الخليفة المجاهد أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه - (٤١ - ٦٠) هـ
١٨ فقرة، ج ٤ ص ٤١
- ج ٤ ص ٤١
١٥ م- حدّثني عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني سليمان، قال: حدّثني عبد الله، عن مَعمَر، عن همّام بن منبّه، قال: سمعت ابن عبّاس يقول: ما رأيت أحدًا أخلقَ للمُلك من معاوية، إن كان ليردُ الناس منه على أرجاءِ وادٍ رحْب، ولم يكن كالضّيق الخُضْخض، الحصِر -يعني ابن الزُّبَيْر (١) . (٥: ٣٣٧) .
- (١)إسناده صحيح وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (ح ٢٠٩٨٥) والخبر أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٧/ ٣٢٧) من طريق همام بن منبه قال: سمعت ابن عباس دون زيادة (ابن الزبير) ولعل هذه الزيادة مدرجة من أحد الرواة والله أعلم. الخليفة المجاهد أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه - (٤١ - ٦٠) هـ لقد أمرنا ربنا سبحانه وتعالى بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا}، وأمرنا سبحانه أن نتعظ وننتفع من تأريخ السالفين الغابرين فللتأريخ البشري سنن لا نتخلف عنها مصداقًا لقوله تعالى: {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} وقد وضّح القرآن الكريم عديدًا من السنن التأريخية لا مجال لذكرها هنا ولكنا نريد أن نقول ردًّا على أستاذ للتأريخ معروف قال في إحدى المؤتمرات المفتوحة: إننا نحن المسلمون نكتب أو نقرأ أحيانًا تأريخنا كما نريد لا كما هو، فنقول: أولًا هذا هو ميزان السند وماله من ضوابط نستطيع أن نميز به مبدئيًا بين الغث والسمين بين الواقعة التأريخية كما هي وبين زيادة الضعفاء وافتراء الكذابين وتحريف المبتدعة الغالين. وبالإضافة إلى السند فلمتن الرواية التأريخية قواعد أخرى لا تخفى على الناقد البصير. ونحن في تحقيقنا هذا بعد أن ميّزنا الرواية التأريخية الصحيحة السند عن ضعيفها وجدنا أن المتن المنكر لا بد له من سند منكر يتكئ عليه أو على الأقل سند شديد الضعف لا ينجبر ضعفه، ولقد تبيّن لنا في تحقيقنا لعهد الخلفاء الراشدين أن لا مطعن (على سيرة الخلفاء الأربعة) يستند إلى دليل تأريخي صحيح - وناقشنا التفاصيل في حينها- وأما بالنسبة لحكم الصحابي الجليل معاوية - رضي الله عنه - فبعد فرزنا للروايات التأريخية الصحيحة (ونسأل الله أن قد وفقنا في ذلك) نقول: لقد اجتهد معاوية - رضي الله عنه - بصفته إمامًا أجمع المسلمون على بيعته بعد صلحه مع الحسن نقول اجتهد فأصاب في مرات عديدة ولم يصب في مرتين نسأل الله أن يرزقه أجر الاجتهاد ويغفر له ويرحمه. أما الأولى: التي اجتهد فيها ولم يصب فهو اشتراطه أن لا يبايع أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه - حتى يقيم القصاص من قتلة سيدنا عثمان - رضي الله عنه - وكان يتأول بذلك قوله تعالى: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا} ولكنه لم يصب في اجتهاده هذا فلم يصب في = = خروجه على طاعة الإمام الأعظم فكان أمير المؤمنين علي أولى بتفسير الآية فهو ولي أمر عثمان قبل معاوية، ولكن اجتهاده هذا وخروجه ذلك لا يطعن في عدالته كصحابي وهذا هو مذهب أئمة أهل السنة والجماعة سلفًا وخلفًا. عليه الصحابة من خروجه على الإمام وغير ذلك- وكما قال المسور: (فلم أدع شيئًا أعيبه عليه إلا أخبرته به، فقال: لا تبرأ من الذنوب فهل لك من ذنوب تخاف أن تهلك إن لم يغفرها الله لك؟ قال: قلت نعم إن لي ذنوبًا إن لم يغفرها هلكت بسببها، قال فما الذي يجعلك أحق بأن ترجو أنت المغفرة مني فوالله لما إليّ من إصلاح الرعايا وإقامة الحدود والإصلاح بين الناس والجهاد في سبيل الله والأمور العظام لا يحصيها إلا الله ولا نحصيها أكثر مما نذكر من العيوب والذنوب وإني لعلى دين يقبل الله فيه الحسنات ويعفو عن السيئات والله على ذلك ما كنت لأخيّر بين الله وغيره إلا اخترت الله على غيره مما سواه قال: (أي المسور بين مخرمة) ففكرت حين قال لي ما قال فعرفت أنه قد خصمني قال: فكان المسور إذا ذكره بعد ذلك دعا له بخير). والحديث أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة - ورجاله رجال الصحيح (البداية والنهاية ٨/ ١٣٦). وقال ابن كثير: وقد رواه شعيب عن الزهري عن عروة عن المسور بنحوه. قلنا: وأخرجه ابن عساكر كذلك من حديث سعد بن أبي وقاص قال: قدم المسور وافدًا على معاوية ... إلخ (مختصر تأريخ دمشق / ترجمة معاوية / ٤٧). وكذب من قال من المستشرقين بأن معاوية - رضي الله عنه - خرج على أمير المؤمنين علي لأنه ينافسه على السلطة أو لأنه لا يحبه وغير ذلك من الأسباب الواهية وقد ذكرنا في خلاصة القول في وقعة صفين أن معاوية كان يقرّ بأحقية خلافة سيدنا علي ويرى عليًّا خيرًا وأفضل من سابقه ولكن اشتراط القصاص من قتلة عثمان قبل أن يبايع لعلي وكان ذلك منه اجتهادًا وإلا فهو يعلم فضل عليٍّ في العلم والحزم والإدارة والسبق إلى الإسلام. وغير ذلك وقد كررنا مرارًا رواية أبي مسلم الخولاني عندما قال لمعاوية: أنت تنازع عليًّا أم أنت مثله؟ فقال: إني لأعلم أنه خير مني وأفضل وأحق بالأمر مني ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلومًا وأنا ابن عمه وأنا أطلب بدمه ... الخبر) (سير أعلام النبلاء ٣/ ١٤٠) و (البداية والنهاية ٨/ ١٢٩) ورجاله ثقات. ونزيد هنا رواية أخرى أخرجها ابن عساكر في تأريخ دمشق (ترجمة معاوية) عن قيس بن أبي حازم قال: جاء رجل إلى معاوية فسأله عن مسألة فقال: سل عنها علي بن أبي طالب فهو أعلم- قال أريد جوابك ... الخبر) وفيه ما يدل على غضب معاوية من كلام الرجل إذ تتمة الخبر كالآتي: (قال ويحك لقد كرهت رجلًا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يغرّه بالعلم غرًا ولقد قال له أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي من بعدي -ولقد كان عمر بن الخطاب يسأله فيأخذ عنه = = وعدلٍ وصفح وعفوٍ. [البداية والنهاية (٦/ ٣١٥)]. قلنا: لقد نعمت الأمة خلال عقدين من الزمان (٤١ - ٦٠ هـ) بالأمن والأمان والجهاد قائم كما قال ابن كثير والمسلمون وأهل الذمة في راحة وعدل وصفح وعفو ولقد جعل الله لذلك الأمن والعفو والعدل سببين (بقدره سبحانه) الأول تسامح الإمام الحسن بن علي وزهده في الدنيا وإيثاره المصلحة العامة للأمة على ما سواها واختيار ما عند الله من الجزاء الكبير على عرض الدنيا الزائل فاصطلح مع معاوية - رضي الله عنهما - فضم بذلك الشق الآخر من الأمة إلى الشق الذي كان في صف معاوية فبايعت الأمة لمعاوية وأجمعت على ذلك وجمعها الله على كلمة سواء فسمي ذلك العام بعام الجماعة. والسبب الثاني: هو ما وهبه الله من صفات قيادية لسيدنا معاوية كالحكمة ورحابة الصدر ورجاحة العقل وبعد النظر وتضلع في العلم الشرعي وأصول السياسة الشرعية وذكرنا في وقته كيف أن سيدنا معاوية انتفع بكلمات قالها له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا معاوية إذا ملكت فأحسن".
