كلمة عن المختار بن عبيد الله الثقفي وحركته الهدامة
٥ فقرات، ج ٤ ص ١١١
- ج ٤ ص ١١١
كلُّ عيش قد أَرَاهُ قَذِرًا ... غير رَكز الرمحِ في ظلّ الفَرَسْ (١)
- (١)رجال هذا الإسناد ثقات وبعضهم رجال الصحيح سوى الحسن بن كثير فقد ذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ١٦٧) وسماه البجلي، وترجم له أبو حاتم، وقال العجلي: الكوفي وفي نسخة البجلي وذكر له ثلاثة من الرواة وسكت عنه. [الجرح والتعديل (٣/ ٣٤ / تر ١٤٣)]. ومثل هذا قبلنا روايته التاريخية بالشروط الثلاثة التي ذكرناها في المقدمة. ولعلَّ أصحَّ من هذه الرواية ما رواه البلاذري. إذ أخرج البلاذري قال: حدثنا خلف بن سالم وأبو خيثمة قالا: ثنا وهب بن جرير، عن أبيه، حدثني إبراهيم الأشتر قال: مَرَّ بي ابن زياد يوم الخازر فسطع منه المسك وأنا لا أعرفه، فظننت أنه رجل له منزلة في القوم ومال فقصدت له فضربته على رأسه بالسيف فخرَّ بين قوائم برذونه يخور كخوار الثور فنظرت فإذا هو ابن زياد. [أنساب الأشراف (١/ ٢٥١)]. قلنا: وأيًّا كان قاتل عبيد الله بن زياد فقد تخلصت الأمة بمقتله من أمير جائر طالما نهره أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وزجروه وأمروه بالمعروف ونهوه عن المنكر والظلم وبخس الناس أشيائهم كما سنذكر إن شاء الله في خلاصتنا عن أسباب زوال سلطان بني أمية وذلك في نهاية حوادث سنة (١٣٦ هـ) ولقد وصفه الإمام الذهبي خير وصف إذ قال -في ترجمته-: وكان جميل الصورة قبيح السريرة. وقال أيضًا: قيل: كانت أمّه مرجانة من بنات ملوك الفرس. [مختصر سير أعلام النبلاء (٣/ ٥٤٥ تر ١٤٥)]. قلنا: ولعل البعض يُرجع السبب في ظلم عبيد الله بن زياد وإمعانه في حرب الحسين بن علي رضي الله عنهما إلى تربية أمه مرجانة لأنها كانت حاقدة على المسلمين الذين سلبوا آباءهم ملكهم الكسروي بسبب الفتوحات الإسلامية العظيمة، ولكن هذا احتمال وظن وتخمين ليس إلَّا ولا أحد ينكر أن عددًا من الصحابة تزوجوا نساء فارسيات فأنجبن لهم خيرة العلماء والفضلاء والأئمة والمؤرخ المنصف لا يئبت هذه الأمور بمجرد الظن والحدس والتخمين والله أعلم. كلمة عن المختار بن عبيد الله الثقفي وحركته الهدامة قلنا: لقد أخرج الطبري روايات كثيرة عن المختار هذا الذي ادعّى النبوة وتلوّن بألوان عدة وتقلب بين ولاآت متعددة وأحدث بلبلة كبيرة في المجتمع الإسلامي وانتهت حركته بمقتله سنة (٦٧ هـ)، ولقد ذكرنا معظم هذه الروايات في قسم الضعيف وذكرنا أقلّها ضعفًا في قسم الصحيح آنفًا مع رواية أو روايتين صحيحة ذكرناها كذلك في الصحيح. = = ولقد حاول الإمام الحافظ الذهبي -رحمه الله أن يلخص ما كتبه المؤرخون المتقدمون في أخبار المختار الكذاب أودعها كتابه القيم