طبرية

فقرة واحدة، ج ٣ ص ١٤٣

  1. ٩٣ / ب- وبلغ أهلَ طَبرِيَّة الخبر، فصالحوا أبا الأعور، على أن يبلغهم شُرَحبيل، ففعل؛ فصالحوهم وأهل بَيسان على صلح دمشق؛ على أن يشاطروا المسلمين المنازلَ في المدائن، وما أحاط بها ممَّا يصلُها، فيدَعون لهم نصفًا، ويجتمعون في النِّصف الآخر، وعن كلّ رأس دينار كلَّ سنة، وعن كلّ جريب أرض جَريب بُرّ أو شعير؛ أيّ ذلك حُرِث، وأشياء في ذلك صالحوها عليه، ونزلت القوّاد وخيولُهم فيها، وتمّ صلح الأردنّ، وتفرّقت الأمداد في مدائن الأردنّ وقراها، وكُتب إلى عمر بالفتح (١) . (٣: ٤٤٤) .

    1. (١)واضح من خلال سرد الطبري لخبر بيسان وطبرية أنه تكملة لرواية سيف (٣/ ٤٤٢ / ٣٠٤) ولم نجد عند غيره (أي: سيف) هذه التفاصيل إلّا أن لأصل الخبر شاهدًا (ويعني فتح بقية الأردن عنوة خلا طبرية) فقد: ١ - أخرج ابن عساكر عن خليفة قال: وحدثني عبد الله بن المغيرة عن أبيه قال: افتتح شرحبيل بن حسنة الأردن كلها عنوة ما خلا طبرية فإن أهلها صالحوه، وذلك بأمر أبي عبيدة (تأريخ مدينة دمشق لابن عساكر / المجلد ٥٣ / ص ٣٣٦). ٢ - في تأريخ خليفة: حدثنا عبد الله بن المغيرة عن أبيه قال: صالحهم أبو عبيدة على أنصاف كنائسهم ومنازلهم وعلى رؤوسهم على ألا يمنعوا من أعيادهم ولا يهدم شيء من كنائسهم، صالح على ذلك أهل المدينة وأخذ سائر الأرض عنوة. (تأريخ خليفة / ١٢٦). ٣ - وأخرج البلاذري قال: وحدثني أبو حفص الدمشقي عن سعيد بن عبد العزيز التنوخي عن عدة، منهم: أبو بشر مؤذن مسجد دمشق: أن المسلمين لما قدموا الشام. . . الخبر وفيه: ثم ولي أبو عبيدة بن الجراح أمر الشام كلّه وأمّره الأمراء في الحرب والسلم من قبل عمر بن الخطاب رضي الله عنه وذلك أنه لما استخلف كتب إلى خالد بن الوليد بعزله وولى أبا عبيدة، ففتح شرحبيل بن حسنة طبرية صلحًا بعد حصار أيّام على أن أمن أهلها على أنفسهم وأموالهم وأولادهم وكنائسهم ومنازلهم إلّا ما جلوا عنه وخلّوه، واستثنى لمسجد المسلمين موضعًا، ثم إنهم نقضوا في خلافة عمر، واجتمع إليهم قوم من الروم وغيرهم، فأمر أبو عبيدة عمرو بن العاص، بغزوهم فسار إليهم في أربعة آلاف فافتتحها على مثل صلح شرحبيل ويقال: بل فتحها شرحبيل ثانية، وفتح شرحبيل جميع مدن الأردن وحصونها = = على هذا الصلح فتحًا يسيرًا بغير قتال، ففتح بيسان وفتح موسية وفتح أفيق وجُرَش وبيت رأس وقَدَس، والجولان وغلب على سواد الأردن وجميع أرضها. قال أبو حفص: قال أبو محمد سعيد بن عبد العزيز: وبلغني: أن الرضين بن عطاء قال: فتح شرحبيل عكا وصور وصفّورية، وقال أبو بشر المؤذن: إن أبا عبيدة وجّه عمرو بن العاص إلى سواحل الأردن فكثر به الروم، وجاءهم المدد من ناحية هرقل وهو بالقسطنطينية فكتب إلى أبي عبيدة يستمده فوجّه أبو عبيدة يزيد وعمرو إلى سواحل الأردن، فكتب أبو عبيدة بفتحها لهما وكان لمعاوية في ذلك بلاء حسن وأثر جميل. (فتوح البلدان / ١٦٠). ٤ - وقال ابن عساكر (بعد أن ذكر رواية خليفة عن المغيرة في فتح الأردن كلها عنوة خلا طبرية): وقال ابن الكلبي نحوه وقالا (أي: خليفة والكلبي): - وبعث أبو عبيدة خالد بن الوليد فغلب على أرض البقاع وصالحه أهل بعلبك وكتب لهم كتابًا، (تأريخ مدينة دمشق مجلد ٥٣/ ٣٣٦). وكذلك قال ابن كثير: قال خليفة بن خياط: حدثني عبد الله بن المغيرة عن أبيه قال: افتتح شرحبيل بن حسنة الأردن كلها عنوة ما خلا طبرية فإن أهلها صالحوه. وهكذا قال ابن الكلبي وقالا (أي: خليفة والكلبي): بعث أبو عبيدة خالدًا فغلب على أرض البقاع وصالحه أهل بعلبك وكتب لهم كتابًا (البدابة والنهاية ٧/ ٢٥). الأسباب الحقيقية وراء عزل سيدنا عمر لخالد رضي الله عنه: ١ - لقد كتب الله النصر لسيفه المسلول خالد بن الوليد رضي الله