- ج ٤ ص ٤٢
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- ج ٤ ص ٤٣
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = وكان إذا أشكل على عمر شيء قال: ها هنا علي، قم لا أقام الله رجليك، ومحا اسمه من الديوان فبلغ ذلك عليًّا. فقال جزاه الله خيرًا، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأذني وإلا صُمّتا يقول له: "أنت يا معاوية أحد أمناء الله، اللهم علمه الكتاب ومكن له في البلاد". (مختصر تأريخ دمشق لابن منظور / ترجمة معاوية / ٦). فلنا: ولم نحصل على الجزء الأصلي من تأريخ دمشق (قبل اختصاره) والذي يحتوي على هذا الخبر كي نتحقق من سنده هل صحَّ أم لا؟ علمًا بأن والله أعلم. وأخرج ابن عساكر أيضًا عن المغيرة قوله: لما جاء قتل علي إلى معاوية جعل يبكي ويسترجع فقالت له امرأته: تبكي عليه وقد كنت تقاتله. فقال لها ويحك؛ إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم. (مختصر تأريخ دمشق / ترجمة معاوية / ٣٩). ولقد سردنا هذه الروايات لنبين أن معاوية - رضي الله عنه - ما كان يقاتل عليًّا منافسة على السلطة ولا جهلًا ولا إنكارًا لفضله وعلمه ولا بغضًا له وإنما وقف معاوية موقفه هذا اجتهادًا منه وظنًا منه أن موقفه صواب وعمل بالآي الكريم في حق ولي المقتول في الطلب بدم القتيل وكما أخرج الطبري (٥/ ٣٣٢) عن أبي بردة حين دخل على معاوية وفيه: (فإن أباه كان لي خليلًا أو نحو ذلك من القول غير أني رأيت في القتال ما لم يره). وإسناده صحيح. قال ابن عباس: كنتُ جالسًا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - وعنده أبو بكر وعمر وعثمان ومعاوية إذْ أقبل عليُّ بن أبي طالب فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لمعاوية: أتحبُّ عليًّا يا معاوية؟ فقال معاوية. إي والله الذي لا إله إلا هو إني لأحبُّه في الله حُبًّا شديدًا. فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: إنها ستكونُ بينكم هنيهة. قال معاوية: ما يكونَ بعد ذلك يا رسول الله؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: عَفُوُ الله ورضوانُه، والدخول إلى الجنة. قال معاوية: رضينا بقضاء الله، فعند ذلك نزلَتْ هذه الآية: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} [البقرة: ٢٥٣]. والروايات في اعتراف معاوية بأفضلية علي كثيرة منها خاصة في فضل علي ومنها عامة في فضائل علي وبقية الخلفاء الراشدين من قبله كما ذكر الذهبي رواية المدائني عن أبي عبيد الله عن عبادة بن نُسي: قال خطبنا معاوية فقال: إن من زرع قد استحصد، وقد طالت إمرتي عليكم حتى مللتكم ومللتموني، ولا يأتيكم بعدي خيرٌ مني كما أن من كان قبلي خيرٌ مني، اللهم قد أحببت لقاءك، فأحبب لقائي - (تأريخ الإسلام / عهد معاوية / ٣١٦) وهو عند البلاذري (أنساب الأشراف ٤/ ١ / ح ١٦٢) من طريق سعيد بن عامر الخزرجي عن عبادة بن نسي قال: خطب معاوية فقال: "إني كزرع مستحصد، وقد طالت إمرتي عليكم حتى مللتكم ومللتموني وتمنيت فراقكم وتمنيتم فراقي، ولن يأتيكم بعدي إلّا من أنا خير منه كما أن من =
- ج ٤ ص ٤٤
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = كان قبلي كان خيرًا مني، وقد قيل من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، اللهم إني أحببت لقاءك فأحبّ لقائي وبارك لي فيه". وقال الحافظ ابن كثير: قال ابن أبي الدنيا حدثني هارون بن سفيان عن عبد الله السهمي حدثني ثمامة بن كلثوم أن آخر خطبة خطبها معاوية أن قال: "أيها الناس إن من زرع قد استحصد وإني قد وليتكم ولن يليكم أحد بعدي خيرٌ مني، وإنما يليكم من هو شرٌ مني، كما كان من وليكم قبلي خيرٌ مني ... الخبر" (البداية والنهاية ٨/ ١٤٤). وكما قال الحافظ المحدث والمفسر والمؤرخ ابن كثير رحمه الله: "ثم ما كان بينه وبين علي بعد قتل عثمان على سبيل الاجتهاد والرأي فجرى بينهما قتال عظيمٍ كما قدمنا وكان الحق والصواب مع علي ومعاوية معذور عند جمهور العلماء سلفًا وخلفًا وقد شهدت الأحاديث الصحيحة بالإسلام للفريقين من الطرفين - أهل العراق وأهل الشام -كما ثبت في الحديث الصحيح "تمرق مارقة على خير فرقة من المسلمين فيقتلها أدنى الطائفتين إلى الحق" البداية والنهاية (٨/ ١٢٩). قلنا: وهذا يعني أن عليًّا والمصلحين من جيشه هم أقرب إلى الحق والصواب في موقفهم، أما معاوية فاجتهد فلم يصب في اجتهاده - ولم يكن سيدنا معاوية فيما بعد مصرًا على صواب اجتهاده بل كان يرى أنه لم يوافق كثيرًا من الصحابة في موقفهم وإن كان أخطأ في اجتهاده فهو يرجو ربه الكريم العفو الحليم -كما أخرج الطبري (٥/ ٣٣٢) من حديث حميد بن هلال عن أبي بردة قال: دخلت على معاوية حيث أصابته قرحته ... الخبر وفي آخره - إن وليت من أمر الناس شيئًا فاستوص بهذا، فإن أباه كان لي خليلًا غير أني رأيت في القتال ما لم يره، وإسناده صحيح -كما بيّنا-. وكما جاء في حديث المسور بن مخرمة عندما دخل على معاوية وانتقده بما أخذ. ثانيًا: واجتهد معاوية - رضي الله عنه - كإمام للمسلمين فاختار ابنه يزيد خلفًا له في حكم المسلمين. ولقد كان تولي يزيد الحكم خطوة مغايرة لما عرفه الناس في عهد الخلافة الراشدة - صحيح أن الناس قد بايعوا الحسن بن علي من بعد استشهاد والده - رضي الله عنهما - إلَّا أن سيدنا علي لم يدع الناس إلى بيعة ابنه الحسن من بعده. ولقد اجتهد الإمام معاوية واجتهاده ذو شقين أصاب في شقه الأول وأخطأ في شقه الثاني، فقد خشي سيدنا معاوية على الأمة أن تمزقها الفرقة والفتنة إن لم تكن اصطلحت على خليفة من بعده وكان يرى ابنه من بين بقية أبناء الصحابة أجدر الناس بسياسة الأمور وإدارة الحكم وإن لم يكن أفضلهم علمًا وأورعهم وكان يرى في تولية يزيد ضمانًا للأمن والاستقرار والهدوء السياسي الذي دام عقدين من الزمان في ظل حكم أمير المؤمنين معاوية - رضي الله عنه - =
- ج ٤ ص ٤٥
