غزو قبرس
٦٠ فقرة، ج ٩ ص ٦٦١
الصفحة ٢ من ٢
- ج ٩ ص ٦٨٦
فدفعه إلى يوسف، فنزع ثيابه ودرّعه عباءة ولحفه بأخري، وحمله في محمل بغير وطاء، وزميله أبو قحافة المُريّ ابن أخي الوليد بن تَلِيد - وكان عامل هشام على الموصل، فانطلق به حتى نزل المحْدَثة، على مَرْحلة من عسكر الوليد، ثم دعا به فذكر أمَّه، فقال: وما ذكر الأمهات لعنك الله! والله لا أكلمك كلمة أبدًا. فبسط عليه، وعذّبه عذابًا شديدًا [وهو] لا يكلّمه كلمة، ثم ارتحل به حتى إذا كان ببعض الطريق بعث إليه زيد بن تميم القينيّ بشربة سويق حبّ رمّان مع مولى له يقال له سالم النفّاط، فبلغ يوسف فضرب زيدًا خمسمئة سوط، وضرب سالمًا ألف سوط، ثم قدم يوسف الحيرة فدعا به وبإبراهيم ومحمد ابني هشام فبسط على خالد، فلم يكلّمه، وصبر إبراهيم بن هشام وخَرعَ محمد بن هشام، فمكث خالد يومًا في العذاب، ثم وضَع على صدره المضرّسة فقتله من الليل، ودفن بناحية الحيرة في عباءته التي كان فيها، وذلك في المحرّم سنة ست وعشرين ومئة في قول الهيثم بن عديّ، فأقبل عامر بن سهلة الأشعريّ فعقر فرسه على قبره، فضربه يوسف سبعمئة سوط.
قال أبو زيد: حدّثني أبو نُعيم قال: حدّثني رجل، قال: شهدتُ خالدًا حين أتِيَ به يوسف، فدعا بعود فوضع على قدميه، ثم قامت عليه الرّجال حتى كسِرت قدماه؛ فوالله ما تكلّم ولا عَبس، ثم على ساقيه حتى كُسِرَتا، ثم على فخذيه ثم على حَقْويه ثم على صدره حتى مات، فوالله ما تكلم ولا عَبس، فقال خلف بن خليفة لما قتِل الوليد بن يزيد:
ج ٩ ص ٦٨٧لقد سَكَّنَتْ كلبٌ وأَسباقُ مَذْحِجٍ ... صَدىً كان يَزْقو لَيْلَهُ غَيرَ راقِدِ
تَرَكْنَ أميرَ المؤمنينَ بخالدٍ ... مُكِبًّا على خَيْشُومِهِ غَيرَ سَاجِدِ
فإنْ تَقْطَعُوا مِنّا مَناطَ قِلَادَةٍ ... قَطَعْنا به منكمْ منَاطَ قَلائِدِ
وَإنْ تشْغَلُونا عن ندانا فإِنَّنا ... شَغلنا الوليدَ عن غناءِ الولائد
وإِنْ سافَرَ القَسريّ سَفرَةَ هالكٍ ... فإنَّ أَبا العباسِ ليسَ بشاهِدِ
وقال حسان بن جعدة الجعفريّ يكذّب خلف بن خليفة في قوله هذا:
إنَّ امْرَأً يَدَّعِي قتلَ الوليدِ سوَى ... أَعمامِهِ لَمَلِيء النفسِ بالكَذِب
ما كان إلا امْرَأً حانَتْ مَنِيَّتُهُ ... سَارتْ إليه بنو مرْوان بالعَرَبِ
وقال أبو محْجن مولى خالد:
سائلْ وَليدًا وسائلْ أهلَ عسكَرِه ... غداة صَبَّحَهُ شُؤْبُوبُنا البَرِدُ
هلْ جاءَ مِنْ مُضَرٍ نَفسٌ فتَمْنَعهُ ... والخَيْلُ تحْتَ عجاجِ الموتِ تَطّرِدُ
مَنْ يَهْجُنا جاهِلًا بالشِّعْر نَنْقُضهُ ... بالبيض إنها بِها نَهْجُو ونَفتئدُ
وقال نصر بن سعيد الأنصاريّ:
أَبْلغ يَزيدَ بَنِي كرْزٍ مُغَلْغَلةً ... أَني شُفِيتُ بِغَيْب غَيْرَ مَوْتُورِ
قَطَعتَ أَوْصال قَنُّورٍ على حَنَقٍ ... بِصَارِمٍ مِنْ سُيُوفِ الهِنْدِ مأْثورِ
أمْسَتْ حلائلُ قَنُّورٍ مُجَدَّعَةً ... لِمَصْرَعِ العبدِ قنُّورِ بن قَنُّورِ
ظلّتْ كِلابُ دمَشْقٍ وَهْيَ تَنْهَشُهُ ... كأنَّ أعضاءَهُ أعضاءُ خنزِير
غادَرْنَ مِنْهُ بقايا عِنْدَ مَصرَعِهِ ... أنقاضَ شِلْوٍ على الأَطْنَابِ مَجْرور
حكّمْتَ سَيْفك إذ لَمْ تَرْضَ حكمَهمُ ... والسَّيْفُ يحكمُ حكْمًا غَيْر تعذِير
لا ترْضَ مِنْ خالدٍ إنْ كُنْتَ مُتَّئرًا ... إلا بكلِّ عَظِيم المُلك مَشْهُورِ
أسعرْتَ مُلكَ نِزَارٍ ثمَّ رُعْتَهُمُ ... بالخيْلِ ترْكُضُ بالشُمّ المَغَاوير
ما كانَ في آل قَنُّور ولا وَلَدوا ... عَدْلًا لبدرْ سَماء ساطِعٍ النّور
[٧/ ٢٥٤ - ٢٦١] .
