القول في الموضع الذي أهبط آدم وحواء إليه من الأرض حين أهبطا إليها

٥ فقرات، ج ١ ص ١٩٥

  1. فهذا الذي قاله هؤلاء هو أولى بالصواب، وأشبَه بما دلَّ عليه كتاب ربنا عزّ وجلَّ، وذلك أن الله عزَّ ذكره لما تقدم إلى آدم وزوجته حواء بالنهي عن طاعة عدوِّهما، قال لآدم: {يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى}، فكان معلومًا أن الشقاء الذي أعلمه أنه يكون إن أطاع عدوَّه إبليس، هو مشقة الوصول إلى ما يُزِيل الجوعَ والعُرْيَ عنه، وتلك هي الأسباب التي بها يَصل أولاده إلى الغذاء، من حراثة وبذر وعلاج وسَقي، وغير ذلك من الأسباب الشاقة المؤلمة. ولو كان جِبْريل أتاه بالغذاء الذي يصل إليه بِبَذره دون سائر المؤن غيره، لم يكن هناك من الشقاء الذي توعَّده به ربه على طاعة الشيطان ومعصية الرحمن كبير خطب، ولكن الأمر كان -والله أعلم- على ما روينا عن ابن عباس وغيره (٣) . (١٣٠: ١) .

    1. (٣)صحيح.
    ج ١ ص ١٩٥
  2. وقد حدثني أحمد بن محمد الطوسيّ، قال: حدثنا الحسين بن محمد، قال: حدثنا جرير بن حازم عن كُلثوم بن جبر، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنَعْمان -يعني عرفة- فأخرج

    ج ١ ص ١٩٦من صلبه كلَّ ذرية ذَرَأها، فنثرهم بين يديه كالذَّرِّ، ثم كلمهم قُبُلًا، وقال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ} إلي قوله: {بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ} (١) . (١: ١٣٤) .

    1. (١)إن كان شيخ الطبري هنا أحمد بن محمد بن نيزك الطوسي فإسناده حسن صحيح، وعلى أية حال فإن حديث ابن عباس هنا أخرجه الحاكم في المستدرك من طريق الحسن بن محمد المردودي ثنا جرير بن حازم عن كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أخذ الله الميثاق من ظهر آدم - عليه السلام - ... إلخ الحديث" كما عند الطبري وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه (المستدرك ٢/ ٥٤٣) وأخرجه قبل ذلك في (١/ ٢٧) من طريق وهب بن جرير بن حازم- ثنا أبي عن كلثوم بن جرير. عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ... الحديث. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وقد احتج مسلم بكلثوم بن جبر ووافقه الذهبي (المستدرك مع التلخيص ١/ ٢٧) قلنا: والحديث أخرجه النسائي في الكبرى (١١١٩١) وقال: كلثوم هذا ليس بالمحفوظ. اهـ. قلنا: والحديث أخرجه أحمد في مسنده (ح ٢٤٥٥) عن ابن عباس مرفوعًا وذكره الحافظ ابن كثير بسنده عند أحمد ثم قال: فهو إسناد جيد قوي علي شرط مسلم (البداية والنهاية ١/ ١٤٤ / ط. الفكر). وسنأتي على كلام العلماء في ترجيح وقفه أو رفعه بعد ذكر الروايات الموقوفة الآتية عند الطبري.
  3. حدثني عمران بن موسى القزاز، حدثنا عبد الوارث بن سعيد، قال: حدثنا كلثوم بن جبر عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس في قوله: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} ، قال: مسح ربنا ظهر آدم، فخرجت كلّ نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة بنعمان هذه -وأشار بيده- فأخذ مواثيقهم، وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى (٢) . (١: ١٣٤) .

    1. (٢)هذا الخبر أخرجه الطبري هنا مرفوعًا وانظر ما بعده.
  4. حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمران بن عيَيْنة عن عطاء، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس، قال: أهبِط آدم حين أهبِط فمسح الله ظهره، فأخرَج منه كلّ نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، ثم قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، ثم تلى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} فجفّ القلم من يومئذ بما هو

    ج ١ ص ١٩٧كائن إلى يوم القيامة (١) . (١: ١٣٤/ ١٣٥) .

