الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة الواردة في خلق إبليس وقصته مع آدم - عليه السلام -

٢٢ فقرة، ج ١ ص ١٨٣

  1. علمه، وما كان أوتي من مُلك السماء الدنيا والأرض وخَزْن الجنان. وجائز أن يكون لغير ذلك من الأمُور، ولا يُدرَك علم ذلك إلَّا بخبرٍ تقوم به الحجة، ولا خبرَ في ذلك عندنا كذلك، والاختلاف في أمره على ما حكيناه ورويناه (١) . (١: ٨٨) .

    1. (١)صحيح وانظر تعليقنا بعد قليل. الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة الواردة في خلق إبليس وقصته مع آدم - عليه السلام - لقد ذكر الإمام الطبري رحمه الله روايات كثيرة في خلق إبليس اللعين وطبيعة عمله قبل طرده من رحمة الله وهل كان من الملائكة أم من الجان وما إلى ذلك، ولم نجد فيها رواية مرفوعة صحيحة، بل فيها روايات منكرة مخالفة لما في كتاب الله من آيات صريحة واضحة المعنى، وسنذكر هنا طرفًا من الآيات القرآنية الكريمة وبعضًا من الأحاديث الصحيحة الواردة في إبليس. ولكن قبل ذلك نود أن نذكر رأي الطبري نفسه في بعض تلك الروايات ثم رأي الحافظ ابن كثير رحمه الله فيها: قال الإمام محمد بن جرير الطبري رحمه الله تعالى بعد أن ذكر روايات عدة في أسباب إخراج آدم - عليه السلام - (وهي أسباب محتملة). قال الطبري: ولا يدرك علم ذلك إلا بخبر تقوم به الحجة، ولا خبر في ذلك كذلك والاختلاف في أمره على ما حكيناه ورويناه (تأريخ الطبري ١/ ٨٨). قلنا: وأما الحافظ ابن كثير وهو مؤرخ ومحدث ومفسر فقد ذكر روايات عدة (من روايات الطبري وغيره) تذكر أن إبليس كان صاحب عبادة وأنه كان رئيس الملائكة في السماء الدنيا، أو أنه كان خازنًا من خزنة الجنة وأنه كان يدبر أمر السماء الدنيا ... إلخ. ثم عقب الحافظ ابن كثير رحمه الله قائلًا: وقد روي في هذا آثار كثيرة عن السلف وغالبها من الإسرائيليات التي تنقل لينظر فيها، والله أعلم بحال كثير منها، ومنها ما يقطع بكذبه لمخالفته الحق الذي بأيدينا، وفي القرآن غنية عن كل ما عداه من الأخبار المتقدمة لأنها لا تكاد تخلو من تبديل وزيادة ونقصان وقد وضع فيها أشياء كثيرة وليس لهم (يعني لأهل الكتاب) من الحفاظ المتقنين الذي ينفون عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين، كما لهذه الأمة من الأئمة العلماء والسادة الأتقياء البررة النجباء. ومن الجهابذة النقاد والحفاظ الجياد الذين دوَّنوا الحديث وحرّروه وبينوا صحيحه من حسنه ومن ضعيفه، ومن منكره وموضوعه ومتروكه ومكذوبه. وعرفوا الوضاعين والكذابين والمجهولين وغير ذلك من أصناف الرجال، كل ذلك صيانة للجناب النبوي والمقام المحمدي خاتم الرسل وسيد البشرية عليه أفضل التحيات والصلوات والتسليمات أن ينسب إليه كذب أو يحدث عنه بما ليس منه. فرضي الله عنهم وأرضاهم (تفسير القرآن العظيم ٢١٧١). = = ١ - قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥)} [الرحمن: ١٤، ١٥]. وقال سبحانه وتعالى: {وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧)} [الحجر: ٢٧]. وأخرج الإمام مسلم في صحيحه كتاب الزهد (٦٠/ ٢٩٩٦) من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم". وقال الحق سبحانه في كتابه الكريم: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)} [الكهف: ٥٠]. وأخرج الطبري في تفسيره (١٥/ ٢٦٠) عن الحسن البصري رحمه الله قال: (ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط ... الخبر). وقال الحافظ ابن كثير: رواه ابن جرير بسند صحيح (تفسير القرآن العظيم ٥/ ٢١٧٠). ٢ - وقال الحق سبحانه: {قَال أَرَأَيتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلا قَلِيلًا (٦٢) قَال اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيهِمْ بِخَيلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيطَانُ إلا غُرُورًا (٦٤) إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)} [الإسراء: ٦٢ - ٦٥]. المعنى أن إبليس اللعين قال للرب جراءة وكفرًا: هذا الذي شرفته وعظمته عليّ لئن أخرتني (أنظرتني) لأحتنكن أي لأضلن ذريته إلا قليلًا منهم. ومعنى (اذهب): أي فقد أنظرتك كما في الآية الأخرى {قَال فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١)} ثم أوعده ومن تبعه من ذرية آدم جهنم فقال: {فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ} أي: علي أعمالكم {جَزَاءً مَوْفُورًا} أي: وافرًا لا ينقص منه، {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} كل داعٍ دعا إلى معصية الله عزَّ وجلَّ {وَاسْتَفْزِزْ} أي: استخفهم بذلك. {أَجْلِبْ عَلَيهِمْ بِخَيلِكَ وَرَجِلِكَ}: واحمل عليهم بجنودك خيالتهم ورَجِلَتهم فإن الرَّجِل جمع راجل ومعناه تسلط عليهم بكل ما تقدر عليه. ومنه قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)} أي: تزعجهم إلي المعاصي إزعاجًا وتسوقهم إليها سوقًا، وقال مجاهد: {بِخَيلِكَ وَرَجِلِكَ} كل راكب وماشٍ في معصية الله، وقال قتادة: إن له خيلًا ورجالًا من الجن والإنس وهم الذين يطيعونه. قلنا: وقريبًا من هذا المعنى تفسير قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ = = {قَال رَبِّ بِمَا أَغْوَيتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْويَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قَال هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِمْ سُلْطَانٌ إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوينَ (٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣)} [الحجر: ٣٩ - ٤٣]. ١٠ - وطبيعة الشيطان العدائية لبني آدم معروفة لمن قرأ كتاب الله كما قال الله تعالى: {إِنَّ الشَّيطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} وهو بطبيعته العدوانية هذه يحاول التدخل في كل صغيرة وكبيرة من شؤون الحياة اليومية عسى أن يجبر الإنسان إلي باب من أبواب المعصية كما في صحيح البخاري "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجري الدم". وحتي في أخص الخصوصيات ولذلك أمرنا الإسلام أن نكون حذرين في كل صغيرة وكبيرة كي لا نقع في معصية أو تلبيس إبليس. وقد ورد في صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: (لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإن كان بينهما ولد لم يضره الشيطان ولم يسلط عليه). (صحيح البخاري: كتاب بدء الخلق ح / ٣٢٨٣). وفي القرآن الكريم آيات قرآنية كثيرة تتحدث عن طبيعة إبليس اللعين ودوره في إفساد المجتمعات. ولنا في الأحاديث الصحيحة والآيات القرآنية كفايةٌ ولله الحمد وله المنة والفضل. وقد جمع الحافظ ابن كثير أحاديث كثيرة عند حديثه عن إبليس في بداية كتابه القيم البداية والنهاية فليراجع.