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = فسيدنا معاوية كان على حق وصواب عندما أيقن بضرورة اجتماع الأمة على خليفة من بعده، ولكنه لم يصب - رضي الله عنه - في اختياره ليزيد. وأما عاطفة الأبوة فلا ننفي ولا نثبت بل نسكت عن هذه المسألة ولم نهتد فيها إلى الراجح، ولا نقول أكثر من هذا في حق صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكاتب وحيه والخليفة الذي أجمعت الأمة على بيعته حتى سمّي ذلك العام بعام الجماعة. وللعلامة ابن خلدون كلام نفيس رحمه الله في هذه المسألة إذ يقول: والذي دعا معاوية لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون من سواه إنما هو مراعاة المصلحة العامة في اجتماع الناس واتفاق أهوائهم باتفاق أهل الحل والعقد عليه حينئذ. وقال أيضًا: وعدل عن الفاضل إلى المفضول حرصًا على الاتفاق واجتماع الأهواء الذي شأنه أهم عند الشارع وإن كان الظن بمعاوية غير هذا فعدالته وصحبته مانعة من سوى ذلك وحضور أكابر الصحابة لذلك وسكوتهم عنه دليل على انتفاء الريب فيه فليسوا ممن يأخذهم في الحق هوادة، وليس معاوية ممن تأخذه العزة في قبول الحق فإنهم كلهم أجلُّ من ذلك وعدالتهم مانعة منه. [المقدمة / ٢١٠]. ويبدو أن عددًا من الصحابة رفضوا -بداية الأمر- تولية يزيد من بعد أبيه ولكن عددهم تقلّص حتى صاروا على عدد الأصابع ولكنهم من أهل الحل والعقد يومئذٍ، ولقد كثرت الروايات المكذوبة والمزيفة التي تتحدث عن تفاصيل ما جرى بينهم وبين معاوية - رضي الله عنهم - أجمعين. ولم نجد فيها رواية صحيحة تصلح للاحتجاج بها سوى ما أخرجه أبو نعيم عن القاسم بن محمد بن أبي بكر "أن معاوية أخبر أن عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن الزبير خرجوا من المدينة عائذين بالكعبة من بيعة يزيد بن معاوية قال: فلما قدم معاوية وسأله عن الأحوال ولم يعرض بشيء من الأمر الذي بلغه، ثم لقي عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر فتفاوضا معه في أمر يزيد ثم دعا معاوية بن الزبير، فقال له: هذا صنيعك أنت، استزللت هذين الرجلين وسننت هذا الأمر، وإنما أنت ثعلب روّاغ لا تخرج من جحر إلا دخلت في آخر. فقال ابن الزبير: ليس بي شقاق ولكن أكره أن أبايع رجلين أيكما نطيع بعد أن أعطيكما العهود والمواثيق؟ فإن كنت حللت الأمارة فبايع ليزيد فنحن نبايعه معك، فقام معاوية حين أبوا عليه، فقال: ألا إن حديث الناس ذات غور وقد كان بلغني عن هؤلاء الرهط أحاديث وجدتها كذبًا وقد سمعوا وأطاعوا ودخلوا في صلح ما دخلت فيه الأمة" [حلية الأولياء (/ ٣٣٠)]. قلنا: ورجال إسناد أبي نعيم ثقات والله أعلم. وسنفصل في مسألة البيعة ليزيد بولاية العهد عند حديثنا عن عهد يزيد [٦٠ - ٦٤] هـ إن شاء الله تعالى. =
- ج ٤ ص ٤٦
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = والآن فهذه الصورة الحقيقية المشرقة لشخصية وسلوك أمير المؤمنين معاوية- بعيدًا عن تشويه المبتدعة والضعفاء والساقطين - في ميزان الجرح والتعديل - مع شيء من مناقبه. ١ - وأما عن مناقبه فيكفيه - رضي الله عنه - منقبة ومفخرة وذخرًا ما أخرجه البخاري في صحيحه عن عمير بن الأسود العنسي أنه أتى عبادة بن الصامت وهو نازل في ساحة حمص وهو في بناء له ومعه أم حرام، قال عمير فحدثتنا أم حرام أنها سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا .... الحديث" (فتح الباري ٦/ ١٢٠). ٢ - ولقد ثبت أن دعا له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعاءً طيبًا مباركًا فقال عليه الصلاة والسلام لمعاوية: "اللهم علّمه الكتاب والحساب وقه العذاب". وقال الذهبي: هذا الحديث رواته ثقات (عهد معاوية / ٣٠٩) والحديث أخرجه الترمذي في سننه (كتاب المناقب / ٣٨٤) وحسّنه وأخرجه أحمد (٤/ ٢١٦). وأخرجه البلاذري من وجه آخر عن عقبة بن رويم اللخمي ولفظه: دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمعاوية فقال: "اللهم أهده واهدِ به وعلمه الكتاب والحساب وقه العذاب". (أنساب الأشراف ٤/ ١ / ح ٣٦٤). ونقل ابن كثير قول ابن عساكر: وأصح ما روي في فضل معاوية حديث أبي جمرة عن ابن عباس "أنه كان كاتب النبي - صلى الله عليه وسلم - منذ أسلم" أخرجه مسلم في صحيحه، وبعده حديث العرباض: "اللهم علم معاوية الكتاب" وبعده حديث ابن أبي عميرة "اللهم اجعله هاديًا مهديًا" قلت (ابن كثير): وقد قال البخاري في كتاب المناقب (ذكر معاوية بن أبي سفيان): حدثنا الحسن بن بشر ثنا المعافر عن عثمان بن الأسود عن ابن أبي مليكة قال: أوتر معاوية بعد العشاء بركعة وعنده مولى لابن عباس، فأتى ابن عباس فقال أوتر معاوية بعد العشاء بركعة فقال: دعه فإنه صحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حدثنا ابن أبي مريم ثنا نافع بن عمر ابن أبي مليكة قال: قيل لابن عباس هل لك في أمير المؤمنين معاوية؟ ما أوتر إلّا بواحدة قال: أصاب إنه فقيه. (البداية والنهاية ٨/ ١٣٥). ٣ - ومن مناقبه الأخرى كما ذكره الحافظ ابن كثير قال: وقال الإمام أحمد: حدثنا روح ثنا أبو أمية عمرو بن يحيى بن سعيد قال: سمعت جدي يحدث أن معاوية أخذ الإدواة بعد أبي هريرة فتبع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بها -وكان أبو هريرة قد اشتكى- فبينما هو يوضِّئ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ رفع رأسه إليه مرة أو مرتين وهو يتوضأ فقال: يا معاوية إن وليت أمرًا فاتق الله واعدل. قال معاوية: فما زلت أظن أني سأبتلى بعمل لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى ابتليت". تفرد به أحمد. ورواه أبو بكر بن أبي الدنيا عن أبي إسحاق الهمداني سعيد بن زنبور بن ثابت عن عمرو بن يحيى بن سعيد. ورواه ابن مندة من حديث بشر بن الحكم عن عمرو بن يحيى به وقال أبو يعلى: حدثنا سويد بن سعيد ثنا عمرو بن يحيى بن سعيد عن جده عن معاوية قال: اتبعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بوضوء. فلما توضأ نظر إليّ فقال: يا معاوية إن وليت أمرًا فاتق الله واعدل، =
- ج ٤ ص ٤٧
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = فما زلت أظن أني مبتلى بعمل حتى وليت، ورواه غالب القطان عن الحسن قال سمعت معاوية يخطب وهو يقول: صببت يومًا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وضوءه فرفع رأسه إليّ فقال: "أما إنك ستلي أمر أمتي بعدي، فإذا كان ذلك فاقبل من محسنهم وتجاوز عن مسيئهم، قال: فما زلت أرجو حتى قمت مقامي هذا". وروى البيهقي عن الحاكم بسنده إلى إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر عن عبد الملك بن عمير قال: قال معاوية: والله ما حملني على الخلافة إلا قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "إن ملكت فأحسن" قال البيهقي: إسماعيل بن إبراهيم هذا ضعيف، إلّا أن للحديث شواهد. (البداية والنهاية ٨/ ١٢٦). ٤ - والعجيب أن الدكتور يوسف العش الذي شغل مناصب منها عمادة كلية الشريعة بدمشق (وأستاذ التأريخ كذلك) فقد ألّف كتابًا قيّمًا بعنوان (الدولة الأموية) واعتمد في أحداث الفتنة على الروايات الصحيحة بعد تمحيصها من الروايات الضعيفة وأجاد في مواضع كثيرة في الكتاب إلّا أنه أخْفق في تقييمه لبعض جوانب شخصية معاوية - رضي الله عنه - إذ قال: إن مهمة الخلافة عند معاوية هي صيانة الأمة وإدارتها وتوطيد الحكم فيها أكثر منها توثيق الأحكام الفقهية وإدخال تلك الأحكام