سير أعلام النبلاء وسنذكر ما قاله بتصرف واختصار. وقبل أن نذكر خلاصة الذهبي نودّ أن نذكر حديثًا ورد في هذه المسألة التاريخية [والحديث جزء من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام]. فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه [كتاب فضائل الصحابة / باب ذكر كذاب ثقيف ومبيرها / ح ٢٥٤٥] وفي آخر الحديث قالت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما: أما إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حدثنا "أن في ثقيف كذابًا ومبيرًا) فأما الكذاب فرأيناه وأما المبير فلا إخالك إلا إياه". قال النووي -في شرح حديث أسماء هذا-: وقولها في الكذاب: (فرأيناه) تعني به المختار بن أبي عبيد الثقفي كان شديد الكذب ادَّعى أن جبريل يأتيه، واتفق العلماء على أن المراد بالكذاب هنا المختار بن أبي عبيد وبالمبير الحجاج بن يوسف. [شرح صحيح مسلم (١٦/ ١٠٠)]. وأخرج أحمد في مسنده بسند حسن عن رفاعة قال: دخلت على المختار فألقى لي وسادة وقال: لولا أن جبريل قام عن هذه لألقيتها لك، فأردت أن أضرب عنقه ... إلخ. [مسند أحمد (٥/ ٢٢٣)]. والحديث أخرجه البلاذري أيضًا عن رفاعة بن شداد. [أنساب الأشراف (١/ ٢٣٣)]. قال الإمام الذهبي -رحمه الله تعالى- في خلاصته: ونشأ المختار فكان من كبراء ثقيف وذوي الرأي والفصاحة والشجاعة والدهاء وقلّة الدين وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يكون في ثقيف كذاب ومبير" فكان الكذاب هذا ادَّعى أن الوحي يأتيه وأنه يعلم الغيب وكان المبير الحجاج قبَّحهما الله. [مختصر سير أعلام النبلاء (٣/ ٥٣٩ / تر ١٤٤)]. وقال الذهبي أيضًا: وكان المختار قد سار من الطائف بعد مصرع الحسين إلى مكة، فأتى ابن الزبير، وكان قد طُرِدَ لِشَرِّه إلى الطائف فأظهر المناصحة، وتردد إلى ابن الحنفية، فكانوا يسمعون منه ما يُنكر. فلما مات يزيد، استأذن ابن الزبير في الرواح إلى العراق، فركن إليه، وأذن له، وكتب إلى نائبه بالعراق عبد الله بن مطيع يوصيه به، فكان يختلف إلى ابن مطيع، ثم أخذ يعيب في الباطن ابن الزبير، ويثني على ابن الحنفية، ويدعو إليه، وأخذ يشغب على ابن مطيع، ويمكر ويكذب، فاستغوى جماعةً، والتفت عليه الشيعة، فخافه ابن مطيع، وفرّ من الكوفة، وتمكن هو، ودعا ابن الزبير إلى مبايعة محمد بن الحنفية، فأبى، فحصره، وضيق عليه، وتوعًده، فتألمت الشيعة له، ورد المختار إلى مكة، ثم بعث معه ابن الزبير إبراهيم بن محمد بن طلحة على خراج الكوفة، فقدم المختار وقد هاجت الشيعة للطلب بالثأر، وعليهم سيمان بن صُرد، فأخذ المختارُ يفسدهم، ويقول: إني جئت من قبل المهدي ابن الوصي، يريد ابن الحنفية، فتبعه خلق، وقال: إن سيمان =
-
[٦: ٩٠ - ٩١]