    ج ١ ص ١٨٣
  2. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    ج ١ ص ١٨٤
  3. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا}. (تفسير ابن كثير بتصرف واختصار وإضافات). ٣ - وأخرج مسلم في صحيحه (كتاب الجنة / ٤/ ٢١٩٧) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يقول الله عزَّ وجلَّ إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم". وأخرج البخاري (٦/ ٣٣٥) ومسلم (٢/ ١٠٨٥) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله قال: باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان أبدًا". وقد أورد الحافظ ابن كثير هذين الحديثين الشريفين في تفسير قوله تعالى {وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ} ثم ذكر رأي الطبري في تفسير هذه الآية فقال: قال ابن جرير: وأولى الأقوال بالصواب أن يقال كل مولود ولدته أنثي عُصي الله فيه بتسميته بما يكرهه الله أو بإدخاله في غير الدين الذي ارتضاه الله، أو بالزني بأمه، أو بقتله ووأده، أو غير ذلك من الأمور التي يعصي الله بفعله به أو فيه، فقد دخل في مشاركة إبليس فيه من ولد ذلك الولد له أو منه، لأن الله لم يخصص بقوله {وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيطَانُ إلا غُرُورًا (٦٤)} معنى الشركة فيه بمعني دون معنى فكل ما عُصي الله فيه أو به، وأطيع فيه الشيطان أو به فهو مشاركة). ثم قال الحافظ ابن كثير: وهذا الذي قاله متجه، وكلّ من السلف رحمهم الله فسر بعض المشاركة ثم ذكر ابن كثير الحديثين الآنفي الذكر (تفسير القرآن العظيم / ٥/ ٢١٠٨). ٤ - وأخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث جابر رضي الله عنه قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الشيطان يضع عرشه علي الماء ثم يبعث سراياه في الناس فأقربهم عنده منزلة أعظمهم عنده فتنة، يجيء أحدهم فيقول ما زلت بفلان حتى تركته وهو يقول كذا وكذا، فيقول إبليس والله ما صنعت شيئًا، ويجيء أحدهم فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله قال فيقربه ويدينه ويلتزمه ويقول نعم أنت". صحيح مسلم (كتاب المنافقين ح ٦٧/ ٢٨١٣). ٥ - وأخرج الترمذي في سننه (كتاب تفسير القرآن / ح / ٢٩٨٨) وابن حبان (كتاب الرقائق / ح ٩٩٧) من حديث ابن مسعود مرفوعًا: "إن للشيطان لَلَمَّة بابن آدم، وللملك لمَّة، فأما لمة الشيطان فإنها بالشرّ وتكذيب بالحق وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ من الشيطان) ثم قرأ: {الشَّيطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨)}. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب وهو حديث أبي الأحوص لا نعلمه مرفوعًا إلا من حديث أبي الأحوص. =
    ج ١ ص ١٨٥
  4. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = ٦ - وأخرج البخاري في صحيحه (كتاب بدء الخلق / ح ٣٢٩٢) (قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الرؤيا الصالحة من الله والحلمُ من الشيطان فإذا حلم أحدكم حلمًا يخافه فليبصق عن يساره وليتعوذ بالله من شرها فإنها لا تضره". ٧ - وأخرج البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الملائكة تحدث في العنان" والعنان: الغمام (بالأمر يكون في الأرض فتسمع الشياطين الكلمة فتقرها في أذن الكاهن كما تقر القارورة فيزيدون معها مئة كلمة" (صحيح البخاري / كتاب بدء الخلق / صفة إبليس وجنوده / ح ٣٢٨٨). وفي رواية أخرى "فيخلطون معها مئة كذبة" صحيح البخاري / كتاب الوحيد / (ح ٧٥٦١). ٨ - وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن سبرة بن أبي فاكه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه، فقعد له بطريق الإسلام فقال له: أتسلم فتذر دينك ودين آبائك وآباء أبيك؟ قال: فعصاه فأسلم ثم قعد له بطريق الهجرة فقال: أتهاجر وتذر أرضك وسماءك؟ وإنما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطول، قال: فعصاه فهاجر. قال: ثم قعد له بطريق الجهاد فقال: هو جهد النفس والمال فتقاتل فتقتل فتُنْكَحُ المرأة ويُقسم المال، قال: فعصاه فجاهد، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فمن فعل ذلك منهم فمات كان حقًّا على الله أن يدخله الجنة أو قتل كان حقًّا على الله أن يدخله الجنة، وإن غرق كان حقًّا علي الله أن يدخله الجنة، أو وقصته دابته كان حقًّا علي الله أن يدخله الجنة". (مسند أحمد / ح ١٥٩٥٨). قال العلامة أرناؤوط: إسناده قوي (مسند أحمد ٢٥/ ٣١٦) والحديث أخرجه ابن حبان (ح ٤٥٩٣) والطبراني في الكبير (ح ٦٥٥٨). شرح غريب الحديث: (مثل المهاجر كمثل الفرس في الطول) أي أن الشيطان يريد أن يصور للإنسان الذي يريد الهجرة بدينه أن المهاجر يصير كالرجل المقيد خارج بلاده، كالفرس في الطول يدور ويرعي بقدر ذلك المكان والمهاجر يصير كذلك مقيدًا لا يختلط به الناس لأنه غريب عنهم ومن غير بلادهم. (والأطرق): جمع طريق. و (جهد المال والنفس): كناية عن إضاعة المال وجلب المشقة علي النفس والله أعلم. ٩ - قال الله سبحانه في سورة الأعراف: {يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧)} [الأعراف: ٢٧]. وسنأتي علي تفسير هذه الآية فيما يأتي من قصة آدم إن شاء الله تعالى: وقال سبحانه وتعالى: =
    ج ١ ص ١٨٦
  5. حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن عُلَيَّة عن عَوْف -وحدثنا محمد بن بَشَّار وعمر بن شَبَّه، قالا: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا عوف. وحدثنا ابن بَشَّار، قال: حدثنا ابن أبي عديّ ومحمد بن جعفر وعبد الوهاب الثقفيّ، قالوا: حدثنا عوف. وحدثني محمد بن عُمارة الأسديّ، قال: حدثنا إسماعيل بن أبان، قال: حدثنا عَنْبسة عن عوف الأعرابيّ عن قَسَامة بن زُهَير، عن أبي موسى الأشعريّ، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله خلقَ آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم علي قدر الأرض؛ جاء منهم الأحمر، والأسود، والأبيض، وبين ذلك، والسهل، والحَزْن، والخبيث، والطيب، ثم بُلَّتْ طينته حتى صارت طينًا لازبًا، ثم تُرِكت حتى صارت حمأ مسنونًا، ثم تركتْ حتى صارت صلصالًا كما قال الله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإ مَسْنُونٍ (٢٦) } (١) . (٩١: ١) .