في حياة الأفراد والإشراف عليها في أعمالهم الجزئية، الخلافة في نظره تخدم الفكرة الإسلامية عامة لا الأحكام الشرعية خاصة" (الدولة الأموية / ١٤٠). ويقول الأستاذ يوسف العش رحمه الله "غاية الحكم عند معاوية هي رفع مستوى الأمة بإجمالها لا تحقيق العدالة الفردية، وهو قد يتساهل في بعض الأحكام التفصيلية أمام المصلحة العامة، ومنذ عصر معاوية نرى قاعدة في الحكم الإسلامي هي تقديم مصلحة الدولة عامة على تفاصيل الأحكام الفقهية وعلى مصلحة الأفراد الخاصة" (الدولة الأموية / ١٤٠). ولقد تدارك الأستاذ العش بعض ما قاله هنا فقال بعد أسطر "ولا يوجد في الواقع اختلاف بين تلك المصالح العليا وبين التفاصيل الفقهية إلا في حالات معينة" (الدولة الأموية / ١٤١). وعلى أية حال فكلام الدكتور العش ذو تشعبات طويلة وبحاجة إلى نقد كبير إلا أننا نركز هنا على قوله: "إن مهمة الخلافة عند معاوية هي صيانة الأمة وإدارتها وتوطيد الحكم فيها أكثر منها توثيق الأحكام الفقهية وإدخال تلك الأحكام في حياة الأفراد والإشراف عليها في أعمالهم الجزئية" فنقول وبالله التوفيق: لا يوجد اختلاف بين المصالح العليا للأمة المسلمة وبين التفاصيل الفقهية حتى في الحالات المعينة التي قالها الدكتور العش: هذا أولًا. وثانيًا: فإن أمير المؤمنين معاوية كان مهتمًا بأصول السياسة الشرعية اهتمامًا بالغًا وفي الوقت عينه كان متتبعًا للأحكام الفقهية وحريصًا على تطبيقها في الحياة اليومية للناس وحتى إن كانت جزئية وسنبدأ بذكر الأمثلة ابتداءً من المخطوط العامة للسياسة الشرعية وانتهاءً بالأحكام الفقهية والتفاصيل الجزئية: =
- ج ٤ ص ٤٨
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = المثال الأول: أخرج ابن عساكر (مختصر تأريخ ابن عساكر لابن منظور / ترجمة معاوية / ٥٠): وعن أبي قَبِيل حُيَيّ بن هانئ: أن معاوية صَعِد المِنْبَر يوم الجمعة فقال عند خُطْبته: أيها الناس! إنَّ المال مالُنا، والفَيءَ فيئُنا، مَنْ شئنا أعطيناه، ومَنْ شئنا منعناه، فلم يُجِبْه أحد، فلما كان الجمعة الثانية قال مثل ذلك، فلم يُجِبْه أحد، فلما كانت الجمعةُ الثالثة قال مثل مقالته، فقام إليه رجلٌ ممن حضر المسجد فقال: يا معاوية! كلًّا، إنما المالُ مالُنا، والْفيءُ فيئنا، مَنْ حال بيننا وبين هؤلاء بأسيافنا، فنزل معاوية، فأرسل إلى الرجل، فأُدخل عليه قال القوم: هلك الرجل. ففتح معاوية الأبواب، فدخل الناسُ عليه، فوجدوا الرجلَ معه عليّ السرير، فقال معاوية للناس إنَّ هذا أحيانى أحياهُ الله، سمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: سيكون أئمةٌ من بعدي، يقولون فلا يُرَدُّ عليهم قولُهم، يتقاحَمُونِ في النار كما تَقَاحَمُ القِرَدَةُ، وإني تكلَّمْتُ أَوَّلَ جُمعةٍ فلم يردَّ عليَّ أحَد، فخشِيتُ أنْ أكون منهم: ثم تكلَّمتُ الثانية فلم يردَّ عليَّ أحد، فقلتُ في نفسي: إني من القوم، فتكلمتُ الجمعة الثالثة، فقام هذا الرجل فردَّ عليّ، فأحياني أحياهُ الله، فرجوتُ أن يُخرجني الله منهم، فأعطاه وأجازه. قيل: إنَّ هذا القائل لمعاوية هذا القول أبو بَحْرِيَّة عبد الله بن قيس السَّكْوني. وقد أورد الحافظ الذهبي هذه الرواية بالسند فقال: قال سويد بن سعيد ثنا قمام بن إسماعيل بالإسكندرية سمعت أبا قبيل حييّ بن هانئ يخبر عن معاوية: وصعد المنبر يوم الجمعة ... الحديث كما عند ابن عساكر). ثم قال الحافظ الذهبي: هذا حديث حسن (تأريخ الإسلام / عهد معاوية / ٣١٤). قلنا: وهذا يعني أن سيدنا معاوية - رضي الله عنه - كان يذكّر الناس وعلى منبر الجمعة بأصل التناصح والأخذ عليّ يد الحاكم وتقويمه إن خالف الشرع. المثال الثاني: أخرج أبو داود في سننه (٣/ ٣٥٧) والترمذي (٣/ ٦١٩) وأبي مريم الأسدي أنه قال لمعاوية سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من ولاه الله من أمر الناس شيئًا فاحتجب عن حاجتهم، احتجب الله عن حاجته يوم القيامة، فجعل معاوية رجلًا على حوائج الناس". وجوّد الحافظ إسناده (فتح الباري ١٣/ ١٤٣). قلنا: وهذه من اهتمامات معاوية - رضي الله عنه - بمصلحة الأفراد الخاصة واتباع الحكم الشرعي متمثلًا في أوامر الله عزَّ وجلَّ وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -. المثال الثالث: أخرج البلاذري في أنساب الأشراف (٤/ ١ / ح ١٦٣) قال: حدثنا هشام بن عمّار حدثنا إسماعيل بن عَيّاش عن صَفْوان بن عمرو عن الأزهر بن عبد الله الهَوْزَني عن أبي عامر الهَوْزني قال: حججنا مع معاوية، فلمّا قدمنا مكّة أُخبر برجل قاصٍّ يقصّ على أهل مكّة، وكان مولى لبني مخزوم، فقال له معاوية: أُمرتَ بالقصص؟ فقال: =
- ج ٤ ص ٤٩
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = لا، قال: فما حملك على أنْ تقصّ بغير إذْن؟ قال: إنّما ننشر علمًا علّمناه الله، قال: لو كنتُ تقدّمتُ إليك لقطعتُ طابقًا منك. قلنا: وصفوان بن عمر وأبو عامر الهوزني ثقتان وبقية رجال الإسناد لا تنزل مرتبتهم عن الصدوق وإسماعيل بن عياش صدوق في روايته عن أهل بلده، وهو حمصي وشيخه الذي روى عنه هنا هو صفوان وهو حمصي أيضًا فالإسناد حسن إن شاء الله تعالى- وهذا يعني أن معاوية كان مهتمًا بالتفاصيل الفقهية وكان حريصًا على إدخالها في حياة الناس خلاف ما قاله الأستاذ العش. المثال الرابع: أخرج البخاري في صحيحه عن حمران بن أبان عن معاوية - رضي الله عنه - أنه قال: "إنكم لتصلون صلاة لقد صحبنا النبي - صلى الله عليه وسلم - فما رأيناه يصليها ولقد نهى عنهما، يعني الركعتين بعد العصر" (فتح الباري ٧/ ١٣٠). وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٣٠٢) عن أبي سلمة قال: إن معاوية قال وهو على المنبر لكثير ابن الصلت: اذهب إلى عائشة فاسألها فقال أبو سلمة فقمت معه، وقال ابن عباس لعبد الله بن الحارث: "اذهب معه، فجئناها فسألناها" وصحح الحافظ إسناده (فتح الباري ٣/ ١٢٧) وهذا يعني أن معاوية - رضي الله عنه - كان مهتمًا بتفاصيل الأحكام الفقهية في مختلف المجالات ويزيدنا إيضاحًا المثال الخامس. المثال الخامس: أخرج البخاري في صحيحه عن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنهما - يوم عاشوراء عام حج على المنبر يقول: يا أهل المدينة أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب عليكم صيامه، وأنا صائم فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر. (فتح الباري ٤/ ٢٨٧). المثال السادس: أخرج البخاري في صحيحه عن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية بن أبي سفيان (عام حج) على المنبر فتناول قصة من شعر وكانت في يد حرسي فقال: يا أهل المدينة: أين علماؤكم؟ سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن مثل هذه ويقول: إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم. (فتح الباري ٦/ ٥٩١). وفي رواية أخرى عن سعيد بن المسيب "قدم معاوية بن أبي سفيان المدينة آخر قدمة قدمها فخطبنا، فأخرج كبة من شعر فقال: ما كنت أرى أن أحدًا يفعل هذا غير اليهود، وإن النبي - صلى الله عليه وسلم - سماه الزور، يعني الوصال في الشعر" (فتح الباري ٦/ ٥٩٥). وهذا اهتمام من سيدنا معاوية بأسلمة الحياة اليومية العادية حتى لو كان متعلقًا بالحياة الأسرية الخاصة. المثال السابع: أخرج البخاري في صحيحه (فتح الباري ١١/ ٣٩٨) عن الشعبي حدثني كاتب المغيرة بن شعبة قال: كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة أن اكتب إليّ بشيء سمعته من =