- ج ٤ ص ١١٢
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- ج ٤ ص ١١٣
حدّثت عن عليّ بن حَرْب المَوْصليّ، قال: حدّثني إبراهيمُ بن سليمانَ
ج ٤ ص ١١٤الحنفِيّ، ابن أخي أبي الأحوص، قال: حدَّثنا محمد بن أبان، عن علقمة بن مَرْثد، عن سُوَيد بن غَفْلة، قال: بَينا أنا أسيرُ بظهْر النّجف إذ لَحقني رجل فَطعنني بمِخْصَرة مِن خَلفي، فالتفتُّ إليه، فقال: ما قولُك في الشيخ؟ قلتُ: أيّ الشيوخ؟ قال: عليّ بن أبي طالب؛ قلتُ: إني أشهد أني أحبّه بسَمعي وبصري وقلبي ولساني، وقال: وأنا أشهِدك أني أبغِضه بسَمْعي وبصري وقلبي ولساني، فسِرْنا حتى دخلْنا الكوفة، فافترقْنا، فمكَث بعد ذلك سِنينَ - أو قال: زمانًا- قال: ثمّ إني لفي المسجد الأعظم إذ دخل رجلٌ معتمّ يتصفح وجوهَ الخلق، فلم يزل ينظر فلم يُرَ لُحىً أحمق من لُحَى همْدان، فجلس إليهم، فتحوّلتُ فجلستُ معهم، فقالوا: من أين أقبلتَ؟ قال: من عند أهلِ بيتِ نبيّكم، قالوا: فماذا جئتنَا به؟ قال: ليس هذا موضع ذلك، فوعدهم من الغد موعدًا، فَغَدا وغدوت، فإذا قد أخرج كتابًا معه في أسفله طابع من رصاص، فدفعه إلى غلام، فقال له: يا غلام، اقرأه -وكان أميًّا لا يكتب- فقال الغلام: بسم الله الرحمن الرّحيم، هذا كتابٌ للمختار بن أبي عُبيد كتبه له وصيّ آلِ محمد؛ أمّا بعد فكذا وكذا.
- = لا يصنع شيئًا، إنما يلقي بالناس إلى التهلكة، ولا خبرة له بالحرب. وخاف عمر بن سعد بن أبي وقاص، فذهب عبد الله بن يزيد الخطمي نائب ابن الزبير وإبراهيم بن محمد إلى ابن صرد، فقالا: إنكم أحبُّ أهلِ بلدنا إلينا، فلا تفجعونا بأنفسكم، ولا تنقصوا عددنا بخروجكم، قفوا حتى نتهيأ. قال ابن صرد: قد خرجنا لأمرٍ ولا نرانا إلَّا شاخصين، فسار، ومعه كل مستميت، ومرُّوا بقبر الحسين، فبكوا، وأقاموا يومًا عنده وقالوا: يا رب قد خذلناه، فاغفر لنا، وتب علينا؛ ثم نزلوا قرقيسيا، فتم المصاف بعين الوردة، وقتل ابن صرد وعامَّة التوابين، ومرض عبيد الله بالجزيرة، فاشتغل بذلك وبقتال أهلها عن العراق سنةً وحاصر الموصل. وأما المختار، فسجن مُدَّة، ثم خرج، فحاربه أهل الكوفة، فقتل رفاعة بن شداد، وعبد الله بن سعد، وعدة، وغلب على الكوفة وهرب منه نائب ابن الزبير، فقتل جماعةً ممن قاتل الحسين، وقتل الشمر بن ذي الجوشن، وعُمَرَ بن سعد، وقال: إن جبريل ينزل عليَّ بالوحي، واختلق كتابًا عن ابن الحنفية إليه يأمره بنصر الشيعة، وثار إبراهيم بن الأشتر في عشيرته، فقتل صاحب الشرطة، وسُرَّ به المختار، وقوي، وعسكروا بدير هند، فحاربهم نائب ابن الزبير، ثم ضَعُفَ واختفى، وأخذ المختار في العدل. وحسن السيرة. وبعث إلى النائب بمالٍ، وقال: اهرب، ووجد المختار في بيت المال سبعة آلاف ألف