مسألة تجريد خالد رضي الله عنه من نصف ما يملك وذلك في خلافة أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه

فقرتان، ج ٣ ص ١٤٠

  1. قال أبو جعفر: ونذكر الآن أمر فحل إذ كان في الخبر الذي فيه من الاختلاف ما ذكرت من فتوح جند الشام والأمور التي تستنكر وقوع مثل هذا الاختلاف الذي ذكرته في وقته لقرب بعض ذلك من بعض.

    1. = الفاتح ولكن ذلك الجديد لم يفتَّ من عضدهم وصبرهم وجهادهم -إن الناقد المنصف إذا تمعّن في الروايات التأريخية هذه يضحك على الذين يجعلون من الاقتصاد وغير ذلك دافعًا لجهاد المسلمين ومحفزًا يدفعهم نحو النصر- ألا هزلت أفكار المستشرقين ومن يتطفل على موائدهم- ألا إن السر كان في قوله تعالى: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}. مسألة تجريد خالد رضي الله عنه من نصف ما يملك وذلك في خلافة أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه ذكرنا الرواية (٣/ ٤٣٦ / ٢٩٨) في قسم الضعيف ولكننا ذكرنا هنا في قسم الصحيح (بعد ذكر بيسان وطبرية) ما رواه ابن عساكر عن أبي الدرداء حين عاد خالدًا في مرضه الأخير وفيه يقول خالد رضي الله عنه: [قد كنت وجدت عليه في نفسي من أمور لمّا تدبرتها في مرضي هذا عرفت: أن عمر كان يريد الله بكل ما فعل؛ كنت وجدت عليه في نفسي حيث بعث إليّ من يقاسمني مالي حتى أخذ فرد نعل وأخذت فرد نعل، فرأيته فعل ذلك بغيري من أهل السابقة ومن شهد بدرًا، وكان يغلظ على وكانت غلظته على غيري نحوًا من غلظته عليّ، وكنت أدلّ عليه بقرابة، فرأيته لا يبالي قريبًا، ولا لوم لائم في غير الله، فذاك الذي أذهب ما كنت أجد عليه] مختصر تأريخ دمشق لابن منظور (٨/ ٢٥) عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان به: وهذه الوقعة مفخرة من مفاخر التأريخ الإسلامي وخاصة الخلافة الراشدة إذ يعاقب الإمام الأعظم (الخليفة) أحد قادته ولا يبالي بالقرابة ولا بلومة لائم ويجرده من نصف ماله حتى يأخذ منه أبسط الأشياء خشية أن يكون قد حاز شيئًا ولو يسيرًا من مال المسلمين بغير حق، ولا يفرق بين قائد عسكري مرموق وبين أبسط شخص في الرعية، فأين هذه المفخرة من مخازي التأريخ الغربي قديمًا وحديثًا وذلك عندما توضع الأوسمة والنياشين وتوزع الهبات والهدايا على قادة عسكريين ظلمة بمجرد انتصارهم في معركة من المعارك. حقًّا لا وجه للمقارنة بين الثرى والثريا. فهؤلاء الصليبيون (ورثة الوثنية اليونانية) يقاتلون في سبيل الشيطان والمال والشهرة والجاه وغير ذلك فلا يهم عندهم أن يضعوا الأموال في غير محلها. . . أما الصحابة الكرام فهم خير خلق الله بعد الأنبياء. . . خرجوا جهادًا في سبيل الله وإعلاء لكلمة الله. . . ويا عجبًا كيف تتحول المفخرة إلى شبهة عندما تُكتب بقلم من تتلمذ على موائد الغرب وتشرّب قلبه بالحقد على التأريخ الإسلامي وكل ما هو إسلامي، والحمد لله على نعمه التي أنعمها على هذه الأمة ومنها أنها أمة الإسناد كما قال الحافظ وغيره.
    ج ٣ ص ١٤٠
  2. ٩٣ - فأما ما قال ابنُ إسحاق من ذلك وقصّ من قصّته، فقد تقدّم ذكرِيه قبل. وأمَّا السَّرِيّ فإنَّه فيما كتب به إليّ، عن شُعيب، عن سيف، عن أبي عثمان يزيد بن أسيِد الغسَّانيّ وأبي حارثة العبشمي، قالا: خلَّف النَّاسُ بعد فتح دمشق يزيدَ بن أبي سفيان في خَيله في دِمشق، وساروا نحو فِحْل، وعلى الناس شُرَحبيل بن حَسَنة، فبعث خالدًا على المقدّمة وأبا عبيدة وعمرًا على مجنَّبتيه، وعلى الخيل ضِرار بن الأزْور، وعلى الرَّجْل عياض، وكرهوا أن يصمُدوا لهرقل، وخَلْفهم ثمانون ألفًا، وعلِموا: أنّ مَنْ بإزاء فِحْل جُنَّة الرّوم وإليهم ينظرون، وأن الشام بعدهم سِلْم. فلما انتهوْا إلى أبي الأعور، قدّموه إلى طَبَرِيَّة، فحاصرهم ونزلوا على فِحْل من الأردن، -وقد كان أهل فِحْل حين نزل بهم أبو الأعور تركوه وأرَزُوا إلى بَيسان- فنزل شُرَحبيل بالناس فِحْلًا، والروم بَيسان، وبينهم وبين المسلمين تلك المياه والأوحال، وكتبوا إلى عمر بالخبر، وهم يحدّثون أنفسهم بالمقام، ولا يريدون أن يَرِيموا فِحْلًا حتَّى يرجع جواب كتابهم من عند عمر، ولا يستطيعون الإقدام على عدوِّهم في مكانهم لما دونهم من الأوحال؛ وكانت العرب تسمّي تلك الغزاة فِحْلًا وذاتَ الرَّدَغة وبَيسان، وأصاب المسلمون من ريف الأردنّ أفضلَ ممَّا فيه المشركون؛ مادّتهم متواصِلة، وخصبهم رَغْد؛ فاغترّهم القوم، وعلى القوم سَقَلِاّر بن مِخْراق؛ ورجوا أن يكونوا على غِرَّة، فأتوْهم والمسلمون لا يأمنون مجيئهم، فهم على حَذر. وكان شُرَحبيل لا يبيت ولا يصبح إلّا على تعبية، فلمَّا هجموا على المسلمين غافصوهم، فلم يناظروهم، واقتتلوا بفِحْل كأشدّ قِتال اقتتلوه قطّ ليلتَهم ويومَهم إلى الليل، فأظلم الليلُ عليهم وقد حاروا، فانهزموا وهم حيارَى، وقد أصيب رئيسهم سَقَلّار بن مخراق؛ والذي يلِيه فيهم نسطورس، وظفِر المسلمون أحسنَ ظفر وأهنأه، وركبوهم وهم يَرْون أنهم على قَصْد وجدَد، فوجدوهم حيارَى لا يعرفون مأخذهم، فأسلمتهم هزيمتُهم وحَيرتهم إلى الوَحَل، فركبوه، ولحق أوائل المسلمين بهم؛ وقد وحِلوا فركبوهم؛ وما يمنعون يد لامس؛ فوخَزُوهم بالرّماح، فكانت الهزيمة في فِحْل؛ وكان مقتلهم في الرّداغ، فأصيب الثمانون ألفًا، لم يُفلِت منهم إلّا الشريد؛ وكان الله يصنع للمسلمين وهم كارهون، كرهوا البُثوق فكانت عونًا لهم على عدوّهم، وأناةً من الله ليزدادوا بصيرة وجِدًّا،

