ثم دخلت سنة سبع وتسعين ذكر الخبر عما كان في هذه السنة عن الأحداث
٧ فقرات، ج ٤ ص ٢٢٣
- ج ٤ ص ٢٢٣
فمن ذلك ما كان من تجهيز سليمان بن عبد الملك الجيوش إلى القُسْطنطينيّة واستعماله ابنَه داودَ بن سليمان على الصائفة، فافتتح حصنَ المرأة. (٦: ٥٢٣) .
قال عليّ بن محمد: حدَّثنا مسلَمة بن مُحارِب وأبو العَلاء التّيميّ والطفيل بن مِرْداس العمّي وأبو حفص الأزْديّ عمّن حدّثه عن جَهْم بن زَحْر بن قيس، والحسن بن رشيد عن سليمانَ بن كثير، وأبو الحسن الخُراسانيّ عن الكَرَمانيّ،
ج ٤ ص ٢٢٤وعامر بن حفص وأبو مخنَف عن عثمانَ بن عمرو بن محصَن الأزديّ وزهير بن هنيد وغيرهم - وفي خبر بعضهم ما ليس في خبر بعض، فألّفت ذلك - أنّ سليمان بنَ عبد الملك ولى يزيدَ بنَ المهلَّب العِراقِ ولم يولِّه خُراسان، فقال سليمان بن عبد الملك لعبد الملك بن المهلب وهو بالشأم ويزيدُ بالعراق: كيف أنتَ يا عبدَ الملك إنْ وليتُك خُراسان؟ قال: يجدني أميرُ المؤمنين حيثُ يحبّ، ثمّ أعرضَ سليمانُ عن ذلك. قال: وكتب عبدُ الملك بن المهلب إلى جرير بن يزيدَ الجَهْضميّ وإلى رجال من خاصّته: إنّ أمير المؤمنين عَرَضِ عليّ ولاية خُراسانَ فبلغ الخبرُ يزيدَ بنَ المهلب، وقد ضَجِر بالعراق، وقد ضيّق عليه صالح بنُ عبد الرحمن، فليس يصل معه إلى شيء، فدعا عبد الله بن الأهتم، فقال: إني أريدك لأمر قد أهمَّني، فأحبّ أن تَكفينيه، قال: مُرْني بما أحببْت، قال: أنا فيما ترى من الضيق، وقد أضجَرني ذلك، وخُراسان شاغِرةٌ برجلها، وقد بَلَغني أنّ أميرَ المؤمنين ذكَرَها لعبدِ الملك بن المهلب، فهل من حيلة؟ قال: نعم، سرِّحني إلى أميرِ المؤمنين، فإني أرجو أن آتيَك بعَهْدك عليها، قال: فاكتم ما أخبرْتُك به، وكتب إلى سليمان كتابين: أحدهما يَذكُر له فيه أمرَ العراق. وأثنى فيه على ابن الأهتم وذكَر له علمه بها، ووجّه ابن الأهتم وحمَله على البَريد، وأعطاه ثلاثين ألفًا. فسار سبعًا، فقَدم بكتاب يزيدَ على سليمان، فدخل عليه وهو يتغدَّى، فجلس ناحيةً، فأتيَ بدجاجَتين فأكَلَهما.
قال: فدخل ابنُ الأهتم فقال له سليمان: لك مجلسٌ غيرُ هذا تعود إليه. ثمّ دعا به بعدَ ثالثة، فقال له سليمان: إنّ يزيدَ بنَ المهلب كتب إليّ يذكُر علمَك بالعراق وبخُراسان، ويُثْني عليك، فكيف علمُك بها؟ قال: أنا أعلَم الناس بها؛ بها وُلدتُ، وبها نشأتُ، فلي بها وبأصْلها خبر وعِلم. قال: ما أحوَجَ أميرَ المؤمنين إلى مثلك يُشاوره في أمرها! فأشرْ عليّ برَجُل أولِّيه خُراسان، قال: أميرُ المؤمنين أعلم بمن يريد يولي، فإن ذكر منهم أحدًا أخبرتُه برأيي فيه، هل يَصلُح لها أو لا؛ قال: فسمَّى سليمانُ رجلًا من قريش؛ قال: يا أمير المؤمنين، ليس من رجال خُراسان، قال: فعبدُ الملك بن المهلب، قال: لا، حتى عدّد رجالًا، فكان في آخر من ذكر وكيع بن أبي سُود، فقال: يا أميرَ المؤمنين، وكيعٌ رجلٌ شجاعٌ صارم بَئيس مقدام. وليس بصاحبها مع هذا، إنه لم يقُد ثلاثمئةٍ قط فرأى
ج ٤ ص ٢٢٥لأحد عليه طاعة. قال: صدقتَ ويْحك، فمن لها قال: رجلٌ أعلَمه لم تُسمّه، قال: فمن هو؟ قال لا أبوح باسمه إلا أن يَضمَن لي أميرُ المؤمنين ستر ذلك. وأن يُجيرَني منه إنْ علم؛ قال: نعم، سَمّه مَن هو؟ قال: يزيدُ بن المهلب؛ قال: ذاك بالعراق، والمُقام بها أحبّ إليه من المقام بخُراسان، قال: قد علمتُ يا أميرَ المؤمنين، ولكن تُكرِهه على ذلك، فيَستخلف على العراق رجلًا ويسير؛ قال: أصبتَ الرأيَ. فكَتَب عهدَ يزيد على خُراسان، وكتب إليه كتابًا: إن ابنَ الأهتم كما ذكرتَ في عَقْلِه ودينه وفضله ورأيه. ودفع الكتابَ وعَهْد يزيدَ إلى ابن الأهتم، فسار سَبْعًا. فقدم على يزيدَ فقال له: ما وراءك؟ قال: فأعطاه الكتاب، فقال: ويحك! أعندَك خير؟ فأعطاه العهد، فأمر يزيدُ بالجهاز للمسير من ساعته، ودعا ابنه مخلَدًا فقدّمه إلى خراسان. قال: فسار من يومِه، ثمّ سار يزيدُ واستخلف على واسطَ الجَرّاح بنَ عبد الله الحَكَميّ، واستعمَل على البَصْرة عبدَ الله بن هلال الكلابيّ، وصيّر مروانَ بن المهلب على أموالِه وأمورِه بالبَصرة، وكان أوثَقَ إخوتِه عندَه، ولمروان يقول أبو البَهاء الإياديّ:
رأيتُ أبا قبيصةَ كلَّ يومٍ ... على العَلَّاتِ أكرَمَهُمْ طِبَاعَا
إذَا ما هُمْ أَبوْا أن يَسْتطيعوا ... جسِيمَ الأَمْرِ يحْمِل ما اسْتَطَاعَا
وإنْ ضاقت صدُورُهُم بأَمرٍ ... فضلتَهُمُ بذاك ندىً وبَاعَا
(٦: ٥٢٤ - ٥٢٦) .