عنه في المعارك الواحدة تلو الأخرى حتى أنه أصبح في نظر أعداء الله أسطورة وبطلًا خارقًا فكان قادة الروم يتصورونه سيفًا أنزله الله من السماء على رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -، ويبدو: أن سيدنا عمر رضي الله عنه خشيَ أن تنتقل هذه الفكرة إلى أوساط الجيش الإسلامي وتترسخ في أذهانهم فكرة الربط بين الانتصارات هذه وقيادة خالد لجيوش الفتح. ولم يكن عمر يخشى ذلك على الصحابة وإنما من دخل بعدهم ممن دخل الإسلام حديثًا وقد سبق أن ذكرنا رواية ابن سعد أن بعض (أهل الشام) استعجز أبا عبيدة حصار دمشق ورجّح خالد بن الوليد فغضب معاذ وقال: أبأبي عبيدة يُظنّ! والله إنه لمن خيرة من يمشي على الأرض. وحسن الحافظ إسناده (الإصابة ٣/ ٤٧٧ / ت ٤٤١٨). فأراد عمر رضي الله عنه أن يمحو هذا الوهم من أذهان الناس ويبين لهم عمليًّا أن النصر من عند الله وليس من عند خالد وإنما هو (أي خالد) عامل من بين عوامل كثيرة من عوامل النصر وجندي من جنوده سبحانه لا يحصيها إلا هو {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ}. وأخرج خليفة بن خياط من طريق معاذ عن ابن عون عن محمد قال: لما ولي عمر قال: لأعزلن خالدًا حتى يعلم: أن الله إنما ينصر دينه (تأريخ خليفة / ١٢٢) وأخرج ابن سعد في طبقاته الكبرى (٣/ ٢٨٤) أخبرنا عفان بن مسلم قال: أخبرنا حماد بن زيد قال: أخبرنا أيوب = = والمتدبر للروايات التأريخية يتبيّن: أن حروب الردة وشراستها كانت تقتضي من القيادة الإسلامية في المدينة والمتمثلة بسيدنا أبي بكر رضي الله عنه أن تختار رجلًا عسكريًا شديدًا جدًّا نظرًا لخطورة الموقف وحراجته، وقد ارتدت الجزيرة جُلّها سوى مكة والمدينة وشيئًا مما حولهما- وكذلك بعد حروب الردة وبداية معارك الفتوح في العراق والشام، فلم يعهد المسلمون في معاركهم السابقة شراسة الفرس وطول صبرهم وكثرة عددهم، ولم يعهدوا كذلك جيوشًا نظامية هائلة الأعداد والعتاد كجيوش الروم، فكان لا بد أن يكون رأس الحربة رجالًا أشداء كخالد، كأنهم خلقوا للمجالدة والمبارزة واقتحام قلب العدو. ولكن الأمور اختلفت بعد فتح قسط كبير من بلاد الشام والعراق وأصبحت طوائف وأقوام كثيرة تحت حكم المسلمين فكان لا بد أن يروا بأم أعينهم رحمة الإسلام وشفقته ويده الحانية، فتألف قلوبهم الإسلام ويعتنقوه، فكان الرجل المناسب هو أبو عبيدة رضي الله عنه أمين هذه الأمة. وإن كان خالد خلال تلك المعارك (كقائد ميداني) لم يبلغ في تقييمه للأمور سعة إدراك عمر كخليفة وكقائد عام لجميع الجيوش، فإن خالدًا رضي الله عنه قد أدرك في نهاية حياته ما أدركه عمر فأنصفه وتكلم بكلمات تُكمم أفواه المستشرقين وأعداء التأريخ الإسلامي. فقد أخرج ابن عساكر (ترجمة خالد) رحمه الله: دخل أبو الدرداء على خالدٍ في مرض موته، فقال له خالد: يا أبا الدرداء لئن مات عمر؛ لترين أمورًا تنكرها، فقال أبو الدرداء: وأنا والله أرى ذلك. فقال خالد: قد وجدت عليه في نفسي في أمور، لما تدبّرتها في مرضي هذا وحضرني من الله حاضر؛ عرفت أن عمر كان يريد الله بكل ما فعل، كنت وجدت عليه في نفسي حين بعث إليّ من يقاسمني مالي حتى أخذ فرد نعل وأخذت فرد نعل، ولكنه فعل ذلك بغيري من أهل السابقة وممن شهد بدرًا، وكان يغلظ عليّ، وكانت غلظته على غيري نحوًا من غلظته عليّ، وكنت أدلّ عليه بقرابته، فرأيته لا يبالي قريبًا ولا لوم لائم في غير الله. فذلك الذي أذهب عني ما كنت أجد عليه، وكان يكثر على عنده، وما كان ذلك إلا على النظر: فقد كنت في حرب ومكابدة وكنت شاهدًا وكان غائبًا، فكنت أعطي على ذلك، فخالفه ذلك من أمري. [مختصر تأريخ دمشق لابن عساكر] (٨/ ٢٥) عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان به.
    ج ٣ ص ١٤٣