الجدل الدائر حول شخصية الخليفة يزيد بن عبد الملك وسيرته
٤ فقرات، ج ٤ ص ٢٧٠
- ج ٤ ص ٢٧٠
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، ثم عزله وولّى سعيد بن سليمان بن زيد بن ثابت حتى مات يزيد. الموسم: سنة إحدى واثنتين وثلاث ومئة عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهري، وسنة أربع عبد الواحد النضري. الصائفة: عبد الرحمن بن سليم الكلبي حتى مات يزيد. الشرط: كعب بن حامد العبسي حتى مات. الخراج والجند والرسائل: "صالح بن جبير الغداني ثم عزله وولّى أسامة بن زيد" مولى لأهل اليمن. الخاتم والخزائن وبيوت الأموال: مطير مولاه. قال حاتم بن مسلم: على الخاتم أسامة بن زيد. الحرس: غيلان ختن أبي معن. قال حاتم: وعلى الحرس أبو مالك السكسكي. حاجبه: خالد مولاه. [تأريخ خليفة بن خياط / ٢١٣ - ٢١٥]. الجدل الدائر حول شخصية الخليفة يزيد بن عبد الملك وسيرته بعد مراجعتنا المتكررة ودراستنا الحثيثة وبإشراف أساتذتنا الأفاضل توصّلنا إلى نتيجة تُسرُّ كل باحث جاد وملتزم يروم الوصول إلى الحقيقة التأريخية، والنتيجة هي أن يزيد بن عبد الملك هو الخليفة المفترى عليه من قبل المتروكين والوضاعين والكذابين الذين ألّفوا حول سيرته الشائعات فجمعها الجمّاعون حتى وصلت إلى أمهات كتب التأريخ وهي تلفيقات لا أصل لها وسنتطرق إليها واحدة تلو الأخرى: أولًا: قصة تعلّق يزيد بن عبد الملك بالجاريتين حبابة وسلامة قصة غير صحيحة سندًا ولا متنًا وللأسباب الآتية: أ - لم ترد من طريق مسند موصول صحيح ولا حسن ولا من مظان الحسن ولا خفيف الضعف. وأصلها في مصدرين تأريخيين متقدمين الأول تأريخ الطبري وقد أخرجه الطبري معضلًا عن المدائني، والمدائني ولد بعد وفاة يزيد بن عبد الملك بربع قرن من الزمان أو أكثر- والمصدر الثاني هو أنساب الأشراف للبلاذري الذي روى هذا الخبر من طريق متروكين كذابين كابن جعدية والهيثم بن عدي وغيرهما فكيف نعتمد على وضاعين ومتروكين في إثبات هذه التهمة على خليفة حكم الأمة لسنين ولم نسمع عالمًا من علماء الأمة كالحسن البصري وغيره يذكر هذه الحادثة علمًا بأن العلماء لم يتوانوا عن نهي الأمراء عن المنكر وتنبيههم إلى كل مخالفة شرعية، والروايات التأريخية شاهدة على ذلك بل إن كثيرًا من هؤلاء العلماء تعرضوا للسجن أو الضرب لكثرة انتقادهم للأئمة الظلمة فكيف سكتوا عن هذه =
- ج ٤ ص ٢٧١
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = المسألة ولم يذكرها إلا الرواة المتروكون أو الكذابون الهالكون وكذلك أخرج ابن عساكر رواية هذه القصة من طرق لا تخلو من مجهول أو مجهولين. ب - هذه الروايات المكذوبة تذكر أنه رحمه الله توفي كمدًا وهمًا وغمًّا على وفاة تلك الجارية بينما الرواية التأريخية المسندة الموصولة عند ابن عساكر تذكر أنه مات بالسلّ، والسلّ مرض عضوي عبارة عن التهاب الرئتين بالجرثومة المعروفة - وأعراضها معروفة لدى الناس وخاصة أنها كانت يومها مستعصية على العلاج [انظر تأريخ دمشق / مجلد ٥٦/ ٨٣١٣]. ج - لماذا كل هذا التبذّل والتمسكن والمذلة من خليفة يحكم شطر العالم ومن أجل جارية؟ وباستطاعة الخليفة أن يتزوج أجمل منها وأحسن منها وهو أمير المؤمنين وخليفة المسلمين الذي تتمناه كل فتاة جميلة ومن أرفع وأنبل العوائل - ألا إنه خيال المتروكين الذين لم يكن لهم همّ إلّا الوضع في مثالب أئمة المسلمين. د - وأخيرًا فإن المصادر التأريخية كلها تشهد بأن الخليفة يزيد بن عبد الملك واجه أكبر خطرين هددا الخلافة يومها. الأول: هو الخطر الداخلي الذي تمثل بحركة التمرد التي قادها يزيد بن المهلب الذي استولى على البصرة وأرسل نوابه في الأصقاع (الكوفة- واسط- خراسان- الأهواز) واشتدت شوكته فجرد له الخليفة جيشًا بقيادة أخيه مسلمة ودحره دحرًا مبينًا. وأما الخطر الثاني: فهو خطر الأقوام المتاخمة لحدود الخلافة في الشمال الشرقي سواء كانوا تركًا أو صغدًا أو من عاونهم وقد جرّد لهم الجيوش القوية وخاض المسلمون في عهده غمار حروب دامية هناك انتهت بانتصار المسلمين وهزيمة أعدائهم شرّ هزيمة ولو كان الخليفة يزيد غارقًا في اللهو والحب والهيام والغرام فكيف استطاع أن يحزم أمره ويواجه تلك المصاعب الداخلية والخارجية في آن واحد وأن يقود الأمة إلى برّ الأمان ويسلّمها إلى الخليفة الحازم العادل من بعده هشام بن عبد الملك؟ ولا نقول أكثر من هذا في ردّ هذه الشبهة. ثانيًا: التغييرات الإدراية (من عزل وتنصيب) والتي قام بها يزيد بن عبد الملك كانت هادفة وفي مصلحة الأمة كما سنبين: تذكر المصادر التأريخية كما بيّنا آنفًا أن بزيد بن عبد الملك أمر بعزل سعيد المعروف بخذينة ونصب مكانه سعيد بن عمرو الحرشي واليًا على خراسان وكان سعيد هذا بطلًا من أبطال الفتح المشهورين فانزعج منه الترك وخافوه خوفًا شديدًا وتقهقروا من بلاد الصفد إلى ما وراء ذلك من بلاد الصين وغيرها (انظر البداية والنهاية ٧/ ٣٦٦). وهذا يعني أن الإداري الجديد أزاح خطرًا كبيرًا عن حدود الخلافة الإسلامية آنذاك. ثم إن يزيد بن عبد الملك أرسل أخاه مسلمة بن عبد الملك على رأس جيش كبير لدحر تمرد يزيد بن المهلب وإخماد نار الفتنة في العراق وما جاورها ففعل ذلك بنجاح فولّاه العراق حتى هدأت الأوضاع هناك ثم عزله في نهاية سنة (١٠٢ هـ). =
- ج ٤ ص ٢٧٢
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = بعد أن خمدت نار الفتنة والمعروف عن مسلمة أنه قائد عسكري يستطيع أن يدير الولاية في حالات الطوارئ والحرب وكذلك ولّاه من بعد يزيدًا أخوه هشام مرارًا قيادة الجيوش الفاتحة أي أن يزيدًا كان يضع الرجل المناسب في المكان المناسب. وهذا مثال ثالث: فالمصادر التأريخية تذكر أن الخليفة يزيد بن عبد الملك عزل والي المدينة عبد الرحمن بن الضحاك لهفوة بدت منه وعيّن مكانه عبد الواحد النضري والذي أبدى بدوره سيرة حسنة في الناس وعدلًا وتسامحًا وكان يشاور في أمره كله علماء المدينة يومها من أمثال القاسم وسالم [وانظر الطبري ٧/ ١٤] وأخيرًا فإن الخلفاء من قبل يزيد ومن بعده عزلوا وعيّنوا مرارًا لمصلحة راجحة بدت لهم فكان ماذا؟ ثالثًا: على عكس ما تصوره الروايات الملفقة فإن الروايات التأريخية الصحيحة تبيّن أن الخليفة يزيد بن عبد الملك كان يجالس العلماء ويحضر حلقات دروسهم ويتواضع لهم فقد روى الوليد بن مسلم عن ابن جابر قال: بينما نحن عند مكحول إذ أقبل يزيد بن عبد الملك فهممنا أن نوسع له فقال مكحول: دعوه يجلس حيث انتهى به المجلس يتعلم التواضع [البداية والنهاية ٧/ ٣٦٩] [ابن عساكر ١٨/ ٣٣٩]. رابعًا: إن جيوش الخلافة في عهد أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك كانت تدك قلاع الكفر شرقًا وغربًا وتفتح الأقاليم أمام الدعوة الإسلامية وتلك من مزايا يزيد بن عبد الملك الحسنة رحمه الله تعالى ففي عهده أغزى بشر بن صفوان (والي إفريقية) عمرو بن فاتك الكلبي في البحر فغنم وسلم وذلك سنة أربع ومئة (تأريخ خليفة / ٣٣٨) وفي عهده غزا القائد الفاتح الجراح الحكمي حدود أرمينية وفتح الله على يديه (بلنجر) وهزم ابن خاقان الترك في معركة ضارية على نهر أرّان ثم صالح أهلها وسار نحو ورثان في حدود أذربيجان (خليفة / ٣٣٨) وتوغّل الجراح في تلك البلاد حتى أتى مدائن من وراء بلنجر ففتح بعضها وأجلى بعضها وذلك سنة (١٠٥) هـ وانظر خليفة (٣