ثم دخلت سنة خمسين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث

٣ فقرات، ج ١١ ص ٢٠

  1. فذُكِر أن معاوية بن عبيد الله وزير المهديّ كان يوهن أمر خازم، والمهديّ يومئذ بنيسابور، وكان معاوية يخرج الكتب إلى خازم بن خزيمة وإلى غيره من القوّاد بالأمر والنهي، فاعتلّ خازم وهو في عسكره، فشرب الدواء ثم ركب البريد، حتى قدم على المهديّ بنيسابور، فسلّم عليه واستخلاه - وبحضرته أبو عبيد الله - فقال المهديّ: لا عَيْقَ عليك من أبي عبيد الله، فقلْ ما بدا لك؛ فأبى خازم أن يخبرَه أو يكلّمه، حتى قام أبو عبيد الله، فلمّا خلا به شكا إليه أمرَ معاوية بن عبيد الله، وأخبره بعصبيّته وتحامُلِه، وما كان يرد من كُتبه عليه وعلى مَنْ قبلَه من القواد، وما صاروا إليه بذَلك من الفساد والتأمّر في أنفسهم، والاستبداد بآرائهم، وقلّة السمع والطاعة. وأنّ أمر الحرب لا يستقيم إلّا برأس؛ وألّا يكون في عسكره لواء يخفِق على رأس أحد إلّا لواؤه أو لواء هو عقدَه، وأعلمه أنه غير راجع إلى قتال أستاذسيس ومَنْ معه إلا بتفويض الأمر إليه وإعفائه من معاوية بن عبيد الله؛ وأن يأذن له في حَلّ ألوية القوّاد الذين معه، وأن يكتب إليهم بالسمع له والطاعة. فأجابه المهديّ إلى كلّ ما سأل.

    ج ١١ ص ٢٠
  2. فانصرف خازم إلى عسكره، فعمل برأيه، وحلّ لواء مَنْ رأى حلّ لوائه من القوّاد، وعقد لواء لمن أراد، وضمّ إليه مَنْ كان انهزم من الجنود، فجعلهم حشوًا يكثر بهم مَنْ معه في أخرَيات الناس، ولم يقدّمهم لما في قلوب المغلوبين من رَوْعة الهزيمة؛ وكان من ضُمّ إليه من هذه الطبقة اثنين وعشرين ألفًا، ثم انتخب ستة آلاف رجل من الجند، فضمهم إلى اثني عشر ألفًا كانوا معه متخيّرين؛ وكان بكّارُ بن مسلم العُقَيلي فيمن انتخب، ثم تعبّأ للقتال وخندق. واستعمل الهيثم بن شحعبة بن ظهير على ميمنته، ونهار بن حصين السعديّ على ميسرته؛ وكان بكّار بن مسلم العقيليّ على مقدّمته وتُرارخُدا على ساقته؛ وكان من أبناء ملوك أعاجم خُراسان؛ وكان لواؤه مع الزِّبْرقان وَعلمه مع مولاه بسَّام،

    ج ١١ ص ٢١فمكر بهم وراوغهم في تنقّله من موضع إلى موضع وخندق إلى خندق حتى قطعهم؛ وكان أكثرهم رجّالة، ثم سار خازم إلى موضع فنزله، وخندق عليه، وأدخل خندقه جميع ما أراد، وأدخل فيها جميع أصحابه، وجعل له أربعة آلاف، وجعل على كل باب منها من أصحابه الذين انتخب، وهم أربعة آلاف، وجعل مع بكار صاحب مقدّمته ألفين؛ تكملة الثمانية عشر ألفًا. وأقبل الآخرون ومعهم المرور والفؤوس والزّبُل، يريدون دفْن الخندق ودخولَه، فأتوا الخندق مِن الباب الذي كان عليه بكار بن مسلم، فشدّوا عليه شدّة لم يكن لأصحاب بكار نهاية دون أن انهزموا حتى دخلوا عليهم الخندق.

  3. فلما رأى ذلك بكّار رمى بنفسه، فترجّل على باب الخندق ثم نادى أصحابه: يا بني الفواجر، مِن قبَلي يؤتى المسلمون! فترجّل مَنْ معه من عشيرته وأهله نحو من خمسين رجلًا، فمنعوا بابَهم حتى أجلوا القوم عنه، وأقبل إلى الباب الذي كان عليه خازم رجل كان مع أستاذسيس من أهل سجستان، يقال له الحريش؛ وهو الذي كان يدبّر أمرهم، فلما رآه خازم مقبلًا بعث إلى الهيثم بن شعبة - وكان في الميمنة - أن اخرج من بابك الّذي أنت عليه؛ فخذ غيرَ الطريق الذي يُوصلك إلى الباب الذي عليه بكار، فإنّ القوم قد شغلوا بالقتال وبالإقبال إلينا، فإذا علوت فجزت مبلغ أبصارهم فأتهم من خلفهم. وقد كانوا في تلك الأيام يتوقعون قدوم أبي عون وعمرو بن سلم بن قتيبة من طَخارستان. وبعث خازم إلى بكار بن مسلم: إذا رأيت رايات الهيْثم بن شعبة قد جاءتْك من خلفك، فكبِّروا وقولوا: قد جاء أهل طَخارستان. ففعل ذلك أهلُ الهيثم، وخرج خازم في القلْب على الحريش السجستاني، فاجتلدوا بالسيوف جلادًا شديدًا، وصبر بعضُهمْ لبعض، فبيناهم على تلك الحال إذ نظروا إلى أعلام الهيْثم وأصحابه، فتنادوا فيما بينهم، وجاء أهل طخارستان، فلما نظر أصحاب الحريش إلى تلك الأعلام، ونظر مَنْ كان بإزاء بكار بن مسلم إليها، شدّ عليهم أصحاب خازم فكشفوهم، ولقيَهم أصحابُ الهيثم، فطعنوهم بالرماح، ورموْهم بالنُّشاب، وخرج عليهم نهار بن حصين وأصحابُه من ناحية الميسرة، وبكارُ بن مسلم وأصحابه من ناحيتهم، فهزموهم ووضعوا فيهم السيوف، فقتلهم المسلمون وأكثروا؛ فكان مَنْ قتل منهم في تلك المعركة نحوًا من سبعين ألفًا، وأسروا أربعة عشر ألفًا،

    ج ١١ ص ٢٢ولجأ أستاذسيس إلى جبل في عِدّة من أصحابه يسيرة، فقدّم خازم الأربعة عشر ألف أسير؛ فضرب أعناقَهم، وسار حتى نزل بأستاذسيس في الجَبَل الذي كان لجأ إليه، ووافى خازمًا بذلك المكان أبو عون وعمرو بن سلم بن قتيبة في أصحابهما؛ فأنزلهم خازم ناحيةً، وقال: كونوا مكانكم حتى نحتاج إليكم. فحصر خازِم أستاذسيس وأصحابَه حتى نزلوا على حكم أبي عَوْن، ولم يرضوْا إلا بذلك، فرضي بذلك خازم، فأمر أبا عون بإعطائهم أن ينزلوا على حكمه، ففعل؛ فلما نزلوا على حكم أبي عون حكم فيهم أن يُوثَق أستاذسيس وبنوه وأهل بيته بالحديد، وأن يُعتق الباقون وهم ثلاثون ألفًا، فأنفذ ذلك خازم من حُكْم أبي عون، وكسا كلّ رجل منهم ثوبين (١) .

    1. (١)الكامل (٥/ ٥٩١) لابن الأثير.