    ج ٣ ص ١٤٢واقتسموا ما أفاء الله عليهم، وانصرف أبو عبيدة بخالد من فِحْل إلى حِمْص، وصرفوا سُمَيْر بن كعب معهم، ومضَوْا بذي الكَلاع ومَن معه، وخلّفوا شُرَحبيل ومن معه (١) . (٣: ٤٤٢/ ٤٤٣) .

    1. (١)إسناده ضعيف. ولقد تحدثنا عن فتح دمشق بالتفصيل وسنزيد هنا ما لم نذكره هناك مع إضافة الحديث عن فحل دمشق والله أعلم: جاء في المعرفة والتأريخ ليعقوب الفسوي عند الحديث عن أحداث سنة (١٣ هـ) ضمن خلافة سيدنا عمر رضي الله عنه ما يلي: أخبرنا أبو محمد عبد الكريم بن حمزة السلمي، نا أبو بكر الخطيب ح، وأخبرنا أبو القاسم السمرقندي، نا أبو بكر بن الطبري، قالا: أنبأنا أبو الحسن بن الفضل القطان، أنا عبد الله بن جعفر، نا يعقوب، نا حامد بن يحيى، نا صدقة -يعني: ابن سابق- عن محمد بن إسحاق قال: استخلف عمر على رأس اثنتي عشرة سنة وثلاثة أشهر واثنين وعشرين يومًا من مهاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان أمر الناس إلى خالد بن الوليد والأمراء على منازلهم فساروا قبل فِحل من الأردن، وكانت فِحل في ذي القعدة سنة ثلاث عشرة، وعلى رأس ستة أشهر من خلافة عمر - (المعرفة والتأريخ ٣/ ٢٩٥). ثم ذكر رواية أخرى: قال: ونا يعقوب، حدثني سلمة عن أحمد بن حنبل، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر: قال: وكانت فحل في ولاية عمر لستة أشهر مضين منها. (المعرفة والتأريخ ٣/ ٢٩٥). ثم ذكر رواية ثالثة: قال: ونا يعقوب، نا إبراهيم، نا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، وقال حسان بن عبد الله بن لهيعة: عن أبي الأسود عن عروة قالا: كانت وقعة أجنادين وفحل في ذي القعدة سنة ثلاث عشرة ولما توفي أبو بكر واستخلف عمر نزع خالد بن الوليد وأمّر أبا عبيدة بن الجراح على الأجناد (المعرفة والتأريخ ٣/ ٢٩٦) وهذه روايات منها معضلة، ومنها ما هي مرسلة ولكنها متعددة المخارج تذكر جميعها: أن وقعة فحل كانت سنة (١٣ هـ) والله تعالى أعلم بالصواب.
    ج ٣ ص ١٤١