    1. (١)هذا إسناد مركب صحح مداره على عوف الأعرابي وهو ثقة. والشطر الأول من الحديث أخرجه الترمذي (ح ٢٩٥٥) وقال: حسن صحيح. وأخرج أحمد شطره الأول كذلك. = = وقال العلامة أرناؤوط: إسناده صحيح، رجاله رجال الشيخين غير قسامة فقد روي له أصحاب السنن سوى ابن ماجه وهو ثقة. (المسند / ح ١١٥٨٢). ولفظه (إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض فجاء منهم الأبيض والأحمر والأسود وبين ذلك). من حديث أبي موسى مرفوعًا (المسند / ح ١٩٥٨٢) وأخرجه أبو داود (٤/ ٤٦٩٣) وأخرجه البيهقي في السنن (٩/ ٣). والله أعلم. (٢/ ٢٦٢) وقال صحيح الإسناد وأقره الذهبي، وأخرجه ابن حبان (بدء الخلق / ح ١١٦٠) والله أعلم.
    ج ١ ص ١٨٧
  6. وحدثنا ابن بَشَّار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهديّ، قالا: حدثنا سفيان عن الأعمش، عن مسلم البَطِين، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، قال: خُلِق آدم من ثلاثة: من صلصال، ومن حمأ، ومن طين لازب. فأما اللازب فالجيّد، وأما الحمأ فالحمئة، وأما الصلصال فالتراب المدقَّق، ويعني تعالى ذكره بقوله: {مِنْ صَلْصَالٍ} من طين يابس له صلصلة، والصلصلة: الصوت (١) . (١: ٩١) .

