[ذكر بدء المفاوضة في أمر خلع المستعين]
١٠ فقرات، ج ١٣ ص ١٠٥
- ج ١٣ ص ١٠٥
وفي يوم الخميس ركب محمد بن عبد الله إلى المستعين، وحضر؛ عدّة من الفقهاء والقضاة، فذُكِر أنه قال للمستعين: قد كنتَ فارقتَني على أن تنفِّذ في كل ما أعزم عليه؛ ولك عندي بخطّك رقعة بذلك، فقال المستعين: أحضِر الرُّقعة، فأحضرها؛ فإذا فيها ذكر الصلح؛ وليس فيها ذكر الخلْع، فقال: نعم، أنفذ الصلح، فقام الخَلنجيّ فقال: يا أمير المؤمنين؛ إنه يسألك أن تخلع قميصًا قَمَّصك به الله، وتكلّم عليّ بن يحيى المنجّم فأغلظ لمحمد بن عبد الله.
-
ثم ركب بعد ذلك محمد بن عبد الله - وذلك للنصف من ذي الحجة - إلى المستعين بالرّصافة، ثم انصرف ومعه وصيف وبُغا، فمضوْا جميعًا حتى صاروا إلى باب الشماسيّة، فوقف محمد بن عبد الله على دابّته، ومضى وصيف وبُغا إلى دار الحسن بن الأفشين، وانحدرت المبيّضة والغوغاء من السور، ولم يطلق لأحد فتح الأبواب، وقد كان خرج قبل ذلك جماعةٌ كثيرة إلى عسكر أبي أحمد، فاشتروا ما أرادوا، فلمّا خرج من ذكرنا إلى باب الشّماسية نودي في أصحاب أبي أحمد ألا يباع من أحد من أهل بغداد شيء، فمُنعوا من الشراء، وكان قد ضرب لمحمد بن عبد الله بباب الشَّماسيّة مضرب كبير أحمر؛ وكان مع ابن طاهر بندار الطبريّ وأبو السنا ونحو من مئتي فارس ومئتي راجل، وجاء أبو أحمد في
ج ١٣ ص ١٠٦زلَّال حتى قرب من المضرب، ثم خرج ودخل المضرَب مع محمد بن عبد الله، ووقف الذين مع كلّ واحد منهما من الجُنْد ناحية، فتناظر ابن طاهر وأبو أحمد طويلًا، ثم خرجا من المضرَب، وانصرف ابنُ طاهر من مضرَبه إلى داره في زلّال؛ فلما صار إليها خرج من الزلّال، فركب ومضى إلى المستعين ليخبرَه بما دار بينه وبين أبي أحمد، وأقام عنده إلى العَصْر، ثم انصرف؛ فذُكر أنه فارقه على أن يعطَى خمسين ألف دينار، ويُقطَع غلّة ثلاثين ألف دينار في السنة؛ وأن يكون مقامه بغداد حتى يجتمع لهم مال يُعطون الجند، وعلى أن يولَّى بُغا مكة والمدينة والحجاز، ووصيف الجبل وما والاه، ويكون ثلث ما يجيء من المال لمحمد بن عبد الله، وجُنْد بغداد والثلثان للموالي والأتراك.
-
وذُكر أنّ أحمد بن إسرائيل لما صار إلى المعتزّ ولّاه ديوانَ البريد، وفارقه على أن يكون هو الوزير وعيسى بن فرّخانشاه على ديوان الخراج وأبو نوح على الخاتم والتوقيع؛ فاقتسموا الأعمال، فوردت خريطة الموسم إلى بغداد بالسلامة، فبعث بها إلى أبي أحمد، ثم ركب ابن طاهر - فيما قيل - لأربع عشرة بقيت من ذي الحجة من هذه السنة إلى المستعين، لمناظرته في الخلْع، فناظره فامتنع عليه المستعين، وظنّ المستعين أن بُغا ووصيفًا معه، فكاشفاه فقال المستعين: هذا عُنقي والسيف والنِّطع؛ فلما رأى امتناعه انصرف عنه، فبعث المستعين إلى ابن طاهر بعليّ بن يحيى المنجم وقوم من ثقاته، وقال: قولوا له: اتق الله، فإنما جئتك لتدفع عني؛ فإن لم تدفع عني فكُفّ عني، فردّ عليه؛ أمَّا أنا فأقعد في بيتي؛ ولكن لابدّ لك من خلعها طائعًا أو مكرهًا.
