[لوط والشواذ]
٣ فقرات، ج ١ ص ٢٤٧
- ج ١ ص ٢٤٧
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- ج ١ ص ٢٤٨
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = عليه في الحاضر، ولا ندموا على ما سلف من الماضي، ولا راموا في المستقبل تحويلًا فأخذهم الله أخذًا وبيلًا. وقالوا له فيما قالوا: {ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} فطلبوا منه وقوع ما حذرهم منه من العذاب الأليم، وحلول البأس العظيم. فعند ذلك دعا عليهم نبيهم الكريم، فسأل من رب العالمين وإله المرسلين أن ينصره على القوم المفسدين. فغار الله لغيرته، وغضب لغضبته، واستجاب لدعوته، وأجابه إلى طلبته وبعث رسله الكرام، وملائكته العظام، فمروا على الخليل إبراهيم وبشروه بالغلام العليم، وأخبروه بما جاؤوا له من الأمر الجسيم والخطب العميم: {قَال فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ}، وقال: {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١) قَال إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إلا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ}، وقال الله تعالى: {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ}. وذلك أنه كان يرجو أن يجيبوا أو ينيبوا ويسلموا ويقلعوا ويرجعوا، ولهذا قال تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥) يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيرُ مَرْدُودٍ} أي: أعرض عن هذا وتكلم غيره، فإنه قد حتم أمرهم، ووجب عذابهم وتدميرهم وهلاكهم، {إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ} أي: قد أمر به من لا يرد أمره، ولا يرد بأسه، ولا معقب لحكمه، {وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيرُ مَرْدُودٍ}. قال الله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَال هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ}. قال المفسرون: لما فصلت الملائكة من عند إبراهيم أقبلوا في صور شبان حسان، اختبارًا من الله تعالى لقوم لوط وإقامة للحجة عليهم. فاستضافوا لوطًا - عليه السلام - وذلك عند غروب الشمس، فخشي إن لم يضيفهم أن يضيفهم غيره، وحسبهم بشرًا من الناس، و {سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَال هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} قال ابن عباس ومجاهد وقتادة ومحمد بن إسحاق: شديد بلاؤه. وذلك لما يعلم من مدافعته الليلة عنهم، كما كان يصنع بهم في غيرهم، وكانوا قد اشترطوا عليه أن لا يضيف أحدًا، ولكن رأى من لا يمكن المحيد عنه. وقوله: {وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ} أي هذا مع ما سلف لهم من الذنوب العظيمة الكبيرة الكثيرة، {قَال يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} يرشدهم إلى غشيان نسائهم وهن بناته شرعًا، لأن النبي للأمة بمنزلة الوالد، كما ورد في الحديث، وكما قال تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} وفي قول بعض الصحابة والسلف: وهو أب لهم. وهذا كقوله: {أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ}. وهذا هو الذي نص عليه مجاهد وسعيد بن جبير والربيع بن أنس وقتادة والسدي ومحمد بن =
- ج ١ ص ٢٤٩
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = إسحاق، وهو الصواب. والقول الآخر خطأ مأخوذ من أهل الكتاب. وقوله: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيفِي أَلَيسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ} نهي لهم عن تعاطي ما لا يليق من الفاحشة، وشهادة عليهم بأنه ليس فيهم رجل له مسكة ولا فيه خير، بل الجميع سفهاء، فجرة أقوياء، كفرة أغبياء. وكان هذا من جملة ما أراد الملائكة أن يسمعوه منه من قبل أن يسألوه عنه. فقال قومه -عليهم لعنة الله الحميد المجيد، مجيبين لنبيهم فيما أمرهم به من الأمر السديد-: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ} يقولون -عليهم لعائن الله-: لقد علمت يا لوط أنه لا أرب لنا في نسائنا، وإنك لتعلم مرادنا وغرضنا. واجهوا بهذا الكلام القبيح رسولهم الكريم، ولم يخافوا سطوة العظيم، ذي العذاب الأليم. ولهذا قال - عليه السلام -: {لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} ود أن لو كان له بهم قوة، أو له منعة وعشيرة ينصرونه عليهم، ليحل بهم ما يستحقونه من العذاب على هذا الخطاب. وقد قال الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا: "نحن أحق بالشك من إبراهيم، ويرحم الله لوطًا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي". ورواه أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة [البخاري / ح ٣٨٦]. وقال محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "رحمة الله على لوط، إنه كان يأوي إلى ركن شديد -يعني الله عزَّ وجلَّ- فما بعث الله بعده من نبي إلا في ثروة من قومه". الترمذي / كتاب تفسير القرآن / (ح ٣١٢٧). وقال تعالى: {وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قَال إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالمِينَ (٧٠) قَال هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ} فأمرهم بقربان نسائهم، وحذرهم الاستمرار على طريقتهم وسيئاتهم. وهذا وهم في ذلك لا ينتهون ولا يرعوون، بل كلما نهاهم يبالغون في تحصيل هؤلاء الضيفان ويحرصون، ولم يعلموا ما حم به القدر مما هم إليه صائرون، وصبيحة ليلتهم إليه منقلبون. ولهذا قال تعالى مقسمًا بحياة نبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ}، وقال تعالى: {وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٧) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ}. ذكر المفسرون وغيرهم: أن نبي الله لوطًا - عليه السلام - جعل يمانع قومه الدخول ويدافعهم والباب مغلق، وهم يرومون فتحه وولوجه، وهو يعظهم وينهاهم من وراء الباب، وكل ما لهم في إلحاح وإنحاح، فلما ضاق الأمر وعسر الحال قال ما قال: {لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} لأحللت بكم النكال. قالت الملائكة: {يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيكَ}. قال الله تعالى: {وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٧) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ}. فذلك أن الملائكة تقدمت إلى لوط - عليه السلام - آمرين له بأن يسري هو وأهله من =