قال عمرو بن مروان؛ فحدّثني يزيد بن مَصَاد، قال: كنت في عسكر سليمان، فلحقنا أهل حِمْص، وقد نزلوا السلمانيّة، فجعلوا الزيتون على أيمانهم، والجبَل على شمائلهم، والجِباب خلفهم؛ وليس عليهِم مأتىً إلا من وجْه واحد، وقد نزلوا أوّل الليل، فأراحوا دوابَّهم، وخرجنا نسري ليلتَنا
ج ٩ ص ٦٨٨كلَّها، حتى دفعنا إليهم؛ فلما متَع (١) النهار واشتدّ الحرّ، ودوابنا قد كلّت وثقل علينا الحديد، دنوت من مسرور بن الوليد، فقلت له - وسليمان يسمع كلامي: أنشدك الله يا أبا سعيد أن يُقدِم الأمير جندَه إلى القتال في هذه الحال! فأقبل سليمان فقال: يا غلام، أصبر نفسَك، فوالله لا أنزل حتى يقضيَ الله بيني وبينهم ما هو قاض، فتقدَّم وعلى ميمنتِه الطُّفيل بن حارثة الكلبيّ، وعلى ميسرته الطُّفَيل بن زرارة الحبشيّ، فحملوا علينا حَمْلة، فانهزمت الميمنة والميسرة أكثر من غَلْوتين، وسليمان في القلْب لم يزُل من مكانه؛ ثم حمل عليهم أصحاب سليمان حتى ردّوهم إلى موضعهم، فلم يزالوا يحملون علينا ونحمل عليهم مرارًا، فقتِل منهم زُهاء مئتي رجل، فيهم حرب بن عبد الله بن يزيد بن معاوية، وأصيب من أصحاب سليمان نحوٌ من خمسين رجلًا، وخرج أبو الهَلباء البَهْرانيّ - وكان فارسَ أهل حمْص - فدعا إلى المبارزة، فخرج إليه حَيّة بن سلامة الكلبيّ فطعنه طعنة أذراه عن فرسه، وشدّ عليه أبو جعدة (مولىً لقريش من أهل دمشق) فقتله، وخرج ثُبيت بن يزيد البهرانيّ، فدعا إلى المبارزة، فخرج إليه إيراك السُّغديّ، من أبناء ملوك السُّغد كان منقطعًا إلى سليمان بن هشام - وكان ثبيت قصيرًا، وكان إيراك جسيمًا - فلما رآه ثُبيت قد أقبل نحوه استطرد، فوقف إيراك ورماه بسهم فأثبت عضلة ساقه إلى لبْده، قال: فبينا هم كذلك إذ أقبل عبد العزيز من ثَنيّة العُقَاب، فشدّ عليهم، حتى دخل عسكرهم فقتَل ونفذ إلينا.
- (١)متع النهار: طال وامتد. القاموس المحيط ص ٩٨٥.
