ذكر ما فعله الحسين بن الحسن الأفطس بمكة

٦ فقرات، ج ١٢ ص ١٧٨

  1. وفي هذه السنة في أول يوم من المحرّم منها بعدما لفرّق الحاجّ من مكة جلس حسين بن حسن الأفطس خلف المقام على نُمرقة مثنيّة، فأمر بثياب الكعبة التي عليها فجُرّدت منها حتى لم يُبق عليها من كسوتها شيئًا، وبقيَت حجارة مجرّدة، ثم كساها ثوبين من قَزّ رقيق، كان أبو السرايا وجّه بهما معه مكتوب عليهما: أمرَ به الأصفر بن الأصفر أبو السرايا داعية آل محمد، لكسوة بيت الله الحرام، وأن

    ج ١٢ ص ١٧٩يطرح عنه كُسوة الظلَمة من ولد العباس، لتطهّر من كُسوتهم. وكتب في سنة تسع وتسعين ومائة.

    ج ١٢ ص ١٧٨
  2. ثم أمر حسين بن حسن بالكسوة التي كانت على الكعبة فقسمت بين أصحابه من العلويّين وأتباعهم على قدر منازلهم عنده، وعمَد إلى ما في خزانة الكعبة من مالٍ فأخذه، ولم يسمع بأحد عنده وديعة لأحد من ولد العباس وأتباعهم إلّا هجم عليه في داره؛ فإن وجد من ذلك شيئًا أخذه وعاقب الرجل؛ وإن لم يجد عنده شيئًا حبَسه وعذّبه حتى يفتدي نفسه بقدر طَوْله، ويقرّ عند الشهود أن ذلك للمسوّدة من بني العباس وأتباعهم، حتى عمّ هذا خلقًا كثيرًا.

  3. وكان الذي يتولى العذابَ لهم رجلًا من أهل الكوفة يقال له محمد بن مسلمة، كان ينزل في دار خالصة عند الحنّاطين؛ فكان يقال لها دار العذاب، وأخافوا الناس؛ حتى هرب منهم خلْق كثير من أهل النّعم، فتعقبوهم بهدم دورهم حتى صاروا من أمر الحرم، وأخذ أبناء الناس في أمر عظيم، وجعلوا يحكّون الذهب الرقيق الذي في رؤوس أساطين المسجد، فيخرج من الأسطوانة بعد التعب الشديد قدْر مثقال ذهب أو نحوه، حتى عمّ ذلك أكثر أساطين المسجد الحرام، وقلعوا الحديد الذي على شبابيك زمزم، ومن خشب الساج، فبيع بالثّمن الخسيس. فلما رأى حسين بن حسن ومَنْ معه من أهل بيته تغيّر الناس لهم بسيرتهم، وبلغهم أن أبا السرايا قد قُتل، وأنه قد طرد من الكوفة والبصرة وكور العراق من كان بها من الطالبيين، ورجعت الولاية بها لولد العباس، اجتمعوا إلى محمد بن جعفر بن محمد بن عليّ بن حسين بن عليّ بن أبي طالب - وكان شيخًا ودِّاعًا محبّبًا في الناس، مفارقًا لما عليه كثير من أهل بيته من قبح السيرة، وكان يروي العلم عن أبيه جعفر بن محمد، وكان الناس يكتبون عنه وكان يظهر سَمْتًا وزهدًا - فقالوا له: قد تعلم حالك في الناس، فأبْرِزْ شخصك نبايع لك بالخلافة؛ فإنك إن فعلت ذلك لم يختلف عليك رجلان؛ فأبى ذلك عليهم، فلم يزل به ابنه عليّ بن محمد بن جعفر وحسين بن حسن الأفطس حتى غلبا الشيخ على رأيه؛ فأجابهم. فأقاموه يوم صلاة الجمعة بعد الصلاة لستّ من ربيع الآخر، فبايعوه بالخلافة، وحشروا إليه الناسَ من أهل مكة والمجاورين، فبايعوه طوعًا وكرهًا، وسموْه بإمرة المؤمنين، فأقام بذلك أشهرًا، وليس له من الأمر إلا