درهم، فأنفق في جيشه، وكتب إلى ابن الزبير: إني رأيت عاملك مراهنًا لبني أمية، فكم يسعني أن أُقره، فانخدع له ابن الزبير، وكتب إليه بولاية الكوفة، فجهز ابن الأشتر لحرب عبيد الله بن زياد في آخر ست وستين. [مختصر سير أعلام النبلاء (٣/ ٥٤٠ - ٥٤١ / تر ١٤٤)]. وقال الذهبي: ووقع المصاف، فقتل ابن زياد، قدَّه ابن الأشتر نصفين. وكان بطل النخع، وفارس اليمانية فدخل الموصل، واستولى على الجزيرة، ثم وجَّه المختار أربعة آلاف فارس في نصر محمد بن الحنفية، فكلموا ابن الزبير، وأخرجوه من الشعب، وأقاموا في خدمته أشهرًا، حتى بلغهم قتلُ المختار، فإن ابن الزبير علم مَكرَهُ، فندب لحربه أخاه مصعبًا، فقدم محمد بن الأشعث، وشبث بن ربعي إلى البصرة يستصرخان الناس على الكذاب، ثم التقى مصعب وجيش المختار، فقتل ابن الأشعث، وعبيد الله بن علي بن أبي طالب، وانفل الكوفيون، فحصرهم مصعب في دار الإمارة، فكان المختار يبرز في فرسانه، ويقاتل حتى قتله طريف الحنفي وأخوه طرَّاف في رمضان سنة سبع وستين. [مختصر سير أعلام النبلاء (٣/ ٥٤٣ / تر ١٤٤)]. ولفد أرخ خليفة بن خياط لمقتل المختار بن أبي عبيد ضمن أحداث سنة (٦٧ هـ) وقال: دخل عليه القصر طريف وطراف أخوان من بني حنيفة فقتلاه. (تاريخ خليفة / ٢٦٤).
-
فاستفرَغَ القوم البُكاء، فقال: يا غلام، ارفَع كتابَك حتى يُفيق القوم، قلتُ: معاشر هَمْدان، أنا أشهَد بالله لقد أدركني هذا بظَهر النّجف، فقَصَصتُ عليهم قصّتَه، فقالوا: أبَيتَ واللهِ إلَّا تَثْبيطًا عن آل محمد، وتَزْيِينًا لنَعْثَلِ شَقّاقِ المَصَاحِف، قال: قُلتُ: معاشرَ همْدان، لا أحدّثكم إلا ما سمعت أُذنَاي، ووعاه قلبي من عليّ بن أبي طالب - عليه السلام -، سمعتُه يقول: لا تُسمّوا عثمانَ شَقاقَ المصَاحف، فوالله ما شقّقها إلّا عن ملإ منّا أصحاب محمد، ولو وليتُها لعَملتُ فيها مثلَ الذي عمل، قالوا: آللهَ أنتَ سمعتَ هذا من عليّ؟ قلت: والله لأنا سَمعتُه منه، قال: فتفرّقوا عنه، فعند ذلك مال إلى العبيد، واستعان بهم، وصنع ما صنع (١) . [٦: ١١٣ - ١١٤] .
قال أبو جعفر: وكان العاملُ لابن الزُّبَيْر في هذه السنة على المَدينة جابرُ بن
ج ٤ ص ١١٥الأسودُ بن عوف الزّهْريّ، وعَلَى البَصرة والكوفة أخوه مُصعَب، وعلى قضاءِ البَصْرة هشِامُ بن هُبيرة، وعلى قضاء الكوفة عبدُ الله بن عُتبة بن مسعود، وعلى خُراسان عبدُ الله بن خازم السُّلَميّ، وبالشأم عبدُ الملك بن مَرْوان. [٦: ١٣٩] .
- (١)في إسناده محمد بن أبان ضعفه غير واحد. وأما دفاع علي رضي الله عنه عن عثمان رضي الله عنه فصحيح كما ذكرنا في موضعه عند الحديث عن الفتنة أيام عثمان رضي الله عنه فلينظر هناك. وأبهم الطبري اسم من حدثه عن علي الموصلي. والله أعلم.