-
[قال أحمد] : قال عليّ: قال عمرو بن مروان: فحدّثني سليمان بن زياد الغسانيّ قال: كنت مع عبد العزيز بن الحجاج: فلما عاين عسكر أهل حمص، قال لأصحابه: موعدكم التلَّ الذي في وسط عسكرهم؛ والله لا يتخلّف منكم أحدٌ إلّا ضربتُ عنقه. ثم قال لصاحب لوائه: تقدّم، ثم حمل وحملنا معه؛ فما عرض لنا أحد إلا قُتِل حتى صرنا على التلّ، فتصدّع عسكرهم، فكانت هزيمتهم، ونادى يزيد بن خالد بن عبد الملك القسريّ: الله الله في قومك! فكفّ الناس، وكره ما صنع سليمان وعبد العزيز؛ وكاد يقع الشرّ بين الذَّكوانيَّة وسليمان وبين بني عامر من كلْب، فكفُّوا عنهم، علَى أن يبايعوا ليزيد بن الوليد، وبعث
ج ٩ ص ٦٨٩سليمان بن هشام إلى أبي محمد السفيانيّ ويزيد خالد بن يزيد بن معاوية فأخِذا، فمرَّ بهما على الطُفيل بن حارثة، فصاحا به: يا خالاه! ننشدك الله والرّحم! فمضى معهما إلى سليمان فحبسهما، فخاف بنو عامر أن يقتلَهما، فجاءت جماعة منهم؛ فكانت معهما في الفُسطاط، ثم وجّههما إلى يزيد بن الوليد، فحبسهما في الخَضْراء مع ابني الوليد، وحبس أيضًا يزيد بن عثمان بن محمد بن أبي سفيان؛ خال عثمان بن الوليد معهم، ثم دخل سليمان وعبد العزيز إلى دمشق؛ ونزلا بعذراء، واجتمع أمر أهل دمشق، وبايعوا يزيد بن الوليد، وخرجوا إلى دمشق وحِمْص وأعطاهم يزيد العَطَاء، وأجاز الأشراف منهم معاوية بن يزيد بن الحصين والسِّمط بن ثابت وعمرو بن قيس وابن حُوَيّ والصقر بن صفوان؛ واستعمل معاوية بن يزيد بن حصين من أهل حمص، وأقام الباقون بدمشق، ثم ساروا إلى أهل الأردنّ وفلسطين وقد قتل من أهل حِمْص يومئذ ثلثمئة رَجُل. [٦/ ٢٦٤ - ٢٦٦] .
قال: وحدّثني عثمان بن داود الخوْلانيّ، قال: وجّهني يزيد بن الوليد ومعي حذيفة بن سعيد إلى محمد بن عبد الملك ويزيد بن سليمان، يدعوهما إلى طاعته، ويعدهما ويمنّيهما، فبدأنا بأهل الأردنّ ومحمد بن عبد الملك، فاجتمع إليه جماعة منهم؛ فكلّمتُه فقال بعضهم: أصلح الله الأمير! اقتل هذا القدَريّ الخبيث، فكفهم عني الحكم بن جرو القيني. فأقيمت الصلاة فخلوتُ به، فقلتُ: إني رسول يزيد إليك، والله ما تركت ورائي راية تُعْقَدُ إلّا على رأس رجل من قومك، ولا دِرهم يخرج من بيت المال إلّا في يد رجل منهم؛ وهو يحمل لك كذا وكذا. قال: أنت بذاك؟ قلت: نعم: ثم خرجت فأتيت ضِبْعان بن رَوْح، فقلت له مثل ذلك، وقلت له: إنه يوليك فلسطين ما بَقِيَ، فأجابني فانصرفت، فما أصبحت حتى رَحل بأهلِ فلسطين.
-
حدّثني أحمد، عن عليّ، عن عمرو بن مَرْوان الكلبيّ، قال: سمعتُ محمد بن سعيد بن حسان الأردنيّ، قال: كنت عَيْنًا ليزيد بن الوليد بالأردنّ، فلما اجتمع له ما يريد ولّاني خراج الأردنّ، فلما خالفوا يزيد بن الوليد أتيتُ سليمان بن هشام، فسألته أن يوجّه معي خيلًا، فأشنّ الغارة على طَبريّة، فأبى سليمان أن يوجّه معي أحدًا، فخرجت إلى يزيد بن الوليد، فأخبرته الخبر، فكتب إلى
ج ٩ ص ٦٩٠سليمان كتابًا بَخطه، يأمره أن يوجه معي ما أردت؛ فأتيتُ به سليمان، فوجه معي مسلم بن ذَكْوان في خمسة آلاف، فخرجت بهم ليلًا حتى أنزلتهم البطيحة، فتفرّقوا في القُري، وسرت أنا في طائفة منهم نحو طبريّة، وكتبوا إلى عسكرهم، فقال أهل طَبريّة: علام نقيم والجنود تجوس منازلنا وتحكم في أهالينا! ومضوا إلى حجرة يزيد بن سليمان ومحمد بن عبد الملك، فانتهبوهما وأخذوا دوابهما وسلاحهما، ولحقوا بقراهم ومنازلهم؛ فلما تفرّق أهلُ فلسطين والأردنّ، خرج سليمان حتى أتى الصِّنَّبْرَة، وأتاه أهل الأردنّ، فبايعوا ليزيد بن الوليد؛ فلما كان يوم الجمعة وجّه سليمان إلى طَبريَة، وركب مركبًا في البحيرة، فجعل يسايرهم حتى أتى طبريّه، فصلى بهم الجمعة، وبايع مَنْ حضر ثم انصرف إلى عسكره.
