مبرر من قاتل الحسين بن علي - رضي الله عنهما -
فقرتان، ج ٤ ص ٧٤
- ج ٤ ص ٧٤
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: ولقد بالغ الشيعة في يوم عاشوراء، فوضعوا أحاديث كثيرة كذبًا فاحشًا، من كون الشمس كسفت يومئذِ حتى بدت النجوم وما رفع يومئذ حجرٌ إلا وجد تحته دم، وأن أرجاء السماء احمرّت، وأن الشمس كانت تطلع وشعاعها كأنه الدم، وصارت السماء كأنها علقة، وأن الكواكب ضرب بعضها بعضًا، وأمطرت السماء دمًا أحمر، وأن الحمرة لم تكن في السماء قبل يومئذ، ونحو ذلك. وروى ابن لهيعة عن أبي قبيل المعافري أن الشمس كسفت يومئذٍ حتى بدت النجوم وقت الظهر، وأن رأس الحسين لما دخلوا به قصر الإمارة جعلت الحيطان تسيل دمًا، وأن الأرض أظلمت ثلاثة أيام، ولم يمس زعفران ولا ورس بما كان معه يومئذٍ إلَّا احترق من مسه، ولم يرفع حجر من حجارة بيت المقدس إلَّا ظهر تحته دم عبيط، وأن الإبل التي غنموها من إبل الحسين حين طبخوها صار لحمها مثل العلقم. إلى غير ذلك من الأكاذيب والأحاديث الموضوعة التي لا يصح منها شيء. [البداية والنهاية (٦/ ٤٢٣)]. رأي الحافظ ابن كثير في روايات الطبري (غير الصحيحة) وأما ما روي من الأحاديث والفتن التي أصابت من قتله فأكثرها صحيح، فإنه قل من نجا من أولئك الذي قتلوه من آفة وعاهة في الدنيا فلم يخرج منها حتى أصيب بمرض، وأكثرهم أصابهم الجنون، وللشيعة والرافضة في صفة مصرع الحسين كذب كثير وأخبار باطلة، وفيما ذكرنا كفاية، وفي بعض ما أوردناه نظر، ولولا أن ابن جرير وغيره من الحفاظ والأئمة ذكروه ما سقته، وأكثره من رواية أبي مخنف لوط بن يحيى. [البداية والنهاية (٦/ ٤٢٣)]. مبرر من قاتل الحسين بن علي - رضي الله عنهما - قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى-: وقد تأول عليه من قتله أنه جاء ليفرق كلمة المسلمين بعد اجتماعها وليخلع من بايعه الناس واجتمعوا عليه، وقد ورد في صحيح مسلم الحديث بالزجر عن ذلك، والتحذير منه، والتوعد عليه وبتقدير أن تكون طائفة من الجهلة قد تأولوا عليه وقتلوه ولم يكن لهم قتله، بل كان يجب عليهم إجابته إلى ما سأل من تلك الخصال الثلاث المتقدم ذكرها، فإذا ذمت طائفة من الجبارين تذم الأمة كلها بكمالها وتتهم على نبيها - صلى الله عليه وسلم - فليس الأمر كما ذهبوا إليه، ولا كما سلكوه، بل أكثر الأئمة قديمًا وحديثًا كاره ما وقع من قتله وقتل أصحابه، سوى شرذمة قليلة من أهل الكوفة - قبحهم الله - وأكثرهم كانوا قد كاتبوه ليتوصلوا به إلى أغراضهم ومقاصدهم الفاسدة. فلما علم ذلك ابن زياد منهم بلغهم ما يريدون من الدنيا وآخذهم على ذلك وحملهم عليه بالرغبة والرهبة، فانكفوا عن الحسين وخذلوه ثم قتلوه. وليس كل ذلك الجيش كان راضيًا بما وقع من قتله، بل ولا يزيد بن معاوية رضي بذلك والله أعلم، ولا كرهه، والذي يكاد =
