ذكر الخبر عن غزوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هوازن بحنين
١٣ فقرة، ج ٢ ص ٢٩٥
- ج ٢ ص ٢٩٥
٢٥٢ - وكان من أمر رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وأمْر المسلمين وأمْرِ هوازن ما حدَّثنا عليّ بن نصر بن عليّ الجَهضميّ وعبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث - قال عليّ: حدَّثنا عبد الصّمد، وقال عبد الوارث: حدثنا أبي- قال: حدَّثنا أبان العطار، قال: حدَّثنا هشام بن عروة، عن عُروة، قال: أقام النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بمكّة عام الفتح نصف شهر، لم يزد علي ذلك؛ حتى جاءت هوازن وثَقيف، فنزلوا بحُنين -وحنين واد إلي جنب ذي المجاز- وهم يومئذ عامدون يريدون قتال النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وكانوا قد جمعوا قبل ذلك حين سمعوا بمخرَج رسول الله من المدينة، وهم يظنُّون أنه إنما يريدهم حيث خرج من المدينة، فلمّا أتاهم أنه قد نزل مكة، أقبلتْ هَوازِن عامدين إلي النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وأقبلوا معهم بالنساء والصبيان والأموال -ورئيس هَوازن يومئذ مالك بن عوف أحد بني نصر- وأقبلت معهم ثَقيف؛ حتى نزلوا حُنَينًا يريدون النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فلما حُدِّث النبيّ وهو بمكّة أنْ قد نزلت هوازن وثقيف بحنين، يسوقهم مالك بن عوف أحد بني نصر -وهو رئيسهم يومئذ- عمَد النبيّ - صلى الله عليه وسلم - حتى قدِم عليهم، فوافاهم بحُنَين، فهزمهم الله عزّ وجلّ، وكان فيها ما ذكر الله عزّ وجلّ في الكتاب؛ وكان الذي ساقوا من النساء والصبيان والماشية غنيمة غنّمها الله عزّ وجلّ رسولَه، فقسّم أموالهم فيمن كان أسلم معه من قريش (١) . (٧٠: ٣) .
- (١)هذا إسناد مرسل وله شواهد كما سنذكر بعد قليل.
-
٢٥٣ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، عن ابن إسحاق، قال: لما سمعتْ هوازِنْ برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما فتح الله عليه من مكة؛ جمعها مالك بن عوف
ج ٢ ص ٢٩٦النَّصرِيّ؛ واجتمعت إليه مع هَوازن ثَقيف كلّها، فجُمعت نصر وجُشَم كلّها وسعد بن بكر وناس من بني هلال؛ وهم قليل، ولم يشهدها من قَيس عَيلان إلّا هؤلاء، وغابت عنها فلم يحضرها من هَوازن كعب ولا كلاب؛ ولم يشهدها منهم أحدٌ له اسمٌ، وفي جُشم دُرَيد بن الصّمَّة شيخ كبير؛ ليس فيه شيء إلا التيمّن برأيه ومعرفته بالحرْب، وكان شيخًا كبيرًا مجرّبًا؛ وفي ثقيف سيّدان لهم في الأحلاف: قارب بن الأسود بن مسعود، وفي بني مالك ذو الخمار سُبيع بن الحارث وأخوه الأحمر بن الحارث في بني هلال، وجِمَاع أمرِ الناس إلي مالك بن عوف النصريّ.