-
حدثني أحمد، قال: حدَّثنا عليّ، عن عمرو بن مَرْوان الكلبيّ، قال: حدّثني عثمان بن داود، قال: لما نزل سليمان الصَّنّبرة، أرسلني إلى يزيد بن الوليد، وقال لي: أعلِمْه أنك قد علمت جفاء أهل فلسطين، وقد كفي الله مؤونتهم، وقد أزمعت على أن أولِّيَ ابن سراقة فلسطين والأسود بن بلال المحاربيّ الأردنّ. فأتيت يزيد، فقلت له ما أمرني به سليمان، فقال: أخبرني كيف قلت لضِبْعان بن رَوْح؟ فأخبرته، قال: فما صنع؟ قلت: ارتحلَ بأهل فلسطين، وارتحل ابن جِرْو بأهل الأردنّ قبل أن يُصبِحا. قال: فليسا بأحقّ بالوفاء منا، ارجع فمرْه ألّا ينصرف حتى ينزل الرمْلة، فيبايعْ أهلها، وقد استعملتُ إبراهيم بن الوليد على الأردنّ وضِبعان بن رَوْح على فلسطين ومسرور بن الوليد على قنَّسرين وابن الحصين على حِمص. [٧/ ٢٦٧ - ٢٦٨] .
-
ثم دعا الناس إلى تجديد البيعة له، فكان أول من بايعه الأفقم يزيد بن هشام، وبايعه قيس بن هانيء العبسيّ، فقال: يا أمير المؤمنين، اتّق الله ودُمْ على ما أنت عليه، فما قام مقامك أحدٌ من أهل بيتك؛ وإن قالوا: عمر بن عبد العزيز فأنت أخذتها بحبل صالح، وإن عمر أخذها بحبل سوء. فبلغ مروان بن محمد قولُه، فقال: ما له قاتله الله ذمّنا جميعًا وذمّ عمر! فلما وليّ مروان بعث رجلًا، فقال: إذا دخلتَ مسجد دمشق فانظر قيس بن هانيء، فإنه طالما صلّى فيه، فاقتله؛ فانطلق الرجل، فدخل مسجد دمشق، فرأى قَيْسًا يصلي فقتله.
- ج ٩ ص ٦٩١
وفي هذه السنة عَزل يزيد بن الوليد يوسف بن عمر عن العراق وولاها منصورَ بن جُمْهور.
-
ذكر الخبر عَنْ عزل يوسف بن عمر وولاية منصور بن جُمْهور:
ولما استوثق ليزيد بن الوليد على الطاعة أهل الشام، ندب - فيما قيل - لولاية العراق عبدَ العزيز بن هارون بن عبد الله بن دحية بن خليفة الكلبيّ، فقال له عبد العزيز: لو كان معي جند لقبلت، فتركه وولّاها منصور بن جمهور.
-
وأما أبو مخنف، فإنه قال - فيما ذكر هشام بن محمد عنه: قتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك يوم الأربعاء، لليلتين بقيَتا من جمادي الآخرة سَنة ست وعشرين ومئة، وبايع الناس يزيد بن الوليد بن عبد الملك بدمشق، وسار منصور بن جمهور من البَخْراء في اليوم الذي قتِل فيه الوليد بن يزيد إلى العراق، وهو سابع سبعة، فبلغ خبرُه يوسفَ بن عمر فهرب، وقدم منصور بن جمهور الحيرة في أيام خَلْون من رجب، فأخذ بيوت الأموال، فأخرج العطاء لأهل العطاءِ والأرزاق، واستعمل حُريث بن أبي الجهم على وَاسط، وكان عليها محمد بن نُباتة، فطرقه ليلًا فحبسه وأوثقه، واستعمل جرير بن يزيد بن يزيد بن جرير على البصرة، وأقام منصور وولَّى العمال، وبايع ليزيد بن الوليد بالعراق، وفي كورها، وأقام بقيّة رجب وشعبان ورمضان، وانصرف لأيام بَقِينَ منه.
