيْ يَرْفَعُونَهُ.

  20. رَدّ حَسّانَ عَلَى ابْنِ الزّبَعْرَى

    فَأَجَابَهُ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ:

    ذَهَبَتْ يَا ابْنَ الزّبَعْرَى وَقْعَةٌ ... كَانَ مِنّا الْفَضْلُ فِيهَا لَوْ عَدَلْ

    وَلَقَدْ نِلْتُمْ وَنَلِنَا مِنْكُمْ ... وَكَذَاكَ الْحَرْبُ أَحْيَانًا دُوَلْ

    نَضَعُ الْأَسْيَافَ فِي أَكْتَافِكُمْ ... حَيْثُ نَهْوِي عِلَلًا بَعْدَ نَهَلْ

    كَسِلَاحِ النّبِيبِ يَأْكُلْنَ الْعَصَلْ ... إذْ تُوَلّونَ عَلَى أَعْقَابِكُمْ

    هَرَبًا مِنْ الشّعْبِ أَشْبَاهَ الرّسَلْ ... إذْ شَدَدْنَا شدَّة صَادِقَة

    نخرج الأصبح من أستاهكم ... فَأَجَأْنَاكُمْ إلَى سَفْحِ الْجَبَلْ

    بِخَنَاطِيلَ كَأَشْرَافِ الْمَلَا ... مَنْ يُلَاقُوهُ مِنْ النّاسِ يُهَلْ

    ضَاقَ عَنّا الشّعْبُ إذْ يَجْزَعُهُ ... وَمَلَأْنَا الْفَرْطَ مِنْهُ وَالرّجَلْ

    ــ

    شِعْرُ حَسّانَ يَرُدّ بِهِ عَلَى ابْنِ الزّبَعْرَى

    قَوْلُ حَسّانَ يُجِيبُهُ

    هُرّبًا فِي الشّعْبِ أَشْبَاهَ الرّسَلْ

    يَعْنِي: الْغَنَمَ إذَا أَرْسَلَهَا الرّاعِي، يُقَالُ لَهَا حِينَئِذٍ رَسَلٌ.

    ج ٦ ص ٨٣
  21. وَقَوْلُهُ كَأَشْرَافِ الْمَلَا، الْأَشْرَافُ جَمْعُ شَرَفٍ وَهُوَ الشّخْصُ وَالْمَلَا: مَا اتّسَعَ مِنْ الْأَرْضِ وَيُرِيدُ بِالْأَشْرَافِ هَاهُنَا أَشْخَاصُ الشّجَرِ وَأُصُولُهَا.

  22. وَقَوْلُهُ يُهَلّ، أَرَادَ فَيُهَالُ ثُمّ جُزِمَ لِلشّرْطِ فَانْحَذَفَتْ الْأَلِفُ لِالْتِقَاءِ السّاكِنَيْنِ وَهُوَ مِنْ الْهَوْلِ يُقَالُ هَالَنِي الْأَمْرُ يَهُولُنِي هَوْلًا إذَا أَفْزَعَك.

  23. وَقَوْلُهُ وَمَلَأْنَا الْفَرْطَ أَرَادَ الْفَرَطَ بِتَحْرِيكِ الرّاءِ وَهِيَ الْأَكَمَةُ وَمَا ارْتَفَعَ

    ج ٦ ص ٨٤بِرِجَالِ لَسْتُمْ أَمْثَالَهُمْ ... أَيّدُوا جِبْرِيلَ نَصْرًا فَنَزَلْ

    وَعَلَوْنَا يَوْمَ بَدْرٍ بِالتّقَى ... طَاعَةِ اللهِ وَتَصْدِيقِ الرّسُلْ

    وَقَتَلْنَا كُلّ رَأْسٍ مِنْهُمْ ... وَقَتَلْنَا كُلّ جَحْجَاحٍ رِفَلْ

    وَتَرَكْنَا فِي قُرَيْشٍ عَوْرَةً ... يَوْمَ بَدْرٍ وَأَحَادِيثَ الْمَثَلْ

    وَرَسُولُ اللهِ حَقّا شَاهِدٌ ... يَوْمَ بَدْرٍ وَالتّنَابِيلُ الْهُبُلْ

    فِي قُرَيْشٍ مِنْ جُمُوعٍ جُمّعُوا ... مِثْلَ مَا يُجْمَعُ فِي الْخِصْبِ الْهَمَلْ

    نَحْنُ لَا أَمْثَالُكُمْ وُلْدَ اسْتِهَا ... نَحْضُرُ النّاسَ إذَا الْبَأْسُ نَزَلْ

