[ذكر الخبر عن خلع المعتز ثم موته]
٥ فقرات، ج ١٣ ص ١٤٦
- ج ١٣ ص ١٤٦
ولثلاث بقين من رجب منها خُلع المعتزّ، ولليلتين خلتا من شعبان أظهِر
ج ١٣ ص ١٤٧موته؛ وكان سبب خلعه - فيما ذكر - أن الكتَّاب الذي ذكرنا أمرهم، لمَّا فعل بهم الأتراك ما فعلوا، ولم يُقرُّوا لهم بشيء، صاروا إلى المعتزّ يطلبون أرزاقهم، وقالوا له: أعطِنا أرزاقنا حتى نقتُل لك صالح بن وصيف، فأرسل المعتزّ إلى أمه يسألها أن تعطيَه مالًا ليعطيَهم، فأرسلت إليه: ما عندي شيء، فلما رأى الأتراك ومَنْ بسامُرّا من الجند أن قد امتنع الكُتَّاب من أن يُعطوهم شيئًا، ولم يجدوا في بيت المال شيئًا، والمعتزّ وأمه قد امتنعا من أن يَسْمَحا لهم بشيء؛ صارت كلمة الأتراك والفراغنة والمغاربة واحدةً، فاجتمعوا على خَلْع المعتزّ، فصاروا إليه لثلاث بَقِين من رجب؛ فذكر بعض أسباب السلطان أنه كان في اليوم الذي صاروا إليه عند نحرير الخادم في دار المعتز، فلم يَرعْه إلا صياح القوم من أهل الكَرْخ والدُّور، وإذا صالح بن وصيف وبايكباك ومحمد بن بُغا المعروف بأبي نصر، قد دخلوا في السلاح، فجلسوا على باب المنزل الذي ينزله المعتزّ، ثم بعثوا إليه: اخرُج إلينا، فبعث إليهم: إني أخذت الدّواء أمس، وقد أجفلني اثنتي عشرة مرّة؛ ولا أقدر على الكلام من الضعف؛ فإن كان أمرًا لابدّ منه، فليدخل إليّ بعضُكم فَلْيُعْلِمْني وهو يرى أن أمره واقف على حاله، فدخل إليه جماعة من أهل الكَرْخ والدّور من خلفاء القُوّاد، فجرّوا برجْلِه إلى باب الحُجْرة؛ قال: وأحسبهم كانوا قد تناولوه بالضّرْب بالدبابيس، فخرج وقميصه مخرّق في مواضح، وآثار الدم على منكبِه، فأقاموه في الشمس في الدار في وقت شديد الحرّ، قال: فجعلتُ أنظر إليه يرفعُ قدمه ساعة بعد ساعة من حرارة الموضع الذي قد أقيم فيه، قال: فرأيتُ بعضهم يلطمه وهو يتقي بيده، وجعلوا يقولون: اخلعْها، فأدخلوه حجرَة على باب حجرة المعتزّ كان موسى بن بُغا يسكنها حين كان حاضرًا، ثم بعثوا إلى ابن أبي الشوارب، فأحضروه مع جماعة من أصحابه؛ فقال له صالح وأصحابه: اكتبْ عليه كتاب خَلْع، فقال: لا أحسنه؛ وكان معه رجل أصبهانيّ، فقال: أنا أكتب، فكتب وشهدوا عليه وخرجوا، وقال ابن أبي الشوارب لصالح: قد شهدوا أنّ له ولأخته وابنه وأمه الأمان، فقال صالح بكفّه: أي نعم؛ ووكلوا بذلك المجلس وبأمّه نساء يحفظنها.
- ج ١٣ ص ١٤٨
فذكر أن قبيحة كانت اتّخذت في الدار التي كانت فيها سَرَبًا، وأنها احتالت هي وقُرْب وأخت المعتز، فخرجوا من السَّرَب، وكانوا أخذوا عليها الطرُق، ومنعوا الناس أن يجوزوا من يوم فعلوا بالمعتزّ ما فعلوا؛ وذلك يوم الإثنين إلى يوم الأربعاء لليلة بقيت من رجب.
-
فذُكر أنه لما خُلع دفع إلى من يعذّبه ومُنِع الطعام والشراب ثلاثة أيام، فطلَب حَسْوةً من ماء البئر، فمنعوه ثم جصّصوا سردابًا بالجِصّ الثخين، ثم أدخلوه فيه، وأطبقوا عليه بابَه، فأصبح ميّتًا.
-
وكانت وفاته لليلتين خَلَتا من شعبان من هذه السنة، فلما مات أشهد على موته بنو هاشم والقواد؛ وأنه صحيح لا أثر فيه، فدُفِن مع المنتصر في ناحية قصر الصّوامع؛ فكانت خلافته من يوم بويع له بسامُرّا إلى أن خُلع أربع سنين وستة أشهر وثلاثة وعشرين يومًا، وكان عمره كلّه أربعًا وعشرين سنة (١) وكان أبيض أسود الشعر كثيفَه، حسن العينين والوجه، ضيّق الجبين، أحمر الوجنتين، حسن الجِسم، طويلًا.
- (١)والذي اختاره الحافظ ابن كثير ما يلي: (ولثلاث بقين من رجب من هذه السنة خلع الخليفة المعتز بالله ولليلتين مضتا من شعبان أظهر موته) [البداية والنهاية ٨/ ٢٢٥]. وقال أيضًا: وكان ذلك في اليوم الثاني من شعبان (أي اليوم الذي أشهدوا فيه جماعة من الأعيان على موته). من هذه السنة (أي ٢٥٥ هـ) وكان يوم السبت وصلى عليه المهتدي بالله ودفن مع أخيه المنتصر إلى جانب قصر الصوامع عن أربع وعشرين سنة. وكانت خلافته أربع سنين وستة أشهر وثلاثة وعشرين يومًا [البداية والنهاية ٨/ ٢٢٥]. وانظر سير أعلام النبلاء (١٢/ ٥٣٢) وتاريخ بغداد (٢/ ١٢٥). وقد ذكر اثنان من الأئمة الثقات من أهل الحديث كلامًا جرى بينهما وبين المعتز بالله وطرفًا من أخباره وهما الزبير بن بكار وعلي بن حرب [وانظر تاريخ بغداد (٢/ ١٢٥) وتأريخ دمشق (١٨/ ٣١٧) وتاريخ بغداد (٢/ ١٢٤) وتأريخ الخلفاء (٤٠٦).
-
وكان مولده بسامُرّا.