- ج ٤ ص ٥٠
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = النبي - صلى الله عليه وسلم - فكتب إليه سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إن الله كره لكم ثلاثًا: قيل وقال؛ وإضاعة المال وكثرة السؤال". المثال الثامن: أخرج البخاري في صحيحه عن وارد مولى المغيرة بن شعبة قال: كتب معاوية إلى المغيرة: اكتب إليّ ما سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: خلف كل صلاة، فأملى على المغيرة قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: خلف الصلاة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد. وقال ابن جريج: أخبرني عدة أن واردًا أخبره بهذا، ثم وفدت بعد إلى معاوية فسمعته يأمر الناس بذلك القول (فتح الباري ١١/ ٥٢١). المثال التاسع: أخرج البخاري عن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية يحدث رهطًا من قريش بالمدينة وذكر كعب الأحبار فقال: إن كان من أصدق هؤلاء الذين يحدثون عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب (فتح الباري ١٣/ ٣٤٥). المثال العاشر: قال الحافظ ابن كثير: روى أبو القاسم البغوي عن سويد بن سعيد عن همام بن إسماعيل عن أبي قبيل قال: كان معاوية يبعث رجلًا يقال له أبو الجيش في كل يوم فيدور على المجالس - يسأل هل ولد لأحد مولود؟ أو قدم أحد من الوفود؟ فإذا أخبر بذلك أثبت في الديوان -يعني ليجري الرزق (البداية والنهاية ٨/ ١٣٧). والأمثلة كثيرة ولا نريد أن نطيل في ذكرها ولكننا ذكرناها في معرض نقدنا وردّنا على تقييم الدكتور العش رحمه الله لبعض جوانب شخصية معاوية ومنهجه في الحكم - وهذا لا يعني أننا وضعنا الدكتور يوسف العش في صف أعداء التأريخ الإسلامي، كلا فالرجل حاول أن يتجنب الروايات الضعيفة والمختلفة في تحليل أحداث الفتنة أيام عثمان - رضي الله عنه - واكتفى بالاحتجاج بالروايات الصحيحة وأبدى تحليلًا قيمًا في غير موضع من كتابه ولعلنا لا نلومه رحمه الله فيما أخطأ فيه وذلك للسبب الآتي: إن توارث الروايات الضعيفة لقرون طويلة دون تقسيمها إلى شطرين صحيح وضعيف وتداولها في الكتب التأريخية المتعاقبة ثم العمل الخطير الذي قام به المستشرقون في بداية القرن العشرين الميلادي عندما جاؤوا بصفة مستشارين في وزارة المعارف في مختلف البلدان العربية (إبان الاستعمار البريطاني والفرنسي وغيرهما) وقيامهم بالإشراف على تأليف كتب التأريخ من ثم اعتماد الروايات الموضوعة والضعيفة جدًّا لكتابة التأريخ الإسلامي ومن تربَّى على تلك الكتب أجيال وأجيال أقول مع كل تلك التراكمات تكونت في أذهاننا صورة خاطئة عن الحكم الإسلامي طول تأريخنا الطويل ومن تلك الصور تلك الصورة المشوهة لسيدنا معاوية - رضي الله عنه -، ولو رجعنا ولو مرة واحدة إلى صحيح البخاري ومسلم وغيرهما من الصحاح والسنن والمسانيد والمستدركات لتغيّرت الصورة تمامًا في أذهاننا فهذه الكتب =
- ج ٤ ص ٥١
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = تختلف عن كتب الأخباريين الذين يجمعون في كتبهم بين الضعيف والصحيح والغث والسمين، والحمد لله على نعمة الإسناد. ٥ - لقد أعطتنا الروايات التي اختلقها المبتدعة والكذابون كأبي مخنف والواقدي وغيرهما صورة وهمية تبيّن لنا أن معاوية - رضي الله عنه - كان يرفل بالنعيم ويلبس كذا ويأكل كذا ويمشي كذا ... إلخ ما تصوره لنا الروايات الواهية وتزيد عليها أقلام الكتاب المعاصرين المتغربين من مسلمين ونصارى ممن أطلقوا العنان لأقلامهم فصوّروا في كتبهم ومقالاتهم سيدنا معاوية رجلًا يلبس الملابس المرصعة باللؤلؤ والمرجان ويمشي في الناس في موكب مهيب ويجلس على كرسي ملكي فخم مفخم ... إلخ. ونحن نقول: إن كان معاوية - رضي الله عنه - قد اهتم ببناء دار الخلافة على طراز جديد فقد كان له مبرره "إني في بلاد لا يمتنع فيها من جواسيس العدو، ولابدّ لهم مما يرهبهم من آلة السلطان". ولم نجد رواية صحيحة السند تحكي عن ترف معاوية - رضي الله عنه - في البناء والملبس والمركب لذلك أعرضنا عنها ويبدو لنا والله أعلم أن معاوية كان يهتم ببعض الشكليات المتعلقة بدار الخلافة إظهارًا لهيبة المسلمين أمام الروم المتاخمين للشام في الحدود الشمالية والذين لا يفهمون إلّا ظاهرًا من الحياة الدنيا ولكن معاوية - رضي الله عنه - لم يكن ليهتم بتلك الشكليات حين ينزل إلى السوق يختلط بالناس وحين يذهب إلى المسجد أو إلى الحج وما إلى ذلك ولم نجد رواية صحيحة تذكر عن موكب معاوية وخدمه وحشمه. أخرج ابن عساكر عن يونس بن حلبس قال: رأيت معاوية في سوق دمشق على بغلة له، وخلفه وصيف قد أردفه، عليه قميص مرقوع الجيب وهو يسير في أسواق دمشق (مختصر تأريخ دمشق لابن منظور / ٥٣٠) وإسناده كما ذكره الحافظ ابن كثير قال: وقال هشام بن عمار عن عمرو بن واقد عن يونس بن ميسرة بن حلبس به (البداية والنهاية ٨/ ١٣٧) وهذا إسناد ضعيف والله تعالى أعلم. وأخرج البلاذري في أنساب الأشراف (٤/ ١ / ح ٢٠٣) حدثني هشام بن عمار حدثنا الوليد بن مسلم عن مروان بن جناح قال: قال عمرو بن العاص وذكر معاوية وهو بمصر: إن إمامكم ممن سهّل الله خليقته، وقوّم طريقته، وأحسن صيغته، فمن كانت النعمة تُبطره، إنها لتذلله وتوصره". قلنا: وأما شيخ البلاذري (هشام بن عمار) فصدوق، وأما الوليد بن مسلم فثقة، وأما مروان بن جناح فلا بأس به والله أعلم. ٦ - ومع كل ما ذكرنا من روايات في البخاري وغيره تدل على تواضع معاوية للعلماء وسماعه لنصيحتهم فلا زالت تراكمات القرون الطويلة تحجب الرؤية الواضحة لمكانة أمير المؤمنين معاوية - رضي الله عنه - وأرضاه كيف لا وهو صاحب رسول الله وكاتب الوحي عنده ولعلّ هذه =
- ج ٤ ص ٥٢