    ــ

    مِنْ الْأَرْضِ وَالرّجَلُ جَمْعُ رَجْلَةٍ وَهُوَ الْمُطَمّسُ مِنْ الْأَرْضِ وَالرّجْلَةُ أَيْضًا فِي مَعْنَى الرّجْلِ مِنْ الْجَرَادِ قَالَ الشّاعِرُ

    وَتَحْتَ نُحُورِ الْخَيْلِ حَرْشَفُ رَجْلَةٍ

    يُرِيدُ بِالْحَرْشَفِ جَمَاعَةَ الرّبَا، وَهُمْ صِغَارُ الْجَرَادِ ضَرَبَهُمْ مَثَلًا لِلرّجّالَةِ وَالرّمَاةِ وَجَمْعُ الْفَرَطِ أَفْرَاطٌ.

  24. وَقَوْلُهُ وُلْدَ اسْتِهَا: كَلِمَةٌ تَقُولُهَا الْعَرَبُ عِنْدَ السّبّ تَقُولُ يَا بَنِي اسْتِهَا، وَالْوَلَدُ بِمَعْنَى الْأَوْلَادِ. وَكَتَبَ أَهْلُ دِمَشْقَ إلَى أَهْلِ مِزّةَ وَهِيَ عَلَى فَرْسَخٍ مِنْ دِمَشْقَ وَكَانُوا أَمْسَكُوا عَنْهُمْ الْمَاءَ فَكَتَبُوا إلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ إلَى بَنِي اسْتِهَا.

  25. وَبَعْدُ فَإِمّا أَنْ يُمْسِيَنَا الْمَاءُ وَإِلّا صَبّحَتْكُمْ الْخَيْلُ. ذَكَرَهُ الْجَاحِظُ.

  26. مَتَى يَضُرّ حَذْفُ حَرْفِ الْجَرّ؟

  27. وَقَوْلُهُ فِي الْمُؤْمِنِينَ أَيّدُوا جِبْرِيلَ أَيْ أَيّدُوا بِجِبْرِيلَ وَحُذِفَ الْجَارُ فَتَعَدّى الْفِعْلُ فَنُصِبَ وَلَا يَضُرّ هَذَا الْحَذْفُ إلّا أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ الْمُتَعَدّي بِحَرْفِ جَرّ مُتَضَمّنًا

    ج ٦ ص ٨٥قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:

    وَأَنْشَدَنِي أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ: " وَأَحَادِيثُ الْمِثْلِ " وَالْبَيْتُ الّذِي قَبْلَهُ. وَقَوْلُهُ " فِي قُرَيْشٍ مِنْ جُمُوعٍ جَمّعُوا " عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.

  28. ــ

    لِمَعْنَى فِعْلٍ آخَرَ نَاصِبٍ كَقَوْلِهِمْ أَمَرْتُك الْخَيْرَ أَيْ كَلّفْتُك الْخَيْرَ وَأَلْزَمْتُكَهُ وَلَا يَسْتَقِيمُ نَهَيْتُك الشّرّ إذْ لَيْسَ فِي مَعْنَى نَهَيْتُك فِعْلٌ نَاصِبٌ وَقَوْلُهُ أَيّدُوا جِبْرِيلَ أَيْ أُصْحِبُوهُ وَنَحْوُ هَذَا، فَحَسُنَ حَذْفُ الْبَاءِ لِهَذَا.

  29. عَوْدٌ إلَى شِعْرِ حَسّانَ

    وَقَوْلُ حَسّانَ

    نُخْرِجُ الْأَصْبَحَ مِنْ اسْتَاهِكُمْ

    رَوَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ نُخْرِجُ الْأَضْيَاحَ وَهُوَ اللّبَنُ الْمَمْزُوجُ بِالْمَاءِ وَهُوَ فِي مَعْنَى الْأَصْبَحِ لِأَنّ الصّبْحَةَ بَيَاضٌ غَيْرُ خَالِصٍ فَجَعَلَهُ وَصْفًا لِلّبَنِ الْمَمْذُوقِ الْمُخْرَجِ مِنْ بُطُونِهِمْ.

  30. وَقَوْلُهُ:

    كَسِلَاحِ النّيْبِ يَأْكُلْنَ الْعَصَلْ

    الْعَصَلُ نَبَاتٌ كَالرّفَلّينَ يُصْلِحُ الْإِبِلَ إذَا أَكَلَتْهُ وَيُكْثِرُ شُرْبَهَا لِلْمَاءِ وَهُوَ مِنْ الْحَمْضِ، وَيَنْبُتُ فِي السّبَاخِ قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ.