    1. (١)هذا إسناد موقوف صحيح إلى ابن عباس والثلاثة التي ذكرها مذكورة في القرآن وهذا الأثر تفسير لغوي لهذه الألفاظ والله أعلم.
    ج ١ ص ١٨٨
  7. حدثني محمد بن خلف، قال: حدثنا آدم بن أبي إياس، قال: حدثنا أبو خالد سليمان بن حيَّان، قال: حدثني محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال أبو خالد: [وحدثني الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -] . قال أبو خالد: وحدثني داود بن أبي هند عن الشعبيّ عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال أبو خالد: وحدثني ابن أبي ذباب الدوْسيّ، قال: حدثني سعيد المقبُرِيّ، ويزيد بن هرمز عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "خلق الله عزّ وجلّ آدم بيده، ونفخ فيه من روحه، وأمر الملأ من الملائكة فسجدوا له، فجلس فعطَس فقال: الحمد لله، فقال له ربُّه: يرحمك ربّك، إيت أولئك الملأ من الملائكة فقل لهم: السلام عليكم. فأتاهم فقال: السلام عليكم، فقالوا له: وعليك السلام ورحمة الله، ثم رجع إلي ربه عزّ وجلّ فقال له: هذه تحيتك وتحية ذريتك بينهم (٢) . (١: ٩٦) .