-
وأما غيرُ أبي مخنف فإنه قال: كان منصور بن جمهور أعرابيًّا جافيًا غَيْلانيًّا، ولم يكن من أهل الدّين، وإنما صار مع يزيد لرأيه في الغَيْلانيّة، وحميّةً لقتل خالد، فشهد لذلك قتل الوليد، فقال يزيد له لما ولاه العراق: قد وليتُك العراق فسر إليه، واتّق الله، واعلم أني إنما قتلت الوليد لفسقه ولمَا أظهرَ من الجوْر؛ فلا ينبغي لك أن تركب مثل ما قتلناه عليه، فدخل على يزيد بن الوليد يزيدُ بن حجرة الغسانيّ - وكان ديّنًا فاضلًا ذا قَدْر في أهل الشأم، قد قاتل الوليد ديانةً - فقال: يا أمير المؤمنين، أولّيتَ منصورًا العراق؟ قال: نعم، لبلائه وحسن معونته، قال: يا أميرَ المؤمنين؛ إنه ليس هناك في أعرابيّته وجفائه في الدين. قال: فإذا لم أولّ منصورًا في حسن معاونته فمَنْ أوَلِّي! قال: تولِّي رجلًا من أهل الدين والصلاح والوقوف عند الشبهات، والعلم بالأحكام والحدود؛ وما لي لا أري أحدًا من قيس يغشاك، ولا يقف ببابك! قال: لولا أنه ليس من شأني
ج ٩ ص ٦٩٢سفك الدماء لعاجلتُ قيسًا، فوالله ما عزَّتْ إلّا ذلّ الإسلام.
-
ولما بلغ يوسفَ بن عمر قتلُ الوليد، جعل يعمِد إلى مَن بحضرته من اليمانيَة فيلقيهم في السُّجون، ثم جعل يخلُو بالِرجل بعد الرّجل من المضريّة، فيقول له: ما عندك إن اضطرب حبل أو انفتق فَتْق؟ فيقول: أنا رجل من أهل الشام، أبايع مَنْ بايعوا، وأفعل ما فعلوا، فلم يرَ عندهم ما يحبّ، فأطلَق مَنْ في السجون من اليمانية، وأرسل إلى الحجاج بن عبد الله البصريّ ومنصور بن نصير - وكانا على خَبَر ما بينه وبين أهل الشام - فأمرهما بالكتاب إليه بالخبر، وجعل على طريق الشام أرصادًا، وأقام بالحيرة وجلًا، وأقبل منصور حتى إذا كان بالجمع؛ كتب إلى سُليمان بن سُليم بن كيسان كتابًا:
أما بعد، فإن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم؛ وإذا أراد الله بقوم سوءًا فلا مردَّ له؛ وإنّ الوليد بن يزيد بدّل نعمة الله كفرًا، فسفّك الدّماء، فسفك الله دَمه، وعجَّله إلى النار! وولى خلافته مَنْ هو خير منه، وأحسن هديًا؛ يزيد بن الوليد، وقد بايعه الناس، وولّى على العراق الحارثَ بن العباس بن الوليد، ووجّهني العباس لآخذ يوسف وعماله، وقد نزل الأبيض، ورائي على مرحلتين؛ فخذ يوسف وعماله، لا يفوتنّك منهم أحد، فاحبسهم قِبَلك، وإياك أن تخالف، فيحلّ بك وبأهل بيتك ما لا قِبَل لك به؛ فاختر لنفسك أو دَعْ.
-
وقيل إنه لما كان يعين التّمْر كتب إلى مَنْ بالحيرة من قوّاد أهل الشأم يُخبرهم بقتل الوليد، ويأمرهم بأخذ يوسف وعماله. وبعث بالكتب كلها إلى سليمان بن سُليم بن كَيْسان، وأمره أن يفرّقها على القوّاد، فأمسكها سليمان، ودخل على يوسف، فأقرأه كتاب منصور إليه، فَبعِل به (١) .
قال حُريث بنُ أبي الجهم: كان مكثي بواسط؛ فما شعرت إلا بكتاب منصور بن جمهور قد جاءني أن خذْ عمال يوسف، فكنت أتولّى أمره بواسط، فجمعت مواليَّ وأصحابي، فركبنا نحوًا من ثلاثين رجلًا في السلاح؛ فأتينا المدينة. فقال البوابون: مَنْ أنت؟ قلتُ: حُرَيث بن أبي الجهم، فقالوا: نقسم بالله ما جاء
ج ٩ ص ٦٩٣بحريث إلا أمر مهمٌّ؛ ففتحوا الباب فدخلنا، فأخذنا العامل فاستسلم، وأصبحنا فأخذنا البَيْعة من الناس ليزيد بن الوليد.