  31. شِعْرُ كَعْبٍ فِي بُكَاءِ حَمْزَةَ وَقَتْلَى أُحُدٍ

    قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:

    وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ يَبْكِي حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ وَقَتْلَى أُحُدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ:

    نَشَجْت وَهَلْ لَك مِنْ مَنْشِجِ ... وَكُنْت مَتَى تَذّكِرْ تَلْجَجَ

    تَذَكّرُ قَوْمٍ أَتَانِي لَهُمْ ... أَحَادِيثُ فِي الزّمَنِ الْأَعْوَجِ

    فَقَلْبُك مِنْ ذِكْرِهِمْ خَافِقٌ ... مِنْ الشّوْقِ وَالْحَزَنِ الْمُنْضِجِ

    وَقَتْلَاهُمْ فِي جِنَانِ النّعِيمِ ... كِرَامُ الْمَدَاخِلِ وَالْمَخْرَجِ

    بِمَا صَبَرُوا تَحْتَ ظِلّ اللّوَاءِ ... لِوَاءُالرّسُولِ بِذِي الْأَضْوُجِ

    غَدَاةَ أَجَابَتْ بِأَسْيَافِهَا ... جَمِيعًا بَنُو الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ

    وَأَشْيَاعُ أَحْمَدَ إذْ شَايَعُوا ... عَلَى الْحَقّ النّورَ وَالْمَنْهَجَ

    فَمَا بَرِحُوا يَضْرِبُونَ الْكُمَاةَ ... وَيَمْضُونَ فِي الْقَسْطَلِ الْمُرْهَجِ

    كَذَلِكَ حَتّى دَعَاهُمْ مَلِيكٌ ... إلَى جَنّةِ دَوْحَةِ الْمَوْلِجِ

    ــ

    شِعْرُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ

    وَقَوْلُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ:

    لِوَاءِ الرّسُولِ بِذِي الْأَضْوُجِ

    الْأَضْوُجُ جَمْعُ ضَوْجٍ وَالضّوْجُ جَانِبُ الْوَادِي.

    ج ٦ ص ٨٦
  32. وَقَوْلُهُ فِي الْقَسْطَلِ الْمُرْهِجِ. الْقَسْطَلُ الْغُبَارُ وَكَذَلِكَ الرّهَجُ وَقَدْ شَرَحْنَا السّلْجَجَ فِيمَا مَضَى، وَالْجَمَلُ الْأَدْعَجُ يَعْنِي الْأَسْوَدَ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ فِي صِفَةِ النّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي عَيْنَيْهِ دَعَجٌ وَفِي أَشْفَارِهِ وَطَفٌ.

    ج ٦ ص ٨٧فَكُلّهُمْ مَاتَ حُرّ الْبَلَاءِ ... عَلَى مِلّةِ اللهِ لَمْ يَحْرَجْ

    كَحَمْزَةِ لَمّا وَفّى صَادِقًا ... بِذِي هِبَةٍ صَارِمِ سَلْجَجْ

    فَلَاقَاهُ عَبْدُ بَنِي نَوْفَلٍ ... يُبَرْبِرُ كَالْجَمَلِ الْأَدْعَجْ

    فَأَوْجَرَهُ حَرْبَةً كَالشّهَابِ ... تَلَهّبُ فِي اللهَبِ الْمُوهَجْ

    وَنُعْمَانُ أَوْفَى بِمِيثَاقِهِ ... وَحَنْظَلَةُ الْخَيْرُ لَمْ يُحْنَجْ

    عَنْ الْحَقّ حَتّى غَدَتْ رُوحُهُ ... إلَى مَنْزِلٍ فَاخِرِ الزّبْرِجْ

    أُولَئِكَ لَا مَنْ ثَوَى مِنْكُمْ ... مِنْ النّارِ فِي الدّرَكِ الْمُرْتَجْ

    ــ

    وَقَوْلُهُ: وَحَنْظَلَةُ الْخَيْرُ لَمْ يُحْنَجْ أَيْ لَمْ يُمْلِهِ شَيْءٌ عَنْ الطّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ يُقَالُ حَنَجْت الشّيْءَ إذَا أَمَلْته وَعَدَلْته عَنْ وَجْهِهِ وَيُقَالُ أَيْضًا: أَحْنَجْتُهُ فَهُوَ مُحْنَجٌ وَسَيَأْتِي فِي الشّعْرِ بَعْدَ هَذَا مَا يَدُلّ عَلَيْهِ.

  33. وَقَوْلُهُ:

    عَنْ الْحَقّ حَتّى غَدَتْ رُوحُهُ

    أَنّثَ الرّوحَ لِأَنّهُ فِي مَعْنَى النّفْسِ وَهِيَ لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ مَعْرُوفَةٌ. أَمَرَ ذُو الرّمّةِ عِنْدَ مَوْتِهِ أَنْ يُكْتَبَ عَلَى قَبْرِهِ

    يَا نَازِعَ الرّوحِ مِنْ جِسْمِي إذَا قُبِضْت ... وَفَارِجَ الْكَرْبِ أَنْقِذْنِي مِنْ النّارِ

    فَكَانَ ذَلِكَ مَكْتُوبًا عَلَى قَبْرِهِ.