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = الرواية تزيدنا علمًا بخلق معاوية الرفيع وأدبه الجم وسلوكه النبيل فقد قال الحافظ ابن كثير: قال الزهري حدثني القاسم بن محمد أن معاوية حين قدم المدينة يريد الحج دخل على عائشة فكلمها خاليين لم يشهد كلامهما أحد إلا ذكوان أبو عمرو مولى عائشة ... الخبر وفيه: "فلما قضى معاوية كلامه معها تشهدت عائشة ثم ذكرت ما بعث الله به نبيه - صلى الله عليه وسلم - من الهدى ودين الحق والذي سن الخلفاء بعده وحضت معاوية على العدل واتباع أثرهم، فقالت في ذلك فلم تترك له عذرًا، فلما قضت مقالتها قال لها معاوية: أنت والله العالمة العاملة بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، الناصحة المشفقة البليغة الموعظة، حضضت على الخير، وأمرت به، ولم تأمرينا إلا بالذي هو لنا مصلحة، وأنت أهل أن تطاعي، وتكلمت هي ومعاوية كلامًا كثيرًا فلما قام معاوية اتكأ على ذكوان وقال: والله ما سمعت خطيبًا ليس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبلغ من عائشة (البداية والنهاية ٨/ ١٣٤). ٧ - حلم معاوية وسعة صدره وصبره على من طعن فيه وأغلظ له. قال الحافظ الذهبي: وكان يضرب المثل بحلم معاوية، وقد أفرد ابن أبي الدنيا وأبو بكر بن أبي عاصم تصنيفًا في حلم معاوية (تأريخ الإسلام / عهد معاوية / ١٣٥). وأخرج ابن عساكر في تأريخ دمشق (١٦/ ٣٦٧ / أ) عن قبيصة بن جابر قال: صحبت معاوية فما رأيت رجلًا أثقل حلمًا ولا أبطأ جهلًا، ولا أبعد أناة منه. وأخيرًا فلنتعرف على رأي إمامين كبيرين من أئمة السلف وهما: (الإمام الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز التنوخي) وكلاهما من أعلم الناس بأهل الشام: فقد أجادا وأوجزا وأبلغا في مقالهما-. أخرج أبو زرعة الدمشقي عن دحيم عن الوليد عن الأوزاعي قال: أدركت خلافة معاوية وعدة من الصحابة منهم أسامة وسعد وجابر وابن عمر وزيد بن ثابت وسلمة بن مخلد وأبو سعيد ورافع بن خديج وأبو أمامة وأنس بن مالك، ورجال أكثر وأطيب ممن سمينا بأضعاف مضاعفة، كانوا مصابيح الهدى، وأوعية العلم حضروا من الكتاب تنزيله، ومن الدين جديده، وعرفوا من الإسلام ما لم يعرفه غيرهم وأخذوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تأويل القرآن، ومن التابعين لهم بإحسان ما شاء الله، منهم المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث وسعيد بن المسيب وعبد الله بن محيريز، وفي أشباه لهم لم ينزعوا يدًا من جماعة من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - (البداية والنهاية ٨/ ١٣٦). وقال الحافظ ابن كثير أيضًا: وقال أبو زرعة عن دحيم عن الوليد عن سعيد بن عبد العزيز قال: لما قتل عثمان لم يكن للناس غازية تغزو، حتى كان عام الجماعة فأغزا معاوية أرض الروم ست عشرة غزوة، تذهب سرية في الصيف ويُشتوا بأرض الروم، ثم تقفل وتعقبها أخرى وكان في جملة من أغزى ابنه يزيد ومعه خلق من الصحابة، فجاز بهم الخليج وقاتلوا أهل القسطنطينية على بابها، ثم قفل بهم راجعًا إلى الشام، وكان آخر ما أوصى به معاوية =
- ج ٤ ص ٥٣
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = أن قال: شد خناق الروم (البداية والنهاية ٨/ ١٣٦). ٨ - مقتل حجر بن عدي - رضي الله عنه - في عهد سيدنا معاوية. ولعل البعض من أهل الأهواء والبدع يطعنون في حكم سيدنا معاوية وعدله ويقولون: إنه - رضي الله عنه - قتل حجرًا وأصحابه وليس له ذلك. قلنا: إذا كان جمهور أهل السنة والجماعة يرون اجتهاد الإمام علي في قتال معاوية لأنه خرج عليه اجتهادًا صائبًا، فبالطريقة نفسها وبالمكيال نفسه نقول: إن الروايات التأريخية صحيحها وضعيفها تبين أن حجرًا قد أعلن العصيان والخروج على ولي الأمر الذي أجمعت الأمة قاطبة على بيعته كما قال ابن حزم رحمه الله: ثم سلَّم الحسن الأمر إلى معاوية وفي بقايا الصحابة من هو أفضل منه بلا خلاف ممن أنفق قبل الفتح وقاتل فكلهم أولهم عن آخرهم بايع معاوية ورأى إمامته) [الفصل (٥/ ٦)]. قلنا: والشريعة التي أجازت للإمام علي أن يقاتل من بغى وخرج عليه كذلك تجيز لمعاوية أن يقاتل من خرج عليه، وحرَّض الناس على العصيان المسلح مصداقًا لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من أتاكم وأمركم جميعًا على رجل واحدٍ يريد أن يشق عصاكم أو يفرّق جماعتكم فاقتلوه" [صحيح مسلم مع شرح النووي (٢/ ٢٤٢)]. علمًا بأن سيدنا معاوية اشتهر بالحلم والصفح وهذا يعني أن حجرًا قد جاوز الحد وبلغ مبلغًا غير مأمون على وحدة الأمة فرأى معاوية في قتله ضمانًا لوحدة الأمة كما أخرج الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق من طريق الإمام أحمد بن حنبل عن عفان بن مسلم عن ابن علية عن أيوب بن كيسان عن عبد الله بن أبي مليكة قال: "لما قدم معاوية دخل على عائشة فقالت: أقتلت حجرًا؟ قال: يا أم المؤمنين إني وجدت قتل رجل في صلاح الناس خيرٌ من استحيائه في فسادهم" وهذا إسناد صحيح والله أعلم. وأخيرًا فإن سيدنا معاوية - رضي الله عنه - خليفة من الخلفاء الاثني عشر الذين أخبر عنهم - صلى الله عليه وسلم - لاعتبارات كثيرة. منها: كون الأمة قد أجمعت على بيعته فسُمّي ذلك العام عام الجماعة، ومعلوم أن إحدى روايات حديث الخلفاء الاثني عشر بلفظ: "لا يزال هذا الدين قائمًا حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم تجتمع عليه الأمة" كما في سنن أبي داود. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ويجوز تسمية من بعد الخلفاء الراشدين خلفاء وإن كانوا ملوكًا ولم يكونوا خلفاء الأنبياء، بدليل ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "كانت بنو إسرائيل يسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وإنه لا يكون نبي بعدي وستكون خلفاء فتكثر" قالوا: فما تأمرنا؟ قال: "فُوا ببيعة الأول فالأول ... " الحديث. =
- ج ٤ ص ٥٤