قال: وذكر عمر بن شجرة أنّ عمرو بن محمد بن القاسم كان على السِّند، فأخذ محمد بن غزّان - أو عِزّان - الكلبيّ، فضربه وبعث به إلى يوسف، فضربه وألزمه مالًا عظيمًا يؤدّى منه في كل جمعة نجمًا، وإن لم يفعل ضرِب خمسة وعشرين سوطًا، فجفت يده وبعض أصابعه، فلما ولي منصور بن جمهور العراق ولّاه السِّند وسجستان، فأتى سجسْتان فبايع ليزيد، ثم سار إلى السند، فأخذ عمرو بن محمد، فأوثقه وأمر به حرَسًا يحرسونه، وقام إلى الصلاة، فتناول عمرو سيفًا مع الحَرَس، فاتّكأ عليه مسلولًا حتى خالط جوفه، وتصايح الناسُ؛ فخرج ابن غَزّان فقال: ما دعاك إلى ما صنعت؟ قال: خفت العذاب، قال: ما كنت أبلغ منك ما بلغتَه من نفسك. فلبث ثلاثًا ثم مات، وبايع ابن غزّان ليزيد؛ فقال يوسف بن عمر لسليمان بن سليم بن كيسان الكلبيّ حين أقرأه كتاب منصور بن جمهور: ما الرأي؟ قال: ليس لك إمام تقاتل معه، ولا يقاتل أهل الشأم الحارث بن العباس معك، ولا آمن عليك منصور بن جمهور إن قدم عليك، وما الرّأي إلا أن تلحق بشأمك؛ قال: هو رأيي، فكيف الحيلة؟ قال: تظهر الطاعة ليزيد، وتدعُو له في خُطبتك؛ فإذا قرب منصور وجّهتُ معك مَنْ أثق به. فلما نزل منصور بحيث يصبّح الناس البلدَ، خرج يوسف إلى منزل سليمان بن سليم، فأقام به ثلاثًا، ثم وجّه معه من أخذ به طريق السَّمَاوة حتى صار إلى البَلْقاء.
- (١)بعل به؛ أي: تبرم فلم يدر ما يصنع، والبعل: الضجر والتبرم بالشيء.
-
وقد قيل إنّ سليمان قال له: تستخفي وتَدع منصورًا والعملَ، قال: فعند مَنْ؟ قال: عندي، وأضعك في ثقة؛ ثم مضى سليمان إلى عمرو بن محمد بن سعيد بن العاص، فأخبره بالأمر، وسأله أن يؤويَ يوسف، وقال: أنت امرؤٌ من قريش، وأخوالك بكر بن وائل؛ فآواه. فال عمرو: فلم أر رجلًا كان مثل عُتُوّه رُعب رُعْبَه؛ أتيته بجارية نفيسة، وقلت: تدفئه وتطيِّب نفسه، فوالله ما قربها ولا نظر إليها، ثم أرسل إليّ يومًا فأتيته، فقال: قد أحسنتَ وأجملت؛ وقد بقيتْ لي حاجة، قلت: هاتها، قال: تخرجني من الكوفة إلى الشأم، قلت: نعم، وصبّحنَا منصور بن جمهور، فذكر الوليد فعابه، وذكر يزيد بن الوليد،
ج ٩ ص ٦٩٤فقرظه وذكر يوسف وجَوْره، وقامت الخطباء فشعّثوا من الوليد ويوسف، فأتيته فأقصصت قِصّتهم، فجعلت لا أذكر رجلًا ممّن ذكره بسوء إلا قال: لله عليّ أن أضربه مئة سوّط، مئتي سوط؛ ثلثمئة سوط؛ فجعلت أتعجّب من طمعه في الولاية بعد؛ وتهدده الناس، فتركه سليمان بن سُليم، ثم أرسله إلى الشام فاختفى بها، ثم تحوّل إلى البلقاء.
-
ذكر عليّ بن محمد أن يوسف بن عمر وجّه رجلًا من بني كلاب في خمسمئة، وقال لهم: إن مرّ بكم يزيد بن الوليد فلا تَدعُنّه يجوز، فأتاهم منصور بن جمهور في ثلاثين، فلم يهايجوه، فانتزع سلاحهم منهم، وأدخلهم الكوفة، قال: ولم يخرج مع يوسف من الكوفة إلّا سفيان بن سلامة بن سليم بن كيسان وغسّان بن قعاس العذريّ، ومعه من ولده لصلبه ستون بين ذكر وأنثى، ودخل منصور الكوفة لأيام خَلَوْن من رجب، فأخذ بيوت الأموال، وأخرج العَطاء والأرزاق، وأطلق مَن في سجون يوسف من العمال وأهل الخراج.
