ثم دخلت سنة سبع وثلاثين مقتل عمار بن ياسر
فقرة واحدة، ج ٣ ص ٣٨٦
- ج ٣ ص ٣٨٦
٢٦٩ - حدَّثنا محمد بن عباد بن موسى، قال: حدَّثنا محمد بن فُضَيل، قال: حدَّثنا مسلم الأعور، عن حبّة بن جُوَين العُرَنيّ، قال: انطلقتُ أنا وأبو مسعود إلى حُذَيفة بالمدائن، فدخلنا عليه، فقال: مرحبًا بكما، ما خلّفتما من قبائل العرب أحدًا أحبّ إليّ منكما، فأسندته إلى أبي مسعود، فقلنا: يا أبا عبد الله! حدَّثنا فإنا نخاف الفِتَن؛ فقال: عليكما بالفئة التي فيها ابن سميّة، إني سمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "تقتله الفئة الباغية الناكبة عن الطريق، وإنّ آخر رزقه ضَياح من لبن" . قال حبّة: فشهدتُه يومَ صِفِّين وهو يقول: ائتوني بآخر رزق لي من الدنيا، فأتِي بضَياح من لبن في قدَح أرْوح له حلقة حمراء، فما أخطأ حُذَيفة مقياسَ شعرة، فقال:
اليوم ألقى الأحبَّهْ ... محمّدًا وحزبَهْ
والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سَعَفات هَجَر؛ لعلِمنا أنا على الحقّ وأنهم على الباطل، وجعل يقول: الموت تحت الأسَل، والجنة تحت البارقة (٢) . (٥: ٣٨/ ٣٩) .
- (٢)إسناده ضعيف إلا أن له متابعًا، وحديث (ويح عمار تقتله الفئة الباغية) صحيح فقد أخرجه البخاري في صحيحه (فتح الباري ١/ ٦٤٢) وأخرجه غير البخاري ومنهم الحاكم فقد أخرج في المستدرك (٣/ ٣٩١) كما عند الطبري (٥/ ٣٨) من طريق مسلم الأعور عن حبة العرني قال: دخلنا مع ابن مسعود الأنصاري على حذيفة بن اليمان أسأله عن الفتن فقال دوروا مع = = كتاب الله حيث ما دار وانظروا الفئة التي فيها ابن سمية فاتبعوها فإنه يدور مع كتاب الله حيث ما دار قال: فقلنا له: ومن ابن سمية؟ قال عمار، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول له: لن تموت حتى تقتلك الفئة الباغية تشرب شربة ضياح تكن آخر رزقك من الدنيا. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح عال ولم يخرجاه. وقال الذهبي: صحيح. قلنا: في تصحيحهما نظر فمسلم بن كيسان الأعور (أبو عبد الله ضعيف) وحبة ابن جوين العرني صدوق له أغلاط وكان غاليًا في التشيع (التقريب / ١٠٨١) فكيف يكون صحيحًا! ؟ ولعل الحافظين الجليلين صححا متن الحديث لا إسناده (وهذا أغلب الظن) فلم يقل الحاكم صحيح الإسناد والذهبي. ويبدو: أنهما صححا الحديث لوجود ما يشهد لشطرين منه (الثاني والثالث) فأما الثاني (تقتلك الفئة الباغية) فقد أخرجه البخاري كما ذكرنا -وأما الشطر الثالث فقد أخرجه الحاكم (٣/ ٣٨٩) وفيه: اليوم نلقى حبيبنا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - عهد إليَّ (إن آخر زادك من الدنيا ضيح من لبن) وقال الحاكم: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وأخرجه أحمد (٤/ ٣١٩) وكذلك أخرج الحاكم (٣/ ٣٨٩) عن أبي البختري أن عمار بن ياسر أتي بشربة من لبن فضحك فقيل له: ما يضحكك؟ فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: آخر شراب أشربه حتى أموت هذا. وقال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. إلا أن الشطر الأول من الحديث وفيه أن عمار يدور حيث دار الكتاب فلم نجد له متابعًا ولا شاهدًا إلا ما أخرجه الذهبي منقطعًا في (سير أعلام النبلاء ١/ ٤١٥) والله تعالى أعلم. خاتمة المطاف فيما ورد من الروايات الصحيحة في وقعة الجمل ١ - سبق أن ذكرنا بيعة كل من الزبير وطلحة رضي الله عنهما للخليفة الراشد الرابع علي رضي الله عنه وذلك في فضل البيعة وإجماع الصحابة على بيعته في قسم الصحيح، وكذلك علمنا أن طلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنهم كانوا يوصون الناس بالبيعة لعلي رضي الله عنه وسنعيد الرواية في ذلك هنا: أخرج الطبري (٤/ ٤٩٧) عن الأحنف بن قيس حديثًا طويلًا وفيه: فلقيت طلحة والزبير فقلت: من تأمراني، وترضيانه لي؟ فإني لا أرى هذا الرجل إلا مقتولًا، قالا: علي. قلت: أتأمراني به وترضيانه لي؟ قالا: نعم. فانطلقت حتى قدمت مكة فبينما نحن إذ أتانا قتل عثمان رضي الله عنه وبها عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، فلقيتها فقلت: من تأمريني أن أبايع، قالت: علي. قلت: تأمريني به، وترضينه لي؟ فقالت: نعم، فمررت على علي بالمدينة فبايعته ثم رجعت إلى أهلي بالبصرة ولا أرى الأمر إلا قد استقام، قال: فبينا أنا كذلك، إذ أتاني آتٍ فقال: هذه عائشة وطلحة والزبير قد نزلوا جانب الخريبة ... الرواية. وفيه كذلك: (فقلت: يا أم المؤمنين أنشدك بالله أقلت لك من تأمريني به؟ فقلت: عليّ! فقلت: أتأمريني به وترضينه لي؟ قلت: نعم. قالت: نعم ولكنه بدَّل. فقلت: يا زبير يا حواري = = رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يا طلحة! أنشدكما الله أقلت لكما: ما تأمراني، فقلتما: عليّ؟ فقلت: أتأمراني به وترضيانه لي؟ فقلتما نعم، قالا: نعم ولكنه بدَّل. فقلت: والله لا أقاتلكم ومعكم أم المؤمنين وحواري رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أقاتل رجلًا ابن عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرتموني ببيعته ... إلخ). قلنا: ورجال هذا الإسناد ثقات غير محمد بن جأوان الذي رواه عن الأحنف بن قيس فقد وثقه ابن حبان وروى له النسائي وقال الذهبي: ثقة. والحديث أخرجه الطبري مرة أخرى ولكن بسند آخر من طريق عمرو بن جاوان عن الأحنف بن قيس (٤/ ٤٩٩) وصحح الحافظ ابن حجر إسناده (فتح الباري ١٣/ ٣٨). قلنا: وفي النفس شيء من لفظة (قالا: نعم. ولكنه بدّل) فإن عائشة والزبير وطلحة رضي الله عنهم نصحوا الناس ببيعة علي، ولم يخرجوا لأن عليًّا رضي الله عنه بدل، وإنما خرجوا إصلاحًا بين الناس، وطلبًا للقصاص من قتلة عثمان، لذا فإنا نرجح أن هذه العبارة (ولكنه بدّل) عبارة شاذة والأرجح أنهم سكتوا ولم يقولوا: (بدل) والذي يدفعنا إلى ذلك هو ما أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه رواية عن عبد الله بن بديل الخزاعي (١٥/ ٢٨٥ / ح ١٩٦٧٧) وفي الرواية أنه قال لعائشة رضي الله عنها: (يا أم المؤمنين أتعلمين أني أتيتك عندما قتل عثمان فقلت: ما تأمريني، فقلت: الزم عليًّا؟ فسكتت) وجوّد ابن حجر إسناد هذه الرواية (الفتح ١٣/ ٦٢). وكذلك كان جواب عائشة لعمار بعد انتهاء المعركة عندما عاتبها على خروجها فلم تسكت فحسب بل مدحت عمارًا، وأثنت عليه بأنه قوّال للحق، وسنتحدث عن هذه الرواية بعد قليل (٤/ ٥٤٥ / ح ١٣٤٢). وإن كانت هذه العبارة: (ولكنه بدَّل) من مقولة عائشة والزبير وطلحة رضي الله عنهم فتأويل ذلك أنهما قصدا بذلك أن عليا رضي الله عنه أرجأ مسألة القصاص من القتلة حتى إشعار آخر؛ ريثما تستتب الأمور وتستقر دعائم الخلافة بعد فتنة مقتل سيدنا عثمان الخليفة الراشد الثالث رضي الله عنه. ٢ - كان أمير المؤمنين علي رضي الله عنه يرى أن الأوجب أن تستقر أمور الخلافة أولًا ولا يتعجل في التحقيق في ملف الفتنة وملاحقة الجناة، وذلك لأن الفتنة حديثة العهد والقتلة ينتمون إلى قبائل ولهم صلات بأهل بعض الأمصار، فإذا فعل ذلك اشتعلت الفتنة أكثر، فلا بد من إطفاء النيران حتى تتوضح الأمور للناس وعندها يمكن القصاص من قتلة عثمان دون إثارة أية ضجة؛ ولذلك أرسل عمارًا والحسن إلى الكوفة يوضحان لأهل الكوفة والمجاهدين فيها وأعيان البلد أن الواجب هو طاعة الإمام الأعظم فيما يقوم به من سياسة شرعية وأن عليهم أن يطيعوا ولي الأمر، وأن طاعة الخليفة تُقدم في هذه الحالة على طاعة السيدة عائشة على جلالة قدرها فإنها اجتهدت في موقفها هذا، وقرار علي أصوب، فقد أخرج البخاري في صحيحه عن أبي وائل قال: (لما بعث علي عمارًا والحسن إلى الكوفة ليستنفرهم؛ خطب =