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = فقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فتكثر" دليل على من سوى الراشدين فإنهم لم يكونوا كثيرًا. [مجموع الفتاوى (٣٣/ ١٤)]. قلنا: ولو أضاف الإمام ابن تيمية رحمه الله دليلًا آخر لكان أحسن ألا وهو ما أخرجه البخاري في صحيحه عن جابر بن سمرة قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "يكون اثنا عشر أميرًا" فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي: إنه قال: "كلهم من قريش" [صحيح البخاري كتاب الأحكام (ح ٧٢٢٢)]. وفي رواية مسلم: "اثنا عشر خليفة" وفي رواية أبي داود في سننه "اثنا عشر خليفة كلهم تجتمع عليه الأمة". قلنا: ولقد أجمعت الأمة على بيعة أمير المؤمنين معاوية وسمي ذلك العام بعام الجماعة فكيف لا يطلق عليه اسم خليفة؟ قال المباركفوري: المراد بخلافة النبوة هي الخلافة الكاملة وهي منحصرة في الخمسة فلا يعارض الحديث "لا يزال هذا الدين قائمًا حتى يملك اثنا عشر خليفة" لأن المراد به مطلق الخليفة. [تحفة الأحوذي (٦/ ٣٩٦)]. ولقد استوقفتنا عبارات الأستاذ الفاضل محمد قطب ومنها قوله: ولقد عمل الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبد العزيز على تصحيح الأوضاع والرجوع إلى الصورة المثالية التي كانت عليها زمن الخلفاء الراشدين ... إلخ. ولا أحد يختلف مع الأستاذ محمد قطب في عدالة أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز وصلاحه وزهده ... إلخ، ولكن الذي يعاتب عليه الأستاذ محمد أنه في الوقت الذي أشاد بعامين ونصف من عهد عمر بن عبد العزيز وأثنى عليه .. فإنه لم يول ذلك الإهتمام بعقدين من الزمان من عهد أمير المؤمنين معاوية نعِمَ الناس فيها بالأمن والأمان والجهاد قائم، والمسلمون في عز وكرامة وفي مقدمتهم أئمة أهل البيت. وإذا صار عمر بن عبد العزيز خليفةً راشدًا - بالقياس لا بالنص وهو تابعي فإن أمير المؤمنين معاوية أولى بذلك اللقب وهو صحابي جليل وكاتب وحي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو خير من عمر بن عبد العزيز بنص حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "خير القرون قرني". ولقد سئل المعافي بن عمران، أيهما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: أتجعل رجلًا من الصحابة مثل رجل من التابعين؟ ! معاوية صاحبه وصهره وكاتبه وأمينه على وحي الله [البداية والنهاية (٨/ ١٣٨)]. وإذا كان الخليفة عمر بن عبد العزيز قد أكرم آل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لسنتين ونصف فإن أمير المؤمنين معاوية قد أكرم آل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحباهم بكرمه وسخائه واحترامه لعقدين من الزمان حكيم فيها أرض الخلافة الإسلامية، وأئمة أهل البيت يومها على أحسن حال، وكان مروان واليًا لمعاوية على المدينة فكان الحسن والحسين يصليان خلفه أيام سيدنا معاوية ولم =
- ج ٤ ص ٥٥
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = تكن بينهما وبين مروان والي معاوية يومها إحنٌ ولا ضغائن، كما أخرج ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٦/ ١٧٥ أ) من طريق حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه: "أن الحسن والحسين كانا يصليان خلف مروان فقيل: أما كانا يصليان إذا رجعا إلى منازلهما؟ قال: لا والله". [وانظر البداية والنهاية (٨/ ٣٥٨)]. وإذا كان عمر بن عبد العزيز حليمًا فقد كان معاوية أحلم. ولقد قبل سيدنا معاوية من الناس معارضتهم السلمية برحابة صدر وقبل منهم نصحهم وعمَّ الأمن البلاد والعباد. ونحن نذكر الأستاذ الفاضل بقوله تعالى: {وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} ولا نتهمه بشيء -معاذ الله- ولكن مناقشتنا هذه تؤكد مقولتنا التي كررناها مرارًا في هذا البحث ألا وهي أن مجرد وجود الروايات المكذوبة في مثالب بني أمية في تاريخ كالطبري وغيره يكفي لرسوخ كثير من المفاهيم الخاطئة في أذهان الناس عن سيرة الخلفاء المسلمين. ولقد ذكرنا جوانب من سيرة الخليفة الصالح معاوية - رضي الله عنه - فلا داعي للتكرار ولكننا نذكر في هذا المقام مثالًا واحدًا فقط نتبين من خلاله تواضع معاوية - رضي الله عنه - وحرصه على اتباع النصوص الشرعية. فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح عن أبي مجلز قال: دخل معاوية على عبد الله بن الزبير وابن عامر، وكان الشيخ أوزنهما، قال: فقال: منه قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من أحب أن يتمثل له عباد الله قيامًا فليتبوأ مقعده من النار" [مسند أحمد (ح ١٦٨٣٠)]. وهذه درة من درر التاريخ الإسلامي سجلها لنا الإمام أحمد - رضي الله عنه -. فالخليفة الذي حكم شطر العالم يومها يكره قيام الناس له ويذكر في ذلك حديثًا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وما من مثال من أمثلة العدل والزهد والحلم في سيرة عمر بن عبد العزيز إلَّا ويقابلها مثال على ذلك في سيرة معاوية - رضي الله عنه -. ولقد ذكرنا في قسم الصحيح قسطًا منها: كارتداءه - رضي الله عنه - ثوبًا مرقعًا، وركوبه بغلته مع غلام له واحد، وتجوله في السوق في دار الخلافة، وحواره مع المسور بن مخرمة، وغير ذلك كثير من علامات عدله وحكمه وصلاحه وجهاده. وكذلك ذكرنا في حينه أنه - رضي الله عنه - أوصى ولاته أن يحثوا الناس على الكتابة إليه كلما رأوا ظلامة أو حيفًا - رضي الله عنه - وأرضاه وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. هذه هي الصورة المشرقة لأمير المؤمنين معاوية الذي كان أميرًا عشرين عامًا في عهد الخلفاء الراشدين ثم تسلّم الخلافة من الحسن صلحًا فكان أمير للمؤمنين عشرين عامًا إلا قليلًا. نعمت أرض الخلافة في عهده بالأمان والاستقرار وخمدت الفتن ونشطت الفتوحات مرة أخرى وشيدت المدن كالقيروان وغيرها كل ذلك وأرض الخلافة توسعت وترامت أطرافها =
- ج ٤ ص ٥٦
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = ودخل في الإسلام أقوام كثيرون مختلفة مشاربهم وثقافاتهم وكانوا حديثي عهد بالإسلام فسخر الله لهذه الأمة معاوية - رضي الله عنه - داهية العرب والمسلمين فساسهم خير سياسة. بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله، وبعد: فقد آلينا على أنفسنا أن نمحص روايات الطبري فيما يتعلق بتاريخ الخلفاء الراشدين، والخليفة الأموي معاوية - رضي الله عنهم - أجمعين وحاولنا ما استطعنا بتوفيق الله وعنايته أن نميز بين الضعيف والصحيح ومن هنا فصاعدًا "أي: من بداية عهد يزيد وحتى نهاية عهد أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز" نبدأ بتطبيق منهج مغاير بعض الشيء لما اتبعناه في المراحل السابقة. ولكن الأصل الذي لم نتغافل عنه ولن نتغافل عنه إن شاء الله حتى نهاية تحقيقنا لتاريخ الطبري هو الذَبّ عن عدالة الصحابة وبيان التزوير والتشويه الذين لحقا بتاريخ الخلافة في عهد الأمويين والعباسيين ولعل التساهل الذي نبديه فيما يأتي هو قبولنا رواية الراوي الذي سكت عنه ابن أبي حاتم وذكره ابن حبان في الثقات شريطة أن تخلو روايته من النكارة ومن مسائل تتعلق بالعقيدة أو الحلال والحرام، وتخلو كذلك من الطعن في عدالة الصحابة. والجديد أيضًا في منهجنا من سنة (٦٠ هـ) فصاعدًا هو قبولنا لأخبار عزل الولاة وتعيين آخرين غيرهم أو تعيين القضاة وتمصير المدن وبعض أحداث الفتوح دون اشتراط سند موصول والاكتفاء برأي عدة مؤرخين متقدمين (ثقات) كالطبري وابن سعد وابن