[حرق إبراهيم]

فقرتان، ج ١ ص ٢٥٦

  1. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ} {قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ} أي في الملأ الأكبر على رؤوس الأشهاد، لعلهم يشهدون مقالته ويسمعون كلامه، ويعاينون ما يحل به من الاقتصاص منه. وكان هذا أكبر مقاصد الخليل - عليه السلام - أن يجتمع الناس كلهم، فيقيم على جميع عباد الأصنام الحجة على بطلان ما هم عليه، كما قال موسى - عليه السلام - لفرعون: {مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى}. فلما اجتمعوا وجاؤوا به كما ذكروا: {قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَال بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} قيل معناه: هو الحامل لي على تكسيرهم، وإنما عرض لهم في القول {فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ}. وإنما أراد بقوله هذا أن يبادروا إلى القول بأن هذه لا تنطق، فيعترفوا بأنها جماد كسائر الجمادات. {فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ} أي فعادوا على أنفسهِم بالملامة، فقالوا: إنكم أنتم الظالمون. أي في تركها لا حافظ لها ولا حارس عندها. {ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِم} قال السدي: أي ثم رجعوا إلى الفتنة، فعلى هذا يكون قوله: {إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ} أي في عبادتها. وقال قتادة: أدركت القوم حيرة سوء، أي فأطرقوا ثم قالوا: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ} أي لقد علمت يا إبراهيم أن هذه لا تنطق، فكيف تأمرنا بسؤالها؟ ! فعند ذلك قال لهم الخليل - عليه السلام -: {أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}.كما قال: {فَأَقْبَلُوا إِلَيهِ يَزِفُّونَ (٩٤)} قال مجاهد: يسرعون. قال: {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ} أي: كيف تعبدون أصنامًا أنتم تنحتونها من الخشب والحجارة، وتصورونها وتشكلونها كما تريدون {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}. وسواء أكانت: "ما" مصدرية أو بمعنى "الذي" فمقتضى الكلام أنكم مخلوقون، وهذه الأصنام مخلوقة، فكيف يتعبد مخلوق لمخلوق مثله؟ فإنه ليس عبادتكم لها بأولى من عبادتها لكم، وهذا باطل، فالآخر باطل للتحكم، إذ ليست العبادة تصلح ولا تجب إلا للخالق وحده لا شريك له. [حرق إبراهيم]: {قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرَادُوا بِهِ كَيدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ}. عدلوا عن الجدال والمناظرة لما انقطعوا وغلبوا، ولم تبق لهم حجة ولا شبهة إلا استعمال قوتهم وسلطانهم، لينصروا ما هم عليه من سفههم وطغيانهم، فكادهم الرب جل جلاله، وأعلى كلمته ودينه وبرهانه كما قال تعالى: {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ}. وذلك أنهم شرعوا يجمعون حطبًا من جميع ما يمكنهم من الأماكن، وأطلقوا فيها النار فاضطرمت وتأججت والتهبت وعلا لها شرر ثم ألقوه من البنيان الذي بنوه له إلى النار قال: =
    ج ١ ص ٢٥٦
  2. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = حسبنا الله ونعم الوكيل، كما روى البخاري عن ابن عباس أنه قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد حين قيل له: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ} الآية. وقال أبو يعلى: حدثنا أبو هشام الرفاعي، حدثنا إسحاق بن سلمان، عن أبي جعفر الرازي، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال - صلى الله عليه وسلم -: "لما ألقي إبراهيم في النار، قال: اللهم إنك في السماء واحد، وأنا في الأرض واحد أعبدك"! . {قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} قال علي بن أبي طالب: أي لا تضُرُّ به. وقال ابن عباس وأبو العالية: لولا أن الله قال: {وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} لآذى إبراهيم بردها. فأرادوا أن ينتصروا فخذلوا، وأرادوا أن يرتفعوا فاتضعوا، وأرادوا أن يغلبوا فغلبوا. قال الله تعالى: {وَأَرَادُوا بِهِ كَيدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِين}، وفي آية آخري: {الْأَسْفَلِينَ} ففازوا بالخسارة والسفال هذا في الدنيا، وأما في الآخرة فإن نارهم لا تكون عليهم بردًا ولا سلامًا، ولا يلقون فيها تحية ولا سامًا، بل هي كما قال تعالى: {إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا}. قال البخاري: حدثنا عبيد الله بن موسى، أو ابن سلام عنه، أنبأنا ابن جريج، عن عبد الحميد بن جبير، عن سعيد بن المسيب، عن أم شريك، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بقتل الوزغ، وقال: "كان ينفخ على إبراهيم". [صحيح البخاري / كتاب الأنبياء / ح ٣٣٥٩]. ورواه مسلم من حديث ابن جريج، وأخرجه النسائي وابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة، كلاهما عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة عنه [مسلم / ١٤٣/ ٢٢٣٧]. وقال أحمد: حدثنا محمد بن بكر، حدثنا ابن جريج، أخبرني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي أمية، أن نافعًا مولى ابن عمر أخبره أن عائشة أخبرته أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "اقتلوا الوزغ فإنه كان ينفخ النار على إبراهيم"، قال: فكانت عائشة تقتلهن [مسند أحمد / ح ٢٥٧٠١]. وقال أحمد: حدثنا إسماعيل: حدثنا أيوب عن نافع، أن امرأة دخلت على عائشة فإذا رمح منصوب فقالت: ما هذا الرمح؟ فقالت: نقتل به الأوزاغ؛ ثم حدثت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أن إبراهيم لما ألقي في النار جعلت الدواب كلها تطفئ عنه إلا الوزغ، فإنه جعل ينفخها عليه". تفرد به أحمد من هذين الوجهين [أحمد / ح ٢٥٨٨٥]. وقال أحمد: حدثنا عفان، حدثنا جرير، حدثنا نافع، حدثتني سمامة مولاة الفاكه بن المغيرة، قالت: دخلت على عائشة فرأيت في بيتها رمحًا موضوعًا، فقلت: يا أم المؤمنين .. ما تصنعين بهذا الرمح؟ قالت: هذا لهذه الأوزاغ نقتلهن به، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حدثنا: "أن إبراهيم حين ألقي في النار لم يكن في الأرض دابة إلا تطفئ عنه النار، غير الوزغ كان ينفخ عليه، فأمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتله". ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن =
    ج ١ ص ٢٥٧