- ج ٤ ص ٧٥
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = يغلب على الظن أن يزيد لو قدر عليه قبل أن يقتل لعفا عنه كما أوصاه بذلك أبوه، وكما صرح هو به مخبرًا عن نفسه بذلك. وقد لعن ابن زياد على فعله ذلك وشتمه فيما يظهر ويبدو، ولكن لم يعزله على ذلك ولا عاقبه ولا أرسل يعيب عليه ذلك والله أعلم. [البداية والنهاية (٦/ ٤٢٤)]. قلنا: لقد كان الحافظ ابن كثير -رحمه الله- دقيقًا في الأسطر الأخيرة ولا يدرك تلك الدقة إلَّا من خاض غمار البحث التاريخي وبأمانة ونزاهة والله تعالى اعلم. لكن استوقفتنا عبارة أخرى للحافظ ابن كثير تخالف تمامًا ما رواه هو في هذه المسألة وما قاله كذلك كمؤرخ فهو يقول في موضع آخر حينما يتحدث عن موقف يزيد عن مقتل الحسين بن علي - رضي الله عنهما -: [لم يأمر بقتله ولم يسوؤه]. قلنا: وأما قوله: [لم يأمر بقتله] فصحيح كما ذكرنا وكما سنذكر مرة أخرى. وأما قوله: [ولم يسوؤه] فغير صحيح والعجيب أن ابن كثير قال بصيغة الجزم أن يزيدًا بكى حين علم بمقتل الحسين وحزن حزنًا شديدًا، وقال ابن مرجانة: بغضني إلى الناس .. إلخ. وروى نحو هذا روايات عدةٍ وسنضيف إليها وإلى ما ذكرنا آنفًا رواية الإمام الثقة الَّذي حضر هذه المحنة وشهد معاناتها بنفسه ألا إنه الإمام العلم زين العابدين علي بن الحسين - رضي الله عنهما - ورواية زين العابدين أخرجها اثنان من الأخباريين الثقات (المدائني وأبو عرب التميمي) مع اختلاف يسير في الألفاظ. فقد روى المدائني عن إبراهيم بن محمد عن عمرو بن دينار حدثنا محمد بن علي عن أبيه قال: "قُتل الحسين وأدخلنا الكوفة فلقينا رجل فأدخلنا منزله فألحفنا فنمت فلم أستيقظ إلّا بحس الخيل في الأزقة فحملنا إلى يزيد فدمعت عينه حين رآنا وأعطانا ما شئنا ... الخبر". [سير أعلام النبلاء (٣/ ٣٢٠)]. قلنا: ورجال هذا الإسناد بين الثقة والصدوق، والخبر أخرجه أبوالعرب التميمي المؤرخ المعروف عن علي بن الحسين وفيه: "والله ما علمت بخروج أبي عبد الله حين خرج ولا بقتله حين قتل" - وفي آخِره - "فقال له النعمان بن بشير: يا أمير المؤمنين اصنع بهم ما كان يصنع رسول الله لو رآهم بهذه الهيئة. فقالت فاطمة بنت الحسين: يا يزيد بنات رسول الله سبايا! ! ! فبكى حتى كادت نفسه تخرج وبكى أهل الدار حتى علت أصواتهم ثم قال: خلوا عنهم، واذهبوا بهم إلى الحمام فاغسلوهم واضربوا عليهم القباب ففعلوا وأمال عليهم المطبخ وكساهم وأخرج لهم جوائز كثيرة، ثم قال: لو كان بينه وبينهم نسب ما قتلهم ثم رجعوا إلى المدينة". [المحن (١٣٤ - ١٣٥)]. وهذه الرواية الصحيحة مع كثير من الروايات التي ذكرها ابن كثير تؤكد أن يزيدًا ساءه مقتل الحسين بن علي - رضي الله عنهما - والله أعلم. =