    1. (٢)مدار هذه الرواية على سليمان بن حيان صدوق، والحديث أخرجه ابن حبان من طريق آخر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعًا وقال أرناؤوط: إسناده قوي (الموارد ح ٢٠٨٢). = = وأخرجه البيهقي (١٠ / ح ٢٠٥٢٠) من طريق المقبري عن أبي هريرة. وأخرج البخاري في صحيحه (كتاب أحاديث الأنبياء / ح ٣٣٢٦) عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (خلق الله آدم وطوله ستون ذراعًا ثم قال اذهب فسلم على أولئك النفر من الملائكة واستمع ما يجيبونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك. فقال السلام عليكم فقالوا: وعليك السلام ورحمة الله، فزادوه ورحمة الله. فكل من يدخل الجنة على صورة آدم فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن).
  8. فلما أظهر إبليس من نفسه ما كان له مخفيًا فيها من الكبر والمعصية لربه، وكانت الملائكة قد قالت لربها عزّ وجلَّ حين قال لهم: إني جاعل في الأرض خليفة: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك. فقال لهم ربهم: إني أعلم ما لا تعلمون، تبيّن لهم ما كان عنهم مستترًا، وعلموا أن فيهم مَنْ منه المعصية لله عزّ وجلَّ والخلاف لأمره (١) . (١: ٩٦) .

    1. (١)قول الطبري هنا في آخر المقطع (وعلموا أن فيهم من منه المعصية لله عزَّ وجلَّ والخلاف لأمره) فيه نظر. فإن كان يعني به إبليس كان من الملائكة فلا إلَّا إذا كان يعني أن إبليس وهو جني كان حاضرًا مع ذلك الجمع من الملائكة ولكنه كان يخفي في نفسه الكبر والمعصية والله أعلم.
    ج ١ ص ١٨٩
  9. ثم علَّم الله عزَّ وجلَّ آدم الأسماء كلَّها. واختلف السلف من أهل العلم قبلنا في الأسماء التي عُلِّمَها آدم: أخاصًّا من الأسماء عُلِّم، أم عامًّا؟ فقال بعضهم: علِّم اسم كل شيء (٢) . (١: ٩٦) .

    1. (٢)صحيح.
  10. * ذكر من قال ذلك:
  11. حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عُمارة عن أبي رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: علم الله تعالى آدم الأسماء كلَّها، وهي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس: إنسان، ودابة، وأرض، وسهل، وبحر، وجبل، وحمار؛ وأشباه ذلك من الأمم وغيرها (٣) . (١: ٩٧) .

    1. (٣)صحيح.
  12. حدثني أحمد بن إسحاق الأهوازيّ، قال: حدثنا أبو أحمد، حدثنا شريك عن عاصم بن كليب، عن الحسن بن سعد، عن ابن عباس في قوله: {وَعَلَّمَ

    ج ١ ص ١٩٠آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا}، قال: علمه اسم كلّ شيء، حتى الفَسْوَة والفُسَيَّة (١) . (١: ٩٧) .