-
فلمّا أجمَع مالك المسيرَ إلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حطّ مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم؛ فلمّا نزل بأوْطاس، اجتمع إليه الناس؛ وفيهم دُرَيد بن الصمّة في شِجَار له يُقادُ به؛ فلما نزَل قال: بأيّ واد أنتم؟ قالوا: بأوْطاس، قال: نعم مجالُ الخيل! لا حَزْن ضَرِس، ولا سَهْل دهس؛ ما لي أسمع رُغاء البعير، ونُهاق الحمير، ويُعار الشاء، وبكاء الصغير! قالوا: ساقَ مالك بن عوف مع الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم، فقال: أين مالك؟ فقيل: هذا مالك، فدُعِي له، فقال: يا مالك، إنَّك قد أصبحتَ رئيس قومك؛ وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام؛ ما لي أسمع رُغاء البعير، ونهاق الحمير، ويعار الشاء، وبكاء الصغير! قال: سُقْتُ مع الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم، قال: ولِمَ؟ قال: أردتُ أن أجعل خَلْف كلّ رجل أهلَه وماله ليقاتل عنهم. قال: فانقضَّ به ثم قال: راعي ضأنٍ والله! هل يردّ المنهزمَ شيءٌ! أنها إن كانت لك لم ينفعك إلّا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فُضِحتَ في أهلك ومالك. ما فعلت كعب وكلاب؟ قالوا: لم يشهد منهم أحد، قال: غاب الجدُّ والحدُّ؛ لو كان يوم عَلاء ورفعة لم تَغِب عنه كعب وكلاب؛ ولوددت أنكم فعلتم ما فعلتْ كعب وكلاب؛ فمن شهدها منكم؟ قالوا: عمرو بن عامر وعوف بن عامر؛ قال: ذانك الجَذعان من بني عامر! لا ينفعان ولا يضرّان، يا مالك إنّك لم تصنع بتقديم البَيضة؛ بيضة هوازن، إلي نُحور الخيل شيئًا، ارفعهم إلي متمنّع بلادهم وعُلْيا قومهم؛ ثم الق الصبَّاء علي مُتُون الخيل، فإن كانت لك لحِق بك مَنْ وراءك، وإن كانت عليك ألفاك ذلك وقد أحْرزتَ أهلك ومالك. قال: والله لا أفعل، إنك قد كبرتَ وكَبِرَ
ج ٢ ص ٢٩٧عقلك؛ والله لتطيعُنّني يا معشر هوازن أو لأتَّكئنَّ علي هذا السيف حتى يخرج من ظهري! وكره أن يكون لدُرَيد فيها ذكرٌ أو رأيٌ. قال دُريد بن الصمّة: هذا يوم لم أشهده؛ ولم يَفُتْني:
يا ليتَني فيها جذَعْ ... أخُبّ فيها وأضَعْ
أقُودُ وَطْفَاءَ الزَّمَعْ ... كَأَنّها شَاةٌ صَدَعْ
وكان دُريد رئيسَ بني جُشَم وسيّدهم وأوسطهم؛ ولكن السنَّ أدركته حتى فَنِيَ -وهو دُريد بن الصّمة بن بكر بن عَلْقمة بن جُدَاعة بن غَزيّة بن جُشَم بن معاوية بن بكْر بن هوازن- ثم قال مالك للناس: إذا أنتم رأيتم القومَ فاكسِرُوا جفون سيوفكم، وشُدُّوا شَدَّةَ رجل واحد عليهم (١) . (٣: ٧٠/ ٧١ / ٧٢) .
- (١)ذكره الطبري عن ابن إسحاق بلاغًا وكذلك أخرجه ابن هشام (٢/ ٤٣٧) والحديث أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٣٧٦) والبيهقي في الدلائل (٥/ ١٢٠) وأبو يعلى (ح ١٨٦٢) وابن حبان (الموارد / ح ١٧٠٤). وأخرجه الحاكم في المستدرك (مختصرًا) من طريق ابن إسحاق قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سار إلي حنين لما فرغ من فتح مكة جمع مالك بن عوف النصري من بني نصر وجشم وسعد بن بكر وأوزاع من بني هلال وناسًا من بني عمرو بن عاصم بن عوف بن عامر وأوزعت معهم الأحلاف من ثقيف وبنو مالك ثم سار بهم إلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسار مع الأموال والنساء والأبناء فلما سمع بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث عبد الرحمن بن أبي حدرد الأسلمي فقال: اذهب فادخل بالقوم حتى تعلم لنا من علمهم فدخل فمكث فيهم يومًا أو يومين ثم أقبل فأخبره الخبر فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمر بن الخطاب: ألا تسمع ما يقول ابن أبي حدرد؟ فقال عمر: كذب ابن أبي حدرد فقال ابن أبي حدرد: إن كذبتني فربما كذبت من هو خير مني فقال عمر: يا رسول الله ألا تسمع ما يقول ابن أبي حدرد، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قد كنت يا عمر ضالًا فهداك الله عزَّ وجلَّ، ثم بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلي صفوان بن أمية فسأله أدراعًا مئة درع وما يصلحها من عدتها فقال: أغصبًا يا محمد؟ قال: بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك، ثم خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سائرًا. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي (المستدرك مع التلخيص ٣/ ٤٩).