    ج ١٢ ص ١٨٠اسمه، وابنه عليّ وحسين بن حسن وجماعة منهم أسوأ ما كانوا سيرة، وأقبح ما كانوا فعلًا، فوثب حسين بن حسن على امرأة من قريش من بني فهر - وزوْجها رجل من بني مخزوم، وكان لها جمال بارع - فأرسل إليها لتأتيَه فامتنعت عليه فأخاف زوجها وأمر بطلبها فتوارت منه، فأرسل ليلًا جماعة من أصحابه فكسروا بابَ الدار، واغتصبوها نفسها، وذهبوا بها إلى حسين، فلبثت عنده إلى قرب خروجه من مكة، فهربت منه ورجعت إلى أهلها وهم يقاتلون بمكة. ووثب عليّ بن محمد بن جعفر على غلام من قريش، ابن قاض بمكة يقال له إسحاق بن محمد، - وكان جميلًا بارعًا في الجمال - فاقتحم عليه بنفسه نهارًا جهارًا في داره على الصفا مشرفًا على المسعى؛ حتى حمله على فرسه في السرْج. وركب عليّ بن محمد على عجُز الفرس، وخرج به يشق السوق حتى أتى بئر ميمون - وكان ينزل في دار داود بن عيسى في طريق منىً - فلما رأى ذلك أهلُ مكة ومَنْ بها من المجاورين، خرجوا فاجتمعوا في المسجد الحرام، وغلقت الدكاكين، ومال معهم أهلُ الطواف بالكعبة، حتى أتوا محمد بن جعفر بن محمد، وهو نازل دار داود، فقالوا: والله لنخلعنك ولنقتلنّك، أو تردنّ إلينا هذا الغلام الذي ابنك أخذه جهرة. فأغلق باب الدار، وكلمهم من الشباك الشارع في المسجد، فقال: والله ما علمت، وأرسل إلى حسين بن حسن يسأله أن يركب إلى ابنه عليّ فيستنقذ الغلام منه. فأبى ذلك حسين، وقال: والله إنك لتعلم أني لا أقوى على ابنك، ولو جئتُه لقاتلني وحاربني في أصحابه. فلما رأى ذلك محمد قال لأهل مكة: آمنوني حتى أركب إليه وآخذ الغلام منه. فآمنوه وأذنوا له في الركوب، فركب بنفسه حتى صار إلى ابنه، فأخذ الغلام منه وسلمه إلى أهله. وقال: فلم يلبثوا إلا يسيرًا حتى أقبل إسحاق بن موسى بن عيسى العباسي مقبلًا من اليمن حتى نزل المُشاش، فاجتمع العلويّون إلى محمد بن جعفر بن محمد، فقالوا له: يا أميرَ المؤمنين، هذا إسحاق بن موسى مقبلًا إلينا في الخيل والرجال، وقد رأينا أن نخندق خندقًا بأعلَى مكة، وتبرز شخصك ليراك الناس ويحاربوا معك. وبعثوا إلى مَنْ حولهم من الأعراب، ففرضوا لهم، وخندقوا على مكة ليقاتلوا إسحاق بن موسى من ورائه، فقاتلهم إسحاق أيامًا. ثم إن إسحاق كره القتال والحرب، وخرج يريد العراق، فلقيه ورقاء بن جميل في أصحابه ومنْ كان معه من أصحاب الجُلوديّ، فقالوا: ارجع معنا إلى مكة ونحن نكفيك القتال. فرجع