قال: فلما بلغ يوسف البلقَاء حينئذ بلغ خبرُه إلى يزيد بن الوليد؛ فحدّثني أحمد بن زهير؛ قال: حدثنا عبد الوهاب بن إبراهيم خالد بن يزيد بن هريم، قال: حدّثنا أبو هاشم مخلّد بن محمد بن صالح مولى عثمان بن عفان، قال: سمعت محمد بن سعيد الكلبيّ - وكان من قوّاد يزيد بن الوليد - يقول: إنّ يزيد وجّهه في طلب يوسف بن عمر حيث بلغه أنه في أهله بالبلقاء، قال: فخرجت في خمسين فارسًا أو أكثر، حتى أحطت بداره بالبلقاء، فلم نزل نفتّش، فلم نر شيئًا، وكان يوسف قد لبس لُبسة النساء، وجلس مع نسائه وبناته، ففتشهنّ فظفر به مع النساء، فجاء به في وَثاق، فحبسه في السجن مع الغلامين ابني الوليد، فكان في الحبس ولايةَ يزيد كلها وشهرين وعشرة أيام من ولاية إبراهيم؛ فلما قدم مروان الشام وقرب من دمشق وليَ قتلهم يزيد بن خالد، فأرسل يزيد مولى خالد - يكنى أبا الأسد - في عدَّة من أصحابه، فدخل السجن لشدخ الغلامين بالعَمد، وأخرج يوسف بن عمر فضرب عنقه.
-
وقيل: إن يزيد بن الوليد لما بلغه مصيرُ يوسف إلى البَلْقاء وجّه إليه خمسين فارسًا، فعرض له رجل من بني نُمير، فقال: يابن عمّ، أنت والله مقتول فأطعني وامتنع، وائذن لي حتى أنتزعَك من أيادي هؤلاء. قال: لا، قال: فَدعْنِي أقتلك
ج ٩ ص ٦٩٥أنا، ولا يقتلك هذه اليمانية؛ فتغيّظنا بقتلك، قالى: ما لي في واحدة مما عرضتَ عليّ خيار، قال: فأنت أعلم.
-
ومضوا به إلى يزيد، فقال: ما أقدمك؟ قال: قدم منصور بن جمهور واليًا فتركته والعمل، قال: لا، ولكنك كرهت أن تليَ لي، فأمر بحبسه، وقل: إن يزيد دعا مسلم بن ذكوان ومحمد بن سعيد بن مطرِّف الكلبيّ، فقال لهما؛ إنه بلغني أنّ الفاسق يوسف بن عمر قد صارَ إلى البلقاء، فانطلِقا فائْتياني به، فطلباه فلم يجدَاه: فرهَّبا ابنًا له، فقال: أنا أدلّكما عليه، فقال: إنه انطلق إلى مَزرعة له على ثلاثين ميلًا، فأخذا معهما خمسين رجلًا من جُنْد البلقاء، فوجدوا أثره - وكان جالسًا - فلما أحسّ بهم هرب وترك نعليه، ففتّشا فوجداه بين نسوة قد ألقيْن عليه قطيفة خزّ، وجلسْنَ على حواشيها حاسرات، فجرّوا برجله، فجعل يطلب إلى محمد بن سعيد أن يُرضِيَ عنه كلبًا، ويدفع عشرة آلاف دينار وديَةَ كلثوم بن عمير وهانئ بن بشر، فأقبلا إلى يزيد، فلقيه عاملٌ لسليمان على نوبة من نوائب الحرس، فأخذ بلحيته فهزّها، ونتف بعضها - وكان من أعظم الناس لحية وأصغرهم قامة - فأدخلاه على يزيد، فقبض على لحية نفسه - وإنها حينئذ لتَجوز سرّته - وجعل يقول: نتف والله يا أمير المؤمنين لحيتي، فما بقي فيها شعرة. فأمر به يزيد فحبُس في الحَضْراء، فدخل عليه محمد بن راشد، فقال له: أما تخاف أن يطلّع عليك بعض من قد وترت، فيُلقى عليك حجرًا! فقال: لا والله ما فطنت إلى هذا، فنشدتك الله إلّا كلمتَ أمير المؤمنين في تحويلي إلى مجلس غير هذا؛ وإن كان أضيقَ منه! قال: فأخبرت يزيد، فقال: ما غاب عنك من حُمقه أكثر، وما حبستُه إلا لأوجّهه إلى العراق، فيقام للناس وتُؤخذ المظالم من ماله ودمه.
-
ولما قَتل يزيد بن الوليد الوليدَ بن يزيد، ووجّه منصور بن جمهور إلى العراق كتب يزيد بن الوليد إلى أهل العراق كتابًا يذكر فيه مساوئ الوليد، فكان مما كتب به - فيما حدّثني أحمد بن زهير عن عليّ بن محمد: إنّ الله اختار الإسلام دينًا وارتضاه وطهّره، وافترض فيه حقوقًا أمر بها، ونهى عن أمور حرّمها؛ ابتلاء لعباده في طاعتهم ومعصيتهم، فأكمل فيه كلّ منقبَة خير وجسيم فضل؛ ثم تولّاه، فكان له حافظًا ولأهله المقيمين حدوده وليًّا، يحوطهم ويعرّفهم بفضل
ج ٩ ص ٦٩٦الإسلام، فلم يكرم الله بالخلافة أحدًا يأخذ بأمر الله وينتهي إليه فيناوئه أحدٌ بميثاق أو يحاول صرف ما حباه الله به، أو ينكث ناكث إلّا كان كيدُه الأوْهن، ومكرُه الأبور؛ حتى يتمّ الله ما أعطاه، ويدّخر له أجره ومثوبته، ويجعل عدوّه الأَضَلّ سبيلًا، الأخسرَ عملًا.