-
٢٥٤ - قال ابن إسحاق: ولما سمع بهم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بعث إليهم عبدَ الله بن أبي حَدْرد الأسلميّ، وأمره أن يدخلَ في الناس فيُقيم فيهم حتى يأتيَه بخبر منهم؛ ويعلم مِنْ علمهم. فانطلق ابن أبي حَدْرد، فدخل فيهم، فأقام معهم حتى سمع
ج ٢ ص ٢٩٨وعلم ما قد أجمعوا له من حَرْب رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، وعلم أمر مالك وأمرَ هوازن وما هم عليه. ثم أتى رسولَ الله، فأخبره الخبر؛ فدعا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عمرَ بن الخطاب، فأخبره خبرَ ابن أبي حَدْرد، فقال عمرُ: كذب! فقال ابن أبي حَدْرد: إنْ تكذّبْني فطالما كذّبْتَ بالحقّ يا عمر! فقال عمر: ألا تسمعُ يا رسول الله إلي ما يقول ابن أبي حَدْرد! فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: قد كنتَ ضالًّا فهداك الله يا عمر (١) . (٣: ٧٢/ ٧٣) .
- (١)ذكر الطبري هذه الرواية من قول ابن إسحاق وبلا إسناد ولقد صحّ أنه - صلى الله عليه وسلم - بعث عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي ليأتيه بخبر القوم كما ذكرنا قبل رواية من حديث جابر بن عبد الله عند الحاكم في المستدرك (٣/ ٤٩). وصحح إسناده ووافقه الذهبي. وقد اتفق المؤرخ العمري والمحدث الألباني علي تصحيحه بمجموع طرقه ويكفي (للاختصار) أن نذكر تعليق العمري: وللحديث شواهد جعلت الشيخ الألباني يحكم بصحته بمجموع طرقه (إرواء العليل ٥/ ٣٤٤ - ٣٤٦) من كتاب السيرة النبوية للعمري (٢/ ٤٩٥).
-
٢٥٥ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سَلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: حدّثني أبو جعفر محمد بن علي بن حسين، قال: لما أجمع رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - السَّيرَ إلى هَوازن ليلقاهم، ذكر له أنّ عند صفوان بن أميّة أدراعًا وسلاحًا، فأرسل إليه، فقال: يا أبا أميّة -وهو يومئذ مشرك-: أعِرْنا سلاحك هذا نلْق فيه عدوَّنا غدًا. فقال له صفوان: أغَصْبًا يا محمد! قال: بل عارِية مضمونة حتى نؤدّيَها إليك، قال: ليس بهذا بأس، فأعطاه مئة دِرْع بما يصلحُها من السلاح؛ فزعموا أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - سأله أن يكفيَه حَمْلها ففعل.
قال أبو جعفر محمد بن عليّ: فمضت السنّة أن العاريّة مضمونة مؤدّاة (٢) . (٣: ٧٣) .