-
وذكر عن عليّ بن يحيى أنه قال له: قل له: إن خلعتَها فلا بأس؛ فوالله لقد تمزّقت تمزقًا لا يُرقع؛ وما تركتَ فيها فضلًا، فلما رأى المستعين ضعفَ أمره وخذلانَ ناصريه أجاب إلى الخلْع؛ فلما كان يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيَتْ من ذي الحجة وجَّه ابنُ طاهر ابنَ الكرديّة وهو محمد بن إبراهيم بن جعفر الأصغر بن المنصور والخلنجيّ وموسى بن صالح بن شيخ وأبا سعيد الأنصاريّ وأحمد بن إسرائيل ومحمد بن موسى المنجم إلى عسكر أبي أحمد ليوصِلوا كتابَ محمد إليه بأشياء سألها المستعين من حين نُدِب إلى أن يخلع نفسه، فأوصلوا الكتاب، فأجاب إلى ما سأل، وكتب الجواب بأن يُقطع وينزل مدينة
ج ١٣ ص ١٠٧الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وأن يكون مضطرَبُه من مكة إلى المدينة، ومن المدينة إلى مكة، فأجابه إلى ذلك؛ فلم يقنع المستعين إلَّا بخروج ابن الكرديّة بما سأل إلى المعتزّ، حتى يكتب بإجابته بذلك بخطه بعد مشافهة ابن الكرديّة المعتزّ بذلك، فتوجَّه ابن الكردية بها.
-
وكان سبب إجابة المستعين إلى الخَلْع - فيما ذكر - أن وصيفًا وبُغا وابن طاهر ناظروه في ذلك وأشاروا عليه؛ فأغلظ لهم فقال له وصيف: أنت أمَرتنا بقتل باغر؛ فصِرْنا إلى ما نحن فيه؛ وأنت عرّضتنا لقتل أوتامش، وقلت: إنّ محمدًا ليس بناصح؛ وما زالوا يفزِّعونه ويحتالون له، فقال محمد بن عبد الله: وقد قلت لي إن أمرنا لا يصطلح إلَّا باستراحتنا من هذيْن؛ فلمّا اجتمعت كلمتُهم أذعن لهم بالخلْع وكتب بما اشترط لنفسه عليهم؛ وذلك لإحدى عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة.
-
ولمّا كان يومُ السَّبْت لعشر بقين من ذي الحجَّة؛ ركب محمد بن عبد الله إلى الرُّصافة وجميع القضاة والفقهاء، وأدخلهم على المستعين فوجًا فوجًا، وأشهدهم عليه أنه قد صيَّر أمره إلى محمد بن عبد الله بن طاهر؛ ثم أدخل عليه البوَّابين والخدَم، وأخذ منه جوهر الخلافة، وأقام عنده حتى مضى هُوِيّ من الليل، وأصبح الناس يرجُفون بألوان الأراجيف، وبعث ابن طاهر إلى قوَّاده في موافاته؛ مع كلّ قائد منهم عشرة نفر من وجوه أصحابه، فوافوْه، فأدخلهم ومنَّاهم، وقال لهم: إنما أردت بما فعلت صلاحكم وسلامتَكم وحقْنَ الدماء، وأعدّ للخروج إلى المعتزّ في الشروط التي اشترطها للمستعين ولنفسه ولقوّادِه قومًا ليوقِّع المعتزّ في ذلك بخطه، ثم أخرجهم إلى المعتزّ، فمضوا إليه حتى وقع في ذلك بخطه إِمضاءً كل ما سأل المستعين وابن طاهر لأنفسهما من الشُروط، وشهدوا عليه بإقراره بذلك كله، وخلَع المعتزّ على الرّسل، وقلَّدهم سيوفًا، وانصرفوا بغير جائزة ولا نظر في حاجة لهم، ووجَّه معهم لأخذ البيعة له على المستعين جماعة من عنده؛ ولم يأمر للجند بشيء.