-
وفي هذه السنة شَخَص يزيدُ بن المهلّب إلى خُراسانَ أميرًا عليها، فذكر عليّ بن محمد عن أبي السريّ المروزي الأزْديّ، عن عمه، قال: وليَ وكيع خُراسان بعد قتل قُتيبةَ تسعةَ أشهر أو عشرة. وقدم يَزيدُ بن المهلب سنة سبع وتسعين (١) . (٦: ٥٢٨) .
قال عليّ: فذَكَر المفضّل بن محمد عن أبيه، قال أدنَى يزيدُ أهلَ الشأم وقومًا من أهل خراسان، فقال نهارُ بن تَوْسِعة:
وما كنَا نُؤمِّلُ من أَمِيرٍ ... كما كُنَّا نؤمّلُ من يزيدِ
ج ٤ ص ٢٢٦فأَخْطَأَ ظنُّنَا فيه وقِدْمًا ... زهِدْنا في معاشَرَة الزَّهيد
إذا لم يُعطِنا نَصَفًا أَميرٌ ... مشَينَا نحْوَهُ مِثلَ الأُسُود
فمهلًا يا يَزيدُ أنِبْ إلينا ... ودَعْنَا من معَاشرَةِ العبيدِ
نَجِيءُ فلا نَرَى إلَّا صُدودًا ... على أنا نُسلم من بعيدِ
ونَرجعُ خائبينَ بلا نوالٍ ... فما بَالُ التجَهُّمِ والصُّدُودِ!
- (١)وقال خليفة: مات الوليد وعليها (أي: خراسان) قتيبة بن مسلم فخلع سليمان فقتل قتيبة وتولى أمر الناس وكيع بن أبي الأسود الفدّاني فعزله يزيد بن المهلب وولى ابنه مخلد بن يزيد ثم قدمها يزيد ثم شخص واستخلف ابنه مخلدًا حتى مات. (ص ٣٢٤).
-
(٥٢٨: ٦) .
قال عليّ: أخبرَنا زيادُ بن الرّبيع. عن غالب القطّان، قال: رأيتُ عمَر بنَ عبد العزيز واقفًا بعَرفات في خلافة سليمان. وقد حَجّ سليمان عامئذ وهو يقول لعبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد: العَجَب لأمير المؤمنين، استعمَل رجلًا على أفضل ثَغْر للمسلمين! فقد بلَغَني عمّن يقدم من التجار من ذلك الوَجْه أنه يُعطي الجارية من جواريه مثل سهم ألفِ رجل. أما والله ما الله أراد بولايته - فعرفتُ أنه يعني يزيدَ والجهنية - فقلتُ: يشكر بلاءَهم أيام الأزارقة. (٦: ٥٢٨ - ٥٢٩)
-
وفي هذه السنة حجّ بالناس سليمانُ بن عبد الملك، حدّثني بذلك أحمدُ بن ثابت عمن ذكَره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر (١) . (٦: ٥٢٩) .
- (١)انظر خليفة (ص ٣٢٠).
-
وفيها عَزَل سليمانُ طلحةَ بن داودَ الحضْرميّ عن مكة، قال الواقديّ: حدّثني إبراهيم بن نافع عن ابن أبي مُلَيكة، قال: لما صدَر سليمانُ بن عبد الملك من الحجّ عَزَل طلحةَ بنَ داودَ الحضْرميّ عن مكة، وكان عَمَلُه عليها ستة أشهر، وولى عبد العزيز بن عبد الله بن خالدبن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف.
-
وكانت عُمّال الأمصار في هذه السنة عمالها في السنة التي قبلها إلا خراسان، فإن عامِلَها على الحَرْب والخَراج والصّلاة يزيدُ بن المهلب.
-
وكان خليفته على الكوفة - فيما قيل - حَرْملة بن عُمير اللَّخْميّ أشهُرًا، ثمّ
ج ٤ ص ٢٢٧عزَلَه وولّاها بشير بن حسّان النَّهْديّ (١) . (٦: ٥٢٩) .
- (١)انظر قائمة الولاة في نهاية عهد سليمان. قال خليفة: فيها (٩٧ هـ) غزا يزيد بن المهلب جرجان. وحدثني حاتم بن مسلم: عن يونس بن أبي إسحاق أنه شهد ذلك مع يزيد بن المهلب. قال: صالحهم على خمسمئة ألف درهم (ص ٣١٩). وحدثني الوليد بن هشام: عن أبيه: عن جده قال: صالحهم يزيد على خمسمئة ألف درهم يؤدونها كل عام. (ص ٣١٩).