-
فتناسخت خلفاء الله ولاة دينه، قاضين فيه بحُكْمه، متبعين فيه لكتابه؛ فكانت لهم بذلك من ولايته ونصرته ما تمّت به النعم عليهم، قد رضي الله بهم لها حتى توفي هشام.
-
ثم أفضى الأمر إلى عدوّ الله الوليد المنتهك للمحارم التي لا يأتي مثلها مُسلم، ولا يُقدِم عليها كافر؛ تكرُّمًا عن غشيان مثِلها، فلما استفاض ذلك منه واستعلن، واشتدّ فيه البلاء، وسُفِكت فيه الدماء، وأخِذَت الأموال بغير حقها؛ مع أمور فاحشة، لم يكن الله ليمليَ للعاملين بها إلا قليلًا، سرتُ إليه مع انتظار مراجعته، وإعذار إلى الله وإلى المسلمين، منكرًا لعمله وما اجترأ عليه من معاصي الله، متوخّيًا من الله وإلى المسلمين، منكرًا لعمله وما اجترأ عليه من معاصي الله، متوخّيًا من الله إتمام الذي نويتُ؛ من اعتدال عمود الدين، والأخذ في أهله بما هو رضا، حتى أتيت جندًا، وقد وَغرَتْ صدورهم على عدوِّ الله، لما رأوا من عمله؛ فإنّ عدوّ الله لم يكن يرى من شرائع الإسلام شيئًا إلا أراد تبديلَه، والعمل فيه بغير ما أنزل الله؛ وكان ذلك منه شائعًا شاملًا عريان لم يجعل الله فيه سترًا، ولا لأحد فيه شكًّا، فذكرتُ لهم الذي نَقِمتُ وخِفت من فساد الدين والدنيا، وحَضَضْتهم على تلافِي دينهم والمحاماة عنه؛ وهم في ذلك مُستريبون، قد خافوا أن يكونوا قد أبقوْا لأنفسهم بما قاموا عليه، إلى أن دعوتُهم إلى تغييره فأسرعوا الإجابة.
-
فابتعث الله منهم بعثًا يخبرهم من أولي الدين والرضا، وبعثت عليهم عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك، حتى لقىِ عدوَّ الله إلى جانب قرية يقال لها البَخْراء، فدعوْه إلى أن يكون الأمر شورَى، ينظر المسلمون لأنفسهم مَنْ يقلدونه ممّن اتفقوا عليه، فلم يجب عدوّ الله إلى ذلك؛ وأبى إلّا تتايُعًا في ضلالته؛ فبدرهم الحملة جهالة بالله، فوجد الله عزيزًا حكيمًا، وأخْذَه أليمًا شديدًا، فقتله الله على سوء عمله وعُصبتَه؛ ممن صاحبوه من بطانته الخبيثة،
ج ٩ ص ٦٩٧لا يبلغون عشرة، ودخل مَنْ كان معه سواهم في الحقّ الذي دُعوا إليه، فأطفأ الله جَمْرته وأراح العباد منه، فبُعدًا له ولمن كان على طريقته!
-
أحببت أن أعلمكم ذلك، وأعجّل به إليكم، لتحمدوا الله وتشكروه، فإنكم قد أصبحتم اليومَ على أمثل حالكم؛ إذ ولاتكم خياركم، والعدل مبسوط لكم، لا يُسار فيكم بخلافه؛ فأكثروا على ذلك حمد ربِّكم، وتابعوا منصور بن جمهور؛ فقد ارتضيتُه لكم، على أنّ عليكم عهد الله وميثاقه، وأعظم ما عهِد وعقد على أحد من خلقه؛ لتستمعُنّ وتطيعنّ لي، ولمن استخلفته من بعدي، ممن اتفقت عليه الأمة، ولكم عليّ مثل ذلك؛ لأعملنّ فيكم بأمر الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، واتبع سبلَ مَنْ سلف من خياركم؛ نسأل الله ربَّنا ووليّنا أحسن توفيقه وخير قضائه [٧/ ٢٦٩ - ٢٧٧] .