خياط وغيرهم. ونحن في هذه المسائل الآنفة الذكر نتبع مناهج معروفة لبعض أساتذة التاريخ الكبار المعتمدين كالأستاذ العمري الفاضل الذي أشار في كتابه القيم (السيرة النبوية الصحيحة) إلى اعتماد شيء من التساهل في كتابة التاريخ العام يقول الأستاذ أكرم ضياء العمري -حفظه الله-: وأما اشتراط الصحة الحديثية في قبول الأخبار التاريخية التي لا تمس العقيدة والشريعة ففيه تعسف كثير والخطر الناجم عنه كبير لأن الروايات التاريخية التي دونها أسلافنا المؤرخون لم تعامل معاملة الأحاديث بل تم التساهل فيها وإذا رفضنا منهجهم فإن الحلقات الفارغة في تاريخنا ستمثل هوة سحيقة بيننا وبين ماضينا مما يولد الحيرة والضياع والتمزق والانقطاع، إن تاريخ الأمم الأخرى مبني على روايات مفردة ومصادر مفردة في كثير من حلقاته وهم ينقدون متون الروايات فقط ويحللونها وفق معايير نقدية تمكنهم من الوصول إلى صورة ماضيهم لعدم استعمال الأسانيد في رواياتهم التاريخية لأن الأسانيد اختصت بها الأمة الإسلامية. لكن ذلك لا يعني التخلي عن منهج المحدثين في نقد أسانيد الروايات التاريخية فهي وسيلتنا =
- ج ٤ ص ٥٧
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = إلى الترجيح بين الروايات المتعارضة كما أنها خير معين في قبول أو رفض بعض المتون المضطربة أو الشاذة عن الإطار العام لتاريخ أمتنا ولكن الإفادة منها ينبغي أن تتم بمرونة آخذين بعين الاعتبار أن الأحاديث غير الروايات التاريخية، وأن الأولى (أي الأحاديث) نالت من العناية ما يمكنها من الصمود أمام قواعد النقد الصارمة. ونظرًا لأن المصادر المتعلقة بالحديث والعلوم الشرعية والتاريخ الإسلامي معظمها تسرد الروايات بالأسانيد فلا بد من تحكيم قواعد علماء المصطلح في نقد هذه الروايات مع عدم التخلي عن الروايات التي لا تصل إلى مستوى الصحة الحديثية ففي الأبحاث التاريخية تعتبر الروايات المسندة من طرق رواة لا يبلغون مستوى الثقات أفضل من الروايات والأخبار غير المسندة لأن فيها ما يدل على أصلها، ويمكن التحكم بنقدها وفحصها بصورة أفضل من الأخبار الخالية من السند. [دراسات تاريخية للأستاذ العمري (٢٦ - ٢٧) مع تقديم وتأخير في بعض المقاطع]. ونعود مرّة أخرى إلى ما نحن بصدده فيما يتعلق بتاريخ العقود المتبقية من تاريخ القرن الأول الفاضل، والمصادر المتقدمة التي استعنَّا بها في المقارنة. ١ - تاريخ خليفة بن خياط (٢٤٠ هـ) تحقيق الأستاذ الدكتور أكرم ضياء العمري. ٢ - طبقات ابن سعد (٢٣٠ هـ). ٣ - المعرفة والتاريخ للفسوي (٢٢٩ هـ). ٤ - أنساب الأشراف للبلاذري (٢٢٩ هـ). ٥ - بعض الروايات النادرة التي أخرجها البخاري ومسلم، وهي وإن كانت قليلة جدًّا ولكنها ثمينة المتن والمعنى. ٦ - بالإضافة إلى مصادر أخرى كتاريخ مكة، وكتاب فتوح البلدان، وكتاب المتوارين، وكتاب المحن لأبي العرب، والمعارف لابن قتيبة، وغيرها من المصادر التي سنذكرها أثناء التحقيق. ولعل الجديد في قراءتنا الجديدة هذه أننا نستشهد ببعض الروايات الضعيفة (ضعفًا خفيفًا) ونبين ما يؤيدها من روايات صحيحة أو بالعكس فإننا نشير إلى مخالفة متونها للروايات التاريخية الصحيحة وكذلك بعض الروايات الضعيفة جدًّا لنبين مواضع التزوير والتشويه وأحيانًا نعرج على مقالات المؤرخين المعاصرين الذين تأثروا بالمدرسة الاستشراقية وغيرها من جامعات الغرب التي تسعى إلى إظهار روايات المتروكين والكذابين كالواقدي وأبي مخنف والكلبي ... إلخ في مقابل طمس الروايات التاريخية الصحيحة وذلك خدمة لأغراض معروفة. ونحن بدورنا نبين الخطأ في مقالات هؤلاء ونحاول أن نبين حقائق الوقائع التأريخية ومن خلالها ندافع عن عدالة الصحابة ونظهر الوجه المشرق للتاريخ الإسلامي ونستدل بالروايات التاريخية الصحيحة عند الطبري وغيره لنحصل على تلك الدرر الثمينة =
- ج ٤ ص ٥٨
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = التي تكمن في خبايا وصفحات التاريخ الإسلامي وأخذنا على عاتقنا أن نبين حقيقة لطالما ذكرها أساتذتنا الأفاضل (العمري، وابن خليل ... وغيرهم كثير) وهي: أن تاريخ الرعيل الأول بكل ابتلاءاته ومحنه وبكل انتصاراته وشموخه هو تاريخ عقيدة والذين شاركوا في تسجيل صفحاته وتسطير مآثره فعلوا ذلك بدافع من عقيدة التوحيد ورابطة الإيمان وسنثبت هذه المقولة عند تناولنا لتفاصيل ذلك التاريخ، إن شاء الله تعالى. ولعل بعض الباحثين يعتقد أن نقد الرواية التاريخية أمر مستحدث يأخذ به من يريد أن يكتب التاريخ كما يتمنى وخاصة عند المؤرخين المعاصرين الملتزمين بالمنهج الإسلامي في البحث وليس الأمر كذلك فلو رجعنا إلى المؤرخين المتقدمين العمالقة كالطبري مثلًا الذي ترك لنا هذا السفر الضخم نراه يؤكد وجود روايات غير صحيحة في تاريخه جمعها من باب المقارنة بين المصادر التاريخية المختلفة ومن باب الأمانة العلمية ولقد عاش الطبري في عصر كانت فيه علوم الرواية وتراجم الرجال معروفة لدى العلماء فلعله لهذا السبب ولأسباب أخرى يميز في تاريخه بين الضعيف والصحيح، ومن قبله كان العلامة المؤرخ خليفة بن خياط علمًا من أعلام التاريخ الإسلامي (وهو ثقة عند أئمة الحديث) ولقد ترك للأمة كتابه القيم (تاريخ خليفة) وهو تاريخ حولي - لم يحكم فيه ابن خياط على الأسانيد والمتون ولكنه تجنب روايات المتروكين والكذابين والوضاعين فلم يرو عن أبي مخنف (لوط بن يحيى) وأمثاله. واعتمد في أحايين كثيرة على رواة ثقات معروفين ولقد قام الأستاذ العمري بتحقيق تاريخ خليفة الذي كان مخطوطًا فزاده بهاءً وأظهر قيمته العلمية جزاه الله خيرًا. وكلما راجعنا أسماء المؤرخين عقدًا بعد عقد وقرنًا بعد قرن وجدنا مسألة النقد التاريخي معروفة لديهم وإن لم يعتمدوه كثيرًا بينما نجد النقد واضحًا عند الحافظين الذهبي وابن كثير (خاصة) في كتابه المعروف البداية والنهاية ووصولًا إلى المؤرخين المعاصرين ومنهم الأستاذ العمري صاحب كتاب الخلافة الراشدة التي اعتمد فيها تطبيق القواعد الحديثية على الرويات التاريخية وأشرف على رسائل جامعية كثيرة في هذا المجال. وكذلك انتهج هذا المنهج كثيرون من المؤرخين، وأسماؤهم كثيرة متقدمين ومتأخرين ومعاصرين [صاحب العواصم الإمام المالكي ابن العربي .. محب الدين الخطيب ... إلخ]. ونرى من الضروري هنا أن ندعم منهجنا هذا بنصوص من كتابات العلامة المؤرخ ابن خلدون رحمه الله تعالى: يقول العلامة ابن خلدون رحمه الله تعالى: وكثيرًا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثًا أو سمينًا ولم يعرضوها ولا قاسوها بأشباهها ولا سبروها. ويتحدث أيضًا عن الحكايات التاريخية بالذات لأن العلماء تساهلوا فيها فهي ليست كالرواية =