-
وحُمل إلى المستعين أمه وابنته وعياله بعدما فتّش عياله، وأخذ منهم بعض ما كان معهم مع سعيد بن صالح؛ فكان دخول الرسل بغداد منصرَفهم من عند المعتزّ يوم الخميس لثلاث خلون من المحرم سنة اثنتين وخمسين ومئتين.
- ج ١٣ ص ١٠٨
وذكر أن رسل المعتزّ لما صاروا بالشماسيّة، قال ابن سجّادة: أنا أخاف من أهل بغداد؛ فإمّا أن يحمل المستعين إلى الشماسيّة أو إلى دار محمد بن عبد الله ليبايع المعتز، ويخلَع نفسه ويؤخذ منه القضيب والبُرْدة (١) .
- (١)هذه التفاصيل الطويلة ابتداءً من (٩/ ٢٨٢). وانتهاءً بهذه الصفحة (٣٤٥) علقنا على بعضها آنفًا وقلنا بأننا لم نجد ما يؤيدها من مصادر متقدمة موثوقة أخرى وقد ذكرها ابن الجوزي مختصرًا (١٢/ ٤٣ - ٤٩). وكذلك ابن كثير وقال ثم جرت بينهما حروب طويلة وفتن مهولة جدًّا قد ذكرها ابن جرير مطولة [البداية والنهاية ٨/ ٢١٩]. ولا نستطيع الجزم بصحة كل هذه التفاصيل أو عدم صحتها وفي بعض أجزائها نكارة واضحة والله تعالى أعلم. وقد اختصر الحافظ السيوطي رحمه الله هذه الأحداث قائلًا: ولما تنكر له (أي للمستعين) الأتراك خاف وانحدر من سامراء إلى بغداد فأرسلوا إليه يعتذرون ويخضعون له ويسألونه الرجوع فامتنع فقصدوا الحبس وأخرجوا المعتز بالله وبايعوه وخلعوا المستعين، ثم جهز المعتز جيشًا كثيفًا لمحاربة المستعين واستعد أهل بغداد للقتال مع المستعين فوقعت بينهما وقعات، ودام القتال أشهرًا وكثر القتل وغلت الأسعار وعظم البلاء وانحلّ أمر المستعين فسعوا في الصلح على خلع المستعين وقام في ذلك إسماعيل القاضي وغيره بشروط مؤكدة [تأريخ الخلفاء/ ٤٠٦]. وقد وصف السيوطي الخليفة المستعين بقوله: وكان خيرًا فاضلًا بليغًا أديبًا. ولم نر ذكرًا لخلافة المستعين عند غير الطبري من المؤرخين الثقات والأخباريين المتقدمين سوى ما قاله ابن قتيبة الدينوري متجاوزًا كل هذه التفاصيل مقتصرًا على ثلاثة عناوين (البيعة ثم الخلع ثم القتل) فقال: ثم بويع أحمد المستعين بالله بن محمد بن أبي إسحاق المعتصم بعده وخلع في آخر سنة إحدى وخمسين ومئتين وقتل سنة اثنتين وخمسين ومئتين [المعارف/ ٢٠٠].
-
وفي شهر ربيع الأول من هذه السنة كان ظهورُ المعروف بالكوكبي بقزوين وزَنجان وغلبتُه عليها وطرده عنها آل طاهر، واسم الكوكبيّ الحسين بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الأرقط بن محمد بن على بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه.
-
وفيها قطع بنو عُقيل طريق جُدّة، فحاربهم جعفر بشاشات، فقُتِل من أهل
ج ١٣ ص ١٠٩مكة نحوٌ من ثلثمئة رجل، وبعض بني عقيل القائل:
عليك ثوبانِ وأُمِّي عاريَهْ ... فأَلقِ لي ثوبَك يا بنَ الزانيهْ
فلما فعل بنو عُقَيْل ما فعلوا غلتْ بمكة الأسعار، وأغارت الأعراب على القرى.