    1. (١)هكذا رواه الطبري موقوفًا وقد رواه قبل مرفوعًا. وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى بعد إيراده للرواية المرفوعة عند أحمد: وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه إلَّا أنه اختلف فيه على كلثوم بن جبر. فروى عنه مرفوعًا وموقوفًا وكذا روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفًا. وهكذا رواه العوفي والوالبي والضحاك وأبو جمرة عن ابن عباس قوله: وهذا أكثر وأثبت والله أعلم. وهكذا روي عن عبد الله بن عمر موقوفًا ومرفوعًا والموقوف أصح (البداية والنهاية ١/ ١٤٤). وقال الشوكاني في تفسيره لهذه الآية من سورة الأعراف (١٧٢) وأخرج أحمد والنسائي وابن جرير والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم بنعمات يوم عرفة فأخرج من صلبه كل ذرية ذراها فنشرها بين يديه ثم كلمهم فقال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا} إلى قوله: {الْمُبْطِلُونَ} ثم قال الشوكاني رحمه الله وإسناده لا مطعن فيه، وقد أخرجه ابن أبي حاتم موقوفًا على ابن عباس (فتح القدير / تفسير سورة الأعراف / آية ١٧٢). قلنا: وأما من المعاصرين فإن الشيخ عبد الرزاق المهدي رجح وقفه وقال: (وهو أصح من المرفوع) وإن لم ينف الشيخ عبد الرزاق وجود الشواهد الكثيرة وبألفاظ متقاربة. وأما المحدث الألباني فقد صحح رفعه (انظر السلسلة الصحيحة / ح ١٦٢٣) قلنا: الحديث صحت روايته موقوفًا وكذلك مرفوعًا ويؤيد المرفوع ما يلي: ١ - الآية نفسها تشهد للحديث المرفوع وإن كان الحافظ ابن كثير ممن رجح الوقف. ٢ - وأخرجه الطبري في تفسيره من طريق أحمد بن أبي طيبة عن سفيان بن سعيد عن الأجلح عن الضحاك عن منصور عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} قال: أخذ من ظهورهِم كما يؤخذ بالمشط من الرأس. فقال لهم: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} قالت الملائكة: {شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ}. وقد أخرج الحافظ ابن كثير هذا الحديث ثم عقب قائلًا: أحمد بن أبي طيبة هذا أبو محمد الجرجاني قاضي قوقس، كان أحد الزهاد، أخرج له النسائي في سننه وقال أبو حاتم الرازي يكتب حديثه وقال: ابن عدي حدث بأحاديث كثيرة أكثرها غرائب، وقد روى هذا الحديث عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو قوله (أي موقوفًا) وكذا رواه جرير عن منصور به، وهذا أصح والله أعلم (تفسير القرآن العظيم / ١٥٠٧). قلنا: وهذا يعني أن الحافظ ابن كثير يرجح وقف هذه الرواية كذلك، أما الموقوف هنا فضعيف والله أعلم. ٣ - الشاهد الثالث: أخرج البخاري في صحيحه (كتاب أحاديث الأنبياء / ح ٣٣٣٤) عن أنس = = رضي الله عنه يرفعه: "إن الله يقول لأهون أهل النار عذابًا: لو أن لك ما في الأرض من شيء كنت تفتدي به؟ قال: نعم. قال: فقد سألتك ما هو أهون من هذا وأنت في صلب آدم: أن لا تشرك بي فأبيت إلا الشرك". قلنا: والحديث أخرجه مسلم من حديث أنس مرفوعًا (صحيح مسلم / كتاب صفات المنافقين / ح ٢٨٠٥). ٤ - الشاهد الرابع: حديث عمر بن الخطاب الآتي عند الطبري وغيره.
  5. حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهريّ، قال: حدثنا روح بن عبادة وسعد بن عبد الحميد بن جعفر، عن مالك بن أنس، عن زيد بن أبي أنَيسَة، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، عن مسلم بن يسار الجُهنيّ؛ أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه سئل عن هذه الآية: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} ، فقال عمر: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الله خلق آدم ثم مسح على ظهره بيمينه واستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح على ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون" ، فقال رجل: يا رسول الله، ففيم العمل؟ قال: "إن الله تبارك وتعالى إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة، [حتى يموت على عملٍ من عمل أهل الجنة] فيدخله الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعملِ أهل النار حتى يموتَ على عملٍ من عمل أهل النار فيدخله النار" (١) . (١: ١٣٥) .