    ج ١٢ ص ١٨١معهم حتى أتوْا مكة فنزلوا المُشاش. واجتمع إلى محمد بن جعفر من كان معه من غوغائها، ومن سودان أهل المياه، ومَن فرض له من الأعراب، فعبّأهم ببئر ميمون، وأقبل إليهم إسحاق بن موسى وورقاء لن جميل بمَنْ معه من القوّاد والجند، فقاتلهم ببئر ميمون، فوقعت بينهم قتلى وجراحات. ثم رجع إسحاق وورقاء إلى معسكرهم، ثم عادوهم بعد ذلك بيوم فقاتلهم، فكانت الهزيمة على محمد بن جعفر وأصحابه؛ فلما رأى ذلك محمد، بعث رجالًا من قريش فيهم قاضي مكة يسألون لهم الأمان؛ حتى يخرجوا من مكة، ويذهبوا حيث شاؤوا، فأجابهم إسحاق وورقاء بن جميل إلى ذلك، وأجّلُوهم ثلاثة أيام، فلما كان في اليوم الثالث، دخل إسحاق وورقاء إلى مكة في جمادى الآخرة وورقاء الوالي على مكة للجلوديّ، وتفرّق الطالبيون من مكة، فذهب كلّ قوم ناحية؛ فأمّا محمد بن جعفر فأخذ ناحية جُدّة، ثم خرج يريد الجُحفة، فعرض له رجل من موالي بني العباس يقال له محمد بن حكيم بن مروان، قد كان الطالبيون انتهبوا داره بمكة، وعذّبوه عذابًا شديدًا؛ وكان يتوكّل لبعض العباسيين بمكة لآل جعفر بن سليمان، فجمع عبيد الحوائط من عبيد العبّاسيين حتى لحق محمد بن جعفر بين جُدّة وعُسْفان، فانتهب جميع ما معه مما خرج به من مكة، وجرّده حتى تركه في سراويل، وهمّ بقتله، ثم طرح عليه بعد ذلك قميصًا وعمامة ورداء ودريهمات يتسبّب بها، فخرج محمد بن جعفر حتى أتى بلاد جهينة على الساحل، فلم يزل مقيمًا هنالك حتى انقضى الموسم، وهو في ذلك يجمع الجموع. وقد وقع بينه وبين هارون بن المسيّب والي المدينة وقعات عند الشجرة وغيرها، وذلك أن هارون بعث ليأخذه، فلما رأى ذلك أتاه بمن اجتمع حتى بلغ الشجرة، فخرج إليه هارون فقاتله، فهزم محمد بن جعفر، وفقئِت عينه بنشابة، وقتِل منْ أصحابه بشر كثير، فرجع حتى أقام بموضعه الذي كان فيه ينتظر ما يكون من أمر الموسم، فلم يأته مَنْ كان وعده. فلما رأى ذلك وانقضى الموسم، طلب الأمان من الجُلوديّ ومن رجاء ابن عمّ الفضل بن سهل، وضمن له رجاء على المأمون وعلى الفضل بن سهل ألّا يُهاج، وأن يُوَفّى له بالأمان، فقبل ذلك ورضيَه، ودخل به إلى مكة، يوم الأحد بعد النفر الأخير بثمانية أيام لعشر بقين من ذي الحجة، فأمر عيسى بن يزيد الجُلودي ورجاء بن أبي الضحاك ابن عمّ الفضْل بن سهل بالمنبر؛ فوضع بين الركن والمقام حيث كان محمد بن

  4. جعفر بويع له فيه، وقد جمع الناس من القريشيين وغيرِهم، فصعد الجُلودي رأسَ المنبر، وقام محمد بن جعفر تحته بدرجة، وعليه قبَاء أسود وقَلنسوة سوداء؛ وليس عليه سيف ليخلع نفسه. ثم قام محمد، فقال:

    أيها الناس مَنْ عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا محمد بن جعفر بن محمد بن عليّ بن حسين بن عليّ بن أبي طالب؛ فإنه كان لعبد الله عبد الله أمير المؤمنين في رَقبتي بيعة بالسمع والطاعة، طائعًا غير مُكْرَه، وكنت أحد الشهود الذين شهدوا في الكعبة في الشرطين لهارون الرشيد على ابنيه: محمد المخلوع وعبد الله المأمون أمير المؤمنين. ألا وقد كانت فتنة غشيت عامة الأرض منّا ومن غيرنا. وكان نُميَ إليّ خبر؛ أن عبد الله عبد الله المأمون أمير المؤمنين كان توفيَ؛ فدعاني ذلك إلى أن بايعوا لي بإمرة المؤمنين، واستحللت قبول ذلك لما كان عليّ من العهود والمواثيق في بيعتي لعبد الله عبد الله الإمام المأمون، فبايعتموني - أو من فعل منكم - ألا وقد بلغني وصحّ عندي أنه حيّ سويّ. ألا وإني أستغفر الله مما دعوتكم إليه من البيعة، وقد خلعت نفسي من بَيْعتي التي بايعتموني عليها؛ كما خلعت خاتمي هذا من إصبعي، وقد صرت كرجل من المسلمين فلا بيعة لي في رقابهم، وقد أخرجت نفسي من ذلك، وقد ردّ الله الحق إلى الخليفة المأمون عبد الله المأمون أمير المؤمنين، والحمد لله رب العالمين؛ والصلاة على محمد خاتم النبيين والسلام عليكم أيها المسلمون.

    ج ١٢ ص ١٨٢
  5. ثم نزل. فخرج به عيسى بن يزيد الجلوديّ إلى العراق، واستخلف على مكة ابنه محمد بن عيسى في سنة إحدى ومائتين، وخرج عيسى ومحمد بن جعفر حتى سلّمه إلى الحسن بن سهل، فبعث به الحسن بن سهل إلى المأمون بمَرْو مع رجاء بن أبي الضحاك (١) .