    1. (١)صحيح.
  13. حدثني علي بن الحسن، حدثنا مسلم الجرمي، قال: حدثنا محمد بن مصعب عن قيس بن الربيع، عن عاصم بن كُليب، عن سعيد بن معبد، عن ابن عباس في قول الله عزَّ وجلَّ: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} قال: علَّمه اسم كلَّ شيء حتى الهنَّة والهُنَيَّة، والفَسْوَة والضرطة (٢) . (١: ٩٧) .

    1. (٢)صحيح.
  14. حدثنا محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى بن ميمون، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد؛ في قول الله عزّ وجلّ: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} قال: ما خلق الله تعالى كله (٣) . (١: ٩٧) .

    1. (٣)صحيح.
  15. حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي عن سفيان، عن خَصِيف، عن مجاهد: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} قال: علَّمه اسم كل شيء (٤) . (١: ٩٧) .

    1. (٤)صحيح.
  16. حدثنا سفيان، قال: حدثنا أبي عن شريك، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جُبَير، قال: علَّمه اسمَ كلِّ شيء؛ حتى البعير، والبقرة، والشاة (٥) . (١: ٩٨) .

    1. (٥)صحيح.
  17. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا مَعْمَر، عن قَتادة في قوله عزّ وجلّ: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} ، قال: علَّمه اسمَ كل شيء: هذا جبل، وهذا بحر، وهذا كذا، وهذا كذا، لكل شيء، ثم عرضهم علي الملائكة، فقال: {أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (٦) . (١: ٩٨) .

    1. (٦)صحيح.
  18. حدثنا بشر بن مُعاذ، حدثنا يزيد بن زُرَيْع عن سعيد، عن قَتَادة، قوله عزّ وجلّ: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} حتى بلغ {إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} ، قال:

    ج ١ ص ١٩١يا آدم أنبئهم بأسمائهم، فأنبأ كلَّ صِنْف من الخلق باسمه، وألجأه إلى جنسه (١) . (١: ٩٨) .

    1. (١)صحيح.
  19. حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين بن داود؛ قال: حدثنا حجاج عن جرير بن حازم ومبارك، عن الحسن وأبي بكر، عن الحسن وقتادة، قالا: علَّمه اسم كل شيء؛ هذا الخيل، وهذه البغال، والإبل، والجن، والوحش، وجعل يسمّي كلَّ شيء برسمه (٢) . (١: ٩٨) .

    1. (٢)صحيح. قلنا: هذه آثار عن الصحابة والتابعين تؤكد على أنه سبحانه وتعالى علم آدم اسم كل شيء ويؤيد ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه مرفوعًا (فيأتون آدم فيقولون أنت أبو الناس خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كلِّ شيء ... الحديث) ضمن حديث طويل.
  20. * ذكر من قال ذلك:
  21. حدثنا بشر بن مُعاذ، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيْع، قال: حدثنا سعيد عن قَتادة: قوله: {وَإِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} ، فاستشار الملائكة في خلْق آدم - عليه السلام - فقالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} ، وقد علمت الملائكة من عِلمِ الله أنه لا شيء أكره إلى الله عزَّ وجلّ من سفك الدماء والفساد في الأرض، {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَال إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} ، فكان في علم الله عزّ وجلّ أنه سيكون من تلك الخليقة أنبياء ورسلٌ وقوم صالحون وساكنو الجنة.

    قال: وذُكِر لنا أن ابن عباس كان يقول: إن الله تعالى لما أخذ في خلق آدم قالت الملائكة: ما الله تعالى بخالق خلقًا أكرم عليه منا، ولا أعلم منا، فابتُلوا بخلْق آدم - عليه السلام - وكلّ خَلْق مبتلى، كما ابتُليت السموات والأرض بالطاعة - فقال الله تعالى: {ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالتَا أَتَينَا طَائِعِينَ} (٣) . (١: ١٠٠/ ١٠١) .

    1. (٣)إسناد مرسل صحيح.
  22. حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيْع، قال: حدثنا سعيد عن

    ج ١ ص ١٩٢قتادة: {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} ، يعني: حوّاء، خلقت من آدم من ضِلع من أضلاعه (١) . (١: ١٠٥) .

    1. (١)صحيح.