- (٢)إسناده ضعيف وله شاهد من حديث أمية بن صفوان بن أمية عن أبيه صفوان بن أمية رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استعار منه أدراعًا يوم حنين فقال: أغصب يا محمد؟ قال: لا بل عارية مضمونة قال: فضاع بعضها فعرض عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يضمنها له فقال: أنا اليوم يا رسول الله في الإسلام أرغب. أخرجه أحمد (٣/ ٤٠١) (٦/ ٤٦٥) وأخرجه أبو داود (٣ / ح ٣٥٦٢) عن أمة بن صفوان عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استعار منه أدراعًا يوم حنين فقال: أغصب يا محمد؟ فقال: لا بل عارية مضمونة وفي رواية أخرى لأبي داود (٣ / ح ٣٥٦٣): فلما هزم المشركون جمعت دروع صفوان ففقد منها أدراعًا فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لصفوان: إنا = = قد فقدنا من أدراعًا أدراعًا فهل نغرم لك قال: لا يا رسول الله لأن في قلبي اليوم ما لم يكن يومئذ. قال أبو داود: وكان أعاره قبل أن يسلم ثم أسلم. قلنا: وللحديث شاهد من حديث الحاكم في المستدرك (٣/ ٤٨) وقد ذكرناه آنفًا، ورواية أخرى عند الحاكم (٢/ ٤٧) من حديث ابن عباس وقال: صحيح الإسناد علي شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي والحديث رواه النسائي وغيره وقد ذكر الحافظ ابن كثير بعض روايات الحديث (البداية والنهاية ٣/ ٥٩٣ - ٥٩٤).
- ج ٢ ص ٢٩٩
٢٥٦ - حدثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكْر، قال: ثمّ خرجَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ومعه ألفان من أهل مكة، مع عشرة آلاف من أصحابه الذين فتح الله بهم مكة، فكانوا اثني عشر ألفًا، واستعمل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عَتّابَ بن أسيد بن أبي العيص بن أميّة بن عبد شمس علي مكّة أميرًا على مَنْ غاب عنه من الناس، ثم مضى على وجهه يريد لقاء هوازن (١) . (٣: ٧٣) .
- (١)هذا إسناد ضعيف، ولكن جاء تحديد جيش المسلمين يوم حنين في رواية للبخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لما كان يوم حنين، أقبلت هوازن وغطفان وغيرهم بنعمهم وذراريهم ومع النبي - صلى الله عليه وسلم - عشرة آلاف ومن الطلقاء. إلي آخر الحديث (صحيح البخاري، كتاب المغازي باب غزوة الطائف / ح ٤٣٣٧). قلنا: وواضح من رواية الطبري أن العدد أكثر من عشرة آلاف إذا أضفنا الطلقاء، وأخرج البيهقي من طريق عبد الله بن عياض بن الحارث الأنصاري عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتي هوازن في اثني عشر ألفًا .... الحديث. (البداية والنهاية ٣/ ٦٠٥). قلنا: وحديث عياض هذا أخرجه الطبراني في الكبير، وقال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه عبد الله بن عياض ذكره ابن أبي حاتم ولم يخرجه وبقية رجاله ثقات. (مجمع الزوائد ٦/ ١٨٣). وأما عن إمرة عتاب بن أسيد علي مكة فقد حسّنه الألباني في تحقيقه للسيرة النبوية / الغزالي. وقال: ذكره ابن هشام وابن جرير (٢/ ٣٦١) عن ابن إسحاق بدون سند. ورواه الحاكم (٣/ ٥٩٤ - ٥٩٥) عن مصعب بن عبد الله الزبيري معضلًا وعمر بن شبة في كتاب مكة عن عمر مولى عفرة معضلًا أيضًا. والمحاقلي في الجزء الخامس من الأمالي عن أنس بن مالك بسند ضعيف، ولكنه يتقوي بما قبله إن شاء الله (فقه السيرة / الغزالي / تحقيق الألباني / ٤٣٣).