    1. (١)هذا الخبر الطويل استغرق الصفحات (٥٣٦ - ٥٣٧ - ٥٣٨ - ٥٣٩ - ٥٤٠) ولأصله ما يؤيده عند البسوي مع بعض التفاصيل اليسيرة إذ قال: وبايعوا محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن حسين بن علي بالخلافة يوم الجمعة لثلاث خلون من شهر ربيع الآخر سنة مائتين فلم يزل يسلم عليه بالخلافة حتى كان يوم الثلاثاء لخمس خلون من جمادى الأولى سنة مائتين (المعرفة/ ١/ ٥٩) ثم أخرج البسوي رواية عن شاهد عيان فقال البسوي سمعت أبا بشر بكر بن خلف قال: قد أخذ أبو شعيب المكفوف = = بيدي فأدخلني إلى محمد بن جعفر بن محمد فبايعته وأمر لي بشقة ديباج مما كان نزعه عن الكعبة (المعرفة/ ١/ ٥٩) ثم فصل البسوي في وصف تلك الأحداث وما آلت إليه من انتصار جيش الخلافة والعفو عن محمد بن جعفر العلوي وإعلان بيعته للخليفة العباسي على الملأ فقال: وخرج مُحمَّد بن جعفر بن مُحمَّد يوم الثلاثاء لخمس خلون من جمادى الأولى سنة مائتين، فخرج في ذلك اليوم ومن كان معه حين ارتفع النهار ودخل ورقاء مكة بعد الظهر. ودخل إسحاق بن موسى بن عيسى مع العصر، - وكان عاملًا على صنعاء - فلما سمع بإبراهيم بن موسى بن جعفر بن مُحمَّد الطالبيّ مقبلًا يُريد صنعاء خرج منها حتى قدم مكة ودخل الجُلُودي معه في آخر جُمادى الأولى، فلم يزل عاملًا عليها وقدم نخلة جيش من صنعاء، فخرج إليهم الجُلُوديّ يوم سابع من ذي الحجة وهزمهما، وفرق جمعهم، ودخل أبو إسحاق بن هارون أمير المؤمنين عاملًا على الحجّ سنة مائتين واستأمن مُحمَّد بن جعفر بن مُحمَّد بعد العصر ... فخرج إليه الجُلوديّ والقاضي مُحمَّد بن عبد الرحمن، فقدموا به مكة لعشر من ذي الحجة، وألبسوه سوادًا، ورقى المنبر فخلع نفسه وبايع لعبد الله. وقدم المدينة الحُسين بن الحَسن بن عليّ، ومُحمَّد بن سليمان، الذي كان عاملًا على المدينة ومكة، فخرج بهما رجاء إلى بغداد. وخرج بعد ذلك الجُلوديّ بمحمد بن جعفر إلى عبد الله المأمون ليومين مضيا من المحرم، وخلف الجُلوديُّ ابنه عاملًا على مكة، وكان بينه وبين أهل مكة منازعة، فرموه بالحجارة حتى أدخلوه دار العَجَلة، وأخذ منهم أناسًا فجلدهم، وقطع يد اثنين، وجلد عُثمان بن مُحمَّد بن عبد الرحمن بن أبي بكر المخزوميّ. وكان مُحَمَّد بن عليّ بن عيسى بن ماهان قد استعمل على صنعاء، وخرج ابنه الأحول عليها، وكان مقيمًا بمكة حتى جاءه العمل عليها. وخرج ابن الجُلوديّ إلى العراق. واستمر عمل حمدويه بن عليّ على مكة (المعرفة/ ١/ ٥٩). أما خليفة فقد اختصر الخبر جدًّا فقال: وأقام الحج أبو إسحاق بن أمير المؤمنين فوثب محمد بن جعفر بن محمد بن علي وابن الأفطس بمكة فظهر عليهم أبو إسحاق بن أمير المؤمنين وبعث بهما إلى المأمون (تأريخ خليفة/٣١٢).
  6. وفي هذه السنة وجّه إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد الطالبيّ بعض ولد عَقيل بن أبي طالب من اليمن في جند كثيف إلى مكة ليحجّ بالناس، فحورب العَقيليّ فهزم، ولم يقدر على دخول مكة.

    ج ١٢ ص ١٨٣