    1. (١)هذا إسناد ضعيف والحديث أخرجه الترمذي في سننه (كتاب تفسير القرآن / ح ٣٠٧٥) وأحمد في مسنده (ح ٣١١) وأبو داود (ح ٤٧٠٣) والإمام مالك في الموطأ (ح ١٦٦١) من طريق زيد بن أنيسة عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عن مسلم بن يسار الجهني عن عمر بن الخطاب مرفوعًا وصححه ابن حبان (ح ٦١٦٦). وقال الترمذي: هذا حديث حسن. ومسلم بن يسار لم يسمع من عمر. وقال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال الحافظ ابن كثير: وقد رواه أبو داود عن محمد بن مصفى عن بقية عن عمر بن جعثم عن زيد بن أبي أنيسة عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عن مسلم بن يسار عن نعيم بن ربيعة قال: كنت عند عمر بن الخطاب وقد سئل عن هذه الآية فذكر الحديث. قلنا: وقد أخرجه أبو داود (٤٧٠٤) وحديث مالك أتم. وقال الدارقطني: وقد تابع عمر بن جعثم أبو فروة بن يزيد بن سنان الرهاوي عن زيد بن أبي أنيسة قال: وقولهما أولى بالصواب من قول مالك رحمه الله (وهذه الأحاديث كلها دالة = = على استخراجه تعالى ذرية آدم من ظهره كالذر وقسمهم قسمين أهل اليمين وأهل الشمال (البداية والنهاية ١/ ١٤٤). قلنا: والحديث (حديث عمر) ذكره الألباني في الضعيفة (٣٠٧٠) وصححه لغيره في تخريج شرح الطحاوية. انظر المشكاة (٩٦) وانظر السلسلة الضعيفة (٣٠٧١). وكذلك أرناؤوط: إذ قال صحيح لغيره (وانظر المسند ١/ ٤٠٠) وقال أيضًا: قلنا وفي الباب عن عمران بن حصين وعلي وجابر وعبد الرحمن بن قتادة السلمي وهي مخرجة في (صحيح ابن حبان ٣٣٣ - ٣٣٨). ومن حديث عمر نفسه عند الآجري في الشريعة (١٧٠ - ١٧١) وانظر التمهيد (٦/ ١٢٠٦) اهـ. كلام أرناؤوط (المسند ١/ ٤٠٠). قلنا: ونرى هنا جديرًا أن نذكر كلام الإمام الحافظ ابن عبد البر في حكمه على الحديث: يقول ابن عبد البر: هذا الحديث منقطع بهذا الإسناد لأن مسلم بن يسار هذا لم يَلْقَ عمر بن الخطاب .. ثم قال: وزيادة من زاد فيه نعيم بن ربيعة ليست حجة. لأن الذي لم يذكره أحفظ، وإنما تقبل الزيادة من الحافظ المتقن، وجملة القول في الحديث أنه حديث ليس إسناده بالقائم لأن مسلم بن يسار ونعيم بن ربيعة جميعًا غير معروفين بحيل العلم، ولكن وخبر هذا الحديث قد صحَّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه كثيرة ثابتة يطول ذكرها (التمهيد ٦/ ٣) والله أعلم. قلنا: وأخرج ابن أبي عاصم في السنة نحوه من حديث أبي هريرة. وصححه الألباني (٢٠٤، ٢٠٥) / ص ٢٧٦ والله أعلم.
    ج ١ ص ١٩٨