-
٢٥٧ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سَلمة، عن ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه، قال: لمّا استقبلنا وادي حُنين، انحدَرْنا في واد من أودية تهامة أجوف حَطُوط، إنما ننحدر فيه انحدارًا
ج ٢ ص ٣٠٠- قال: وفي عماية الصبح، وكان القوم قد سبقوا إلى الوادي، فكَمنوا لنا في شعابه وأحنائه ومضايقه، قد أجمعوا وتهيَّؤوا وأعدّوا- فوالله ما راعنا ونحن منحطّون إلّا الكتائب قد شدّتْ علينا شَدّة رجل واحد؛ وانهزم الناس أجمعون، فانشمروا لا يلوي أحدٌ على أحد؛ وانحاز رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ذاتَ اليمين، ثم قال: أين أيها الناس! هلمّ إليَّ! أنا رسولُ الله، أنا محمد بن عبد الله! قال: فلا شيء، احتملت الإبل بعضها بعضًا، فانطلق الناس؛ إلّا أنه قد بقيَ مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - نفرٌ من المهاجرين والأنصار وأهل بيته. وممّن ثبت معه من المهاجرين أبو بكر، وعمر، ومن أهل بيته عليٌّ بن أبي طالب، والعبّاس بن عبد المطلب، وابنُه الفضل، وأبو سفيان بن الحارث، وربيعة بن الحارث، وأيمَن بن عُبيد -وهو أيمن ابن أمّ أيمن- وأسامة بن زيد بن حارثة. قال: ورجل من هوازن على جمل له أحمر، بيده راية سوداء في رأس رمح طويل، أمام الناس وهوازن خلْفه، إذا أدرك طعن برمحه، وإذا فاته الناس رفع رمحه لمن وراءه؛ فاتبعوه (١) . (٣: ٧٤) .
- (١)إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف إلا أن ابن هشام أخرجه في السيرة (٢/ ٤٤٢) من طريق ابن إسحاق قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه جابر بن عبد الله. قلنا: وهذا إسناد حسن أخرجه ابن حبان (الموارد / ح ١٧٠٤) وأحمد (٣/ ٣٧٦) والبيهقي (الدلائل ٥/ ١٢٠) والله تعالى أعلم.
-
٢٥٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، عن محمد بن إسحاق، عن الزّهريّ، عن كثير بن العباس، عن أبيه العباس بن عبد المطلب، قال: إنّي لمعَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - آخذٌ بحَكمَة بغلته البيضاء، قد شجرتُها بها، قال: وكنت امرأ جسيمًا شديد الصوت، قال: ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول حين رأي من الناس ما رأي: أينَ أيّها الناس! فلمّا رأى الناس لا يَلْوُون على شيء قال: يا عباس، اصرخ: يا معشر الأنصار! يا أصحاب السَّمُرَة! فناديت: يا معشرَ الأنصار، يا معشر أصحاب السَّمُرة! قال: فأجابوا: أنْ لبَّيك لبّيك! قال: فيذهبُ الرّجُل منهم يريد ليَثني بعيرَه؛ فلا يقدر علي ذلك، فيأخذ دِرْعه فيقذِفها في عُنقه، ويأخذ سيفه وتُرسه، ثم يقتحم عن بعيره فيخلِّي سبيلَه في الناس، ثم يَؤمّ الصوت، حتى ينتهيَ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ حتى إذا اجتمع إليه منهم مئة رجل استقبلوا الناس،
ج ٢ ص ٣٠١فاقتتلوا، فكانت الدَّعوى أوّلَ ما كانت: يا للأنصار! ثم جُعلت أخيرًا: يا للخزرج! وكانوا صُبُرًا عند الحرب؛ فأشرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ركابه، فنظر مُجْتلدَ القوم وهم يجتلدون، فقال: الآن حَمِيَ الوَطِيس (١) ! (٣: ٧٥) .