  34. وَقَوْله: فَاخِرِ الزّبْرِجِ أَيْ فَاخِرُ الزّينَةِ أَيْ ظَاهِرُهَا.

  35. وَقَوْلُهُ فِي الدّرَكِ الْمُرْتَجِ أَيْ الْمُغْلَقِ يُقَالُ ارْتَجْتُ الْبَابَ إذَا أَغْلَقْته، وَهُوَ مِنْ الرّتَاجِ قَالَتْ جَارِيَةٌ مِنْ الْعَرَبِ مَاتَتْ أُمّهَا، وَتَزَوّجَ أَبُوهَا:

    وَلَكِنْ قَدْ أَتَى مِنْ دُونِ وُدّي ... وَبَيْنَ فُؤَادِهِ غَلْقُ الرّتَاجِ

    وَمَنْ لَمْ يُؤْذِهِ أَلَمٌ بِرَأْسِي ... وَمَا الرّئْمَانُ إلّا بِالنّتَاجِ

  36. شِعْرُ ضِرَارٍ فِي الرّدّ عَلَى كَعْبٍ
  37. فَأَجَابَهُ ضِرَارُ بْنُ الْخَطّابِ الْفِهْرِيّ، فَقَالَ:
  38. أَيَجْزَعُ كَعْبٌ لِأَشْيَاعِهِ ... وَيَبْكِي مِنْ الزّمَنِ الْأَعْوَجِ

    عَجِيجَ الْمُذَكّي رَأَى إلْفَهُ ... تَرُوحُ فِي صَادِرِ مُحْنَجِ

    فَرَاحَ الرّوَايَا وَغَادَرْنَهُ ... يُعَجْعَجُ قَسْرًا وَلَمْ يُخْدَجْ

    فَقُولَا لِكَعْبِ يُثْنِي اُلْبُكَا ... وَلِلنّيءِ مِنْ لَحْمِهِ يَنْضَجْ

    لِمَصْرَعِ إخْوَانِهِ فِي مَكَرّ ... مِنْ الْخَيْلِ ذِي قَسْطَلِ مُرْهَجِ

    فَيَا لَيْتَ عَمْرًا وَأَشْيَاعَهُ ... وَعُتْبَةَ فِي جَمَعْنَا السّوْرَجُ

    فَيَشْفُوا النّفُوسَ بِأَوْتَارِهَا ... بِقَتْلَى أُصِيبَتْ مِنْ الْخَزْرَجِ

    وَقَتْلَى مِنْ الْأَوْسِ فِي مَعْرَكٍ ... أُصِيبُوا جَمِيعًا بِذِي الْأَضْوُجِ

    وَمَقْتَلُ حَمْزَةَ تَحْتَ اللّوَاءِ ... بِمُطَرّدِ مَازِنٍ مُخْلَجِ

    وَحَيْثُ انْثَنَى مُصْعَبٌ ثَاوِيًا ... بِضَرْبَةِ ذِي هَبّةٍ سَلْجَجِ

    بِأُحُدِ وَأَسْيَافُنَا فِيهِمْ ... تَلَهّبُ كَاللهَبِ الْمُوَهّجِ

    غَدَاةَ لَقِينَاكُمْ فِي الْحَدِيدِ ... كَأُسْدِ الْبَرَاحِ فَلَمْ تُعْنَجْ

    بِكُلّ مُجَلّحَةٍ كَالْعُقَابِ ... وَأَجْرَدَ ذِي مَيْعَةَ مُسْرَجِ

    فَدُسْنَاهُمْ ثُمّ حَتّى انْثَنَوْا ... سِوَى زَاهِقِ النّفْسِ أَوْ مُحْرَجِ

    قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:

    ــ

    وَمِنْهُ قِيلَ: ارْتَجْ عَلَى الْخَطِيبِ إذَا أُغْلِقَ عَلَيْهِ بَابُ الْقَوْلِ.

  39. وَفِي شِعْرِ ضِرَارٍ: فِي جَمْعِنَا السّوْرَجُ وَهُوَ فَوْعَلٌ مِنْ السّرَاجِ يُرِيدُ الْمُضِيءَ.

  40. وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ يُنْكِرُهَا لِضِرَارِ. وَقَوْلُ كَعْبٍ " ذِي النّورِ وَالْمَنْهَجِ " عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ.

    ج ٦ ص ٨٩