عزل الجراح بن عبد الله عن خراسان

فقرتان، ج ٤ ص ٢٤٣

  1. قال أبو جعفر: وفي هذه السنة عزل عمر بن عبد العزيز الجراح بن عبد الله عن خراسان، وولاها عبد الرحمن بن نعيم القشيري، فكانت ولاية الجراح بخراسان سنة وخمسة أشهر، قدمها سنة تسع وتسعين، وخرج منها لأيام بقيت من شهر رمضان سنة مئة (٢) . (٦: ٥٥٨) .

    1. (٢)قلنا: ثم ذكر الطبري رواية مطولة ذكرناها في قسم الضعيف ففي إسنادها مجاهيل ومتروك وفي المتن نكارة ونظرًا لأهمية هذه الرواية فقد بحثنا طويلًا في المصادر التاريخية المتقدمة ثم درسنا ما كتب المعاصرون حول هذه المسألة فوجدنا عجبًا وتوصلنا في النهاية إلى درة من درر التاريخ الإسلامي. وتوكيدًا لمقولتنا التي ذكرنا ها مرارًا وهي كالآتي: إن مجرد وجود الروايات المختلقة والمكذوبة والتي سماها الطبري (المستشفة) وعدم تمييزها إلى صحيح وضعيف وبقاءها هكذا لقرون طويلة جعل الناس يعتقدون بصحة ما ورد فيها ومنها مسألة الباب هنا وكما يقول المؤرخ العلامة شاكر رحمه الله تعالى في موسوعة التاريخ الإسلامي واتهم الخلفاء الأمويون أنهم كانوا يبقون الجزية على من أسلم حرصًا على = = دخل بيت المال. وصدق شاكر رحمه الله فإن عددًا من كتاب الغرب المهتمين بالتاريخ ومعهم بعض المؤرخين من بني جلدتنا قالوا بذلك. يقول أستاذان للتاريخ الإسلامي والعربي وهما يقدمان لسفر كبير من أسفار التاريخ الإسلامي: (والباحث في تاريخ العصر الأموي يجد أن السلطات الأموية لم تشجع في الغالب على الدخول في الإسلام لأسباب مالية وإذا لم تكن السلطة قد تولت نشر الإسلام فمن يتولى ذلك؟ ). وقبل أن نفند هذه التهمة من أساسها نودُّ أن نذكر دفاعًا جميلًا للأستاذ شاكر رحمه الله تعالى إذ يقول: إن وضع الجزية عمن أسلم أمر شرعي فهل يجرؤ الخليفة على التساهل فيه؟ وأين دور العلم؟ ... إن كل ما حدث أن الجراح بن عبد الله الحكمي عامل عمر بن عبد العزيز على خراسان قد أخذ الجزية من جماعة ثم أسلموا فلم يُعِدْ لهم ما أخذ منهم فأرسل إليه الخليفة قولته المشهورة: "إن الله قد بعث محمدًا هاديًا ولم يبعثه جابيًا" [التاريخ الإسلامي (٤: ٣٦)]. وأما دفاعنا عن هذه المسألة فكالآتي وبالله التوفيق: لم يثبت لا من طريق صحيح ولا حسن ولا من مظان الحسن أن الجراح بن عبد الله الحكمي قد فعل ذلك بل العكس صحيح والرواية الصحيحة في ذلك منقبة من مناقب الجراح ثم درة من درر التاريخ الإسلامي والفتح الإسلامي. إن الكذابين والوضاعين والمتروكين يتجهون دائمًا نحو أبرز قادة الفتح ليلصقوا بهم التهم ابتداءً من سيدنا خالد بن الوليد وانتهاءً بالجراح وقتيبة بن مسلم وغيرهم. فالجراح رحمه الله كان صالحًا عابدًا مجاهدًا محبًا للشهادة في سبيل الله (كما سنذكر ضمن أحداث سنة ١١٢ هـ) ولكن أصحاب الأهواء والمتروكين أبوا إلَّا أن ينسجوا حوله الأكاذيب - ولعلّ أصحّ رواية تاريخية في هذا الباب هو ما أخرجه الإمام ابن سعد في طبقاته تبين حقيقة الأمر حتى يتبين للقارئ مدى التعريف والتشويه الذي أدخله المجاهيل والمتروكون على الواقعة التاريخية: قال ابن سعد؛ حدثنا أحمد بن محمد بن الوليد (وهو من شيوخ ابن سعد الثقات) قال: حدثنا عبد الرحمن بن حسن (من شيوخ الشافعي): عن أبيه (الحسن بن القاسم الأزرق) من رواة الشافعي غير سثمهور: أن عمر بن عبد العزيز كتب وهو خليفة إلى عامله على خراسان الجراح بن عبد الله بن الحكم يأمره أن يدعو أهل الجزية إلى الإسلام فإن أسلموا قبل إسلامهم ووضع الجزية عنهم وكان لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين فقال له رجل من أشراف أهل خراسان: إنه والله ما يدعوهم إلى الإسلام إلَّا أن توضع عنهم الجزية فامتحنهم بالختان، فقال: أنا أردهم عن الإسلام بالختان؟ هم لو قد أسلموا فحسن إسلامهم كانوا إلى الطهرة أسرع فأسلم على يده نحو من أربعة آلاف. [الطبقات الكبرى (٥: ٣٨٦)]. أين هذه الرواية من الرواية الملفقة التي اختلطت بافتراءات المتروك الكذاب علي بن مجاهد = = الكابلي [الطبري (٥٥٨: ٦)]. وهذا يعني أن هذه الحادثة من مناقب الجراح ثم عمر بن عبد العزيز ثم جوهرة من جواهر التاريخ الإسلامي والحمد لله أولًا وآخرًا. هذا بالنسبة للجراح بن عبد الله، وأما بالنسبة لغير الجراح فقد حصلت حادثة أخرى مشابهة ولكن في الغرب الإسلامي وبالتحديد في مصر وذلك في عهد عمر بن عبد العزيز يوم أن كان الوالي من قبله هو حيان بن شريح فلعلّ بعض الأخباريين قد خلط بين الروايتين بينما حدثت إحداهما في أقصى الشرق في خراسان والأخرى في مصر في الغرب من العاصمة دمشق وكلا الروايتين من مفاخر التاريخ الإسلامي أما الأولى فقد ذكرناها وأما الثانية فقد أخرج ابن سعد قال: أخبرنا سعيد بن منصور قال: حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن: عن أبيه: أن حيان بن شريح عامل عمر بن عبد العزيز على مصر كتب إليه أن أهل الذمة قد أسرعوا في الإسلام وكسروا الجزية، فكتب إليه عمر أما بعد: فإن الله بعث محمدًا داعيًا ولم يبعثه جابيًا فإذا أتاك كتابي هذا فإن كان أهل الذمة أسرعوا في الإسلام وكسروا الجزية فاطو كتابك وأقبل. [الطبقات الكبرى (٥: ٣٨٤). ورجال هذا الإسناد ثقات، وهذا من مناقب عمر بن عبد العزيز وهذه الرواية تدل على أن الأمويين لم يأخذوا الجزية أو لم يعيدوها على من أسلموا وإنما خطر على بال الوالي على مصر أن يفعل ذلك ولكن استأذن الخليفة العادل في ذلك فلم يأذن له. والحمد لله على نعمة الإسناد.
    ج ٤ ص ٢٤٣
  2. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    ج ٤ ص ٢٤٤