- (١)في إسناد الطبري ضعف إلا أن ابن هشام أخرجه من طريق ابن إسحاق هذا (٢/ ٤٤٤) وقد صرّح بالتحديث فإسناده حسن. والحديث أخرجه مسلم وبزيادة (قال: ثم أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حصيات فرمى بهن وجوه الكفار ثم قال: انهزموا ورب محمد: قال: فذهبت انظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى قال: فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته فما زلت أرى حدّهم كليلًا وأمرهم مدبرًا) صحيح مسلم / باب في غزوة حنين / عن ابن عباس ح (١٧٧٥) وأخرجه الحاكم (٣/ ٣٢٧) والله تعالى أعلم. وفي رواية مسلم أيضًا (ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يركض بغلته قبل الكفار ... الحديث).
-
٢٥٩ - حدَّثنا هارونُ بن إسحاق، قال: حدَّثنا مُصعب بن المقدام، قال: حدَّثنا إسرائيل، قال: حدَّثنا أبو إسحاق، عن البَرَاء، قال: كان أبو سفيان بن الحارث يقودُ بالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - بغلته يوم حُنين، فلمّا غَشِيَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - المشركون، نزل فجعل يرتجز، ويقول:
أنا النبيُّ لا كَذِبْ ... أنا ابنُ عبد المطَّلِبْ
فما رُئيَ من الناس أشدّ منه (٢) . (٣: ٧٥/ ٧٦) .
- (٢)هذا حديث صحيح أخرجه البخاري من حديث ابن إسحاق قال: سمعت البراء رضي الله عنه وجاءه رجل فقال: يا أبا عمارة أتوليت يوم حنين فقال: أما أنا فأشهد على النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لم يول ولكن عجل سرعان القوم فرشقتهم هوازن وأبو سفيان آخذ برأس بغلته البيضاء يقول: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب. (صحيح البخاري / كتاب المغازي ح ٤٣١٥). وأخرجه البخاري من طريقين آخرين عن أبي إسحاق عن البراء (٤٣١٦، ٤٣١٧) مع اختلاف يسير في الألفاظ. اهـ. والحديث أخرجه مسلم (ح ١٧٧٦) (وعند مسلم زيادة قوله - صلى الله عليه وسلم -: اللهم نزل نصرك). والترمذي (٤ / ح ١٦٨٨) وقال: وفي الباب عن علي وابن عمر وهذا حديث حسن صحيح.
-
٢٦٠ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه جابر بن عبد الله، قال: بينَا ذلك الرجل من هَوازن صاحب الراية على جملِه يصنع ما يصنع؛ إذ هَوَى له
ج ٢ ص ٣٠٢عليّ بن أبي طالب ورجل من الأنصار؛ يريدانه، فيأتيه عليٌّ من خلْفه، فيضرب عُرْقُوبيَ الجمل، فوقع على عَجُزه، ووثب الأنصاريّ على الرّجل فضربه ضربة أطَنَّ قدَمه بنصف ساقه، فانجعف عن رحْله. قال: واجتلد الناس، فوالله ما رجعتْ راجعةُ الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسارَى مكتّفين؛ وقد التفت رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب -وكان مِمّن صَبر يومئذ مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان حسنَ الإسلام حين أسلم، وهو آخذ بثَفَر بغلته- فقال: من هذا؟ قال: أنا ابن أمّك يا رسول الله (١) ! (٣: ٧٦) .
- (١)إسناده إلى ابن إسحاق ضعيف إلّا أن ابن هشام أخرجه من طريق ابن إسحاق هذا وقد صرّح بالتحديث (٢/ ٤٤٥) فإسناده حسن والله تعالى أعلم.
-
٢٦١ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سَلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكْر، أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التَفَت، فرأى أمّ سُليم بنت مِلْحان - وكانت مع زوجها أبي طلحة - حازمة وسطها ببُرْد لها؛ وإنّها لحامل بعبد الله بن أبي طلحة، ومعها جمل أبي طلحة، وقد خشيتْ أن يَعُزّها الجمل، فأدنت رأسه منها، فأدخلت يدها في خِزَامته مع الخطام، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: أمّ سليم! قالت: نعم؛ بأبي أنت وأمّي يا رسول الله! اقتُلْ هؤلاء الذين يفرُّون عنك كما تقتل هؤلاء الذين يقاتلونك، فإنهم لذلك أهلٌ، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: أوْ يكفي اللهُ يا أمّ سُليم! ومعها خنجر في يدها، فقال لها أبو طلحة: ما هذا معك يا أمّ سليم؟ قالت: خنجر أخذتْه معي؛ إن دنا منّي أحدٌ من المشركين بعجتُه به. قال: يقول أبو طلحة: - ألا تسمع ما تقولُ أمّ سليم يا رسول الله! (٢) . (٣: ٧٦/ ٧٧) .
- (٢)هذا إسناد ضعيف وحديث أم سليم حديث صحيح أخرجه مسلم من حديث أنس رضي الله عنه قال: إن أم سليم اتخذت يوم حنين خنجرًا فكان معها فرآها أبو طلحة فقال: يا رسول الله هذه أم سليم معها خنجر. فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (ما هذا الخنجر؟ ) قالت: اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت بطنه. فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يضحك. قالت: يا رسول الله اقتل من بعدنا من الطلقاء انهزموا بك فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا أم سليم إن الله قد كفى وأحسن". صحيح مسلم (ح ١٨٠٩) وأحمد (٣/ ١٩٠) والله تعالى أعلم.
-
٢٦٢ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، عن ابن إسحاق، قال: حدّثني حمّاد بن سلمة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك،
ج ٢ ص ٣٠٣قال: لقد استلبَ أبو طلحة يوم حنين عشرين رجلًا وحْدَه هو قتلهم (١) . (٣: ٧٧) .
- (١)إسناده ضعيف، وحديث أنس حديث صحيح أخرجه الحاكم (٢/ ١٣٠) وصححه وسكت عنه الذهبي، وأخرجه أبو داود في سننه (٣/ ٧١ / ح ٢٧١٨) من طريق حماد بن سلمة عن إسحاق بن عبد الله عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ (يعني يوم حنين): من قتل كافرًا فله سلبه، فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلًا وأخذ أسلابهم ولقي أبو طلحة أم سليم ومعها خنجر فقال: يا أم سليم ما هذا معك؟ قالت: أردت والله إن دنا مني بعضهم أبعج به بطنه فأخبر بذلك أبو طلحة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقال أبو داود: هذا حديث حسن.
-
٢٦٣ - قال أبو جعفر: وبعث رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في آثار مَنْ توجّه قِبَلَ أوطاس؛ فحدّثني موسى بن عبد الرحمن الكنديّ، قال: حدَّثنا أبو أسامة، عن بُريد بن عبد الله، عن أبي بُرْدة، عن أبيه، قال: لما قدِم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - من حُنين بعث أبا عامر على جيش إلى أوْطاس، فلقيَ دُرَيد بن الصّمّة، فقتل دريدًا، وهزم الله أصحابه.
قال أبو موسى: فبعثني مع أبي عامر، قال: فرُمِيَ أبو عامر في ركْبته، رماه رجلٌ من بني جُشَم بسهم فأثبتَه في ركبته، فانتهيت إليه، فقلت: يا عمّ، مَنْ رماك؟ فأشار أبو عامر لأبي موسى، فقال: إنّ ذاك قاتلي، تراه ذلك الذي رماني!
قال أبو موسى: فقصدت له فاعتمدتُه، فلحقْتُه، فلما رآني ولَّى عني ذاهبًا، فاتبعته، وجعلت أقول له: ألا تستحي! ألستَ عربيًّا! ألا تثبت! فكرَّ، فالتقيت أنا وهو، فاختلفنا ضربتين، فضربته بالسيف، ثم رجعت إلى أبي عامر، فقلت: قد قتل الله صاحبَك، قال: فانزع هذا السهم، فنزعتُه فنزَا منه الماء، فقال: يا بن أخي، انطلق إلى رسول الله، فأقرِئْه مني السلام، وقل له: إنه يقوله لك: استغفر لي.
قال: واستخلفني أبو عامر على الناس فمكث يسيرًا. ثمّ إنه مات (٢) . (٣: ٧٩/ ٨٠) .
- (٢)رجال هذا الإسناد رجال الصحيح سوى موسى بن عبد الرحمن الكندي وهو ثقة وحديث = = أبي موسى في صحيح البخاري ومسلم فقد أخرج البخاري في (صحيحه / كتاب المغازي / باب غزوة أوطاس / ح ٤٣٢٣). عن أبي بردة عن أبي موسى رضي الله عنه قال: لما فرغ النبي - صلى الله عليه وسلم - من حنين بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس فلقي دريد بن الصمة فقتل دريد وهزم الله أصحابه. قال أبو موسى: وبعثني مع أبي عامر فرُميَ أبو عامرٍ في ركبته رماه جشمي بسهم فأثبته في ركبته فانتهيت إليه فقلت: يا عم من رماك فأشار إلى أبي موسى فقال: ذاك قاتلي الذي رماني فقصدت له فلحقته فلما رآني ولّى فاتبعته وجعلت أقول له: ألا تستحي ألا تثبت فكفّ فاختلفنا ضربتين بالسيف فقتلته ثم قلت لأبي عامر: قتل الله صاحبك قال: فانزع هذا السهم فنزعته فنزا منه الماء. قال: يابن أخي أقرئ النبي - صلى الله عليه وسلم - السلام وقل له استغفر لي. واستخلفني أبو عامر على الناس فمكث يسيرًا ثم مات فرجعت فدخلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - في بيته على سرير مرمل وعليه فراش قد أثر رمالُ السرير بظهره وجنبه فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر وقال: قل له استغفر لي فدعا بماء فتوضأ ثم رفع يديه فقال: اللهم اغفر لعبدك أبي عامر ورأيت بياض إبطيه ثم قال: اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس فقلت ولي فاستغفر فقال: اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه وأدخله يوم القيامة مدخلًا كريمًا. قال أبو بردة: إحداهما لأبي عامر والأخرى لأبي موسى وأخرجه مسلم في صحيحه (فضائل أبي موسى وأبي عامر / ح ٢٤٩٨) والملاحظ أن في رواية الصحيحين زيادة ليست عند الطبري والله أعلم. وقال العمري في حاشية السيرة: وقد بينت رواية البخاري أن دريد بن الصمة قتل بأوطاس وأن الزبير هو الذي قتله (صحيح ٥/ ١٢٨) (السيرة النبوية ٢/ ٥٠٣). قلنا: أما أن دريدًا قُتل بأوطاس فذلك في رواية البخاري أما أن الزبير هو الذي قتل دريدًا فلا ندري إلى أية رواية من صحيح البخاري يشير العمري؟ والله أعلم. ولقد جاء عند البزار الحافظ من رواية أنس رضي الله عنه في غزوة حنين (ح ١٨٢٧) وفي آخرها: ثم قالوا: نرى فارسًا قد أقبل قال: ويلكم وحده؟ قالوا: وحده قال: خلّوه لي قالوا: معتجر بعمامة سوداء قال دريد: ذاك والله الزبير بن العوام وهو والله قاتلكم ومخرجكم من مكانكم هذا قال: فالتفت إليهم فقال: علام هؤلاء هاهنا؟ فمضى ومن اتبعه فقتل بها ثلاثمئة وحز رأس دريد بن الصمة فجعله بين يديه. وذكر الهيثمي رواية البزار هذه وقال: وفيه علي بن عاصم بن مهيب وهو ضعيف لكثرة غلطه وتماديه فيه وقد وثق وبقية رجاله ثقات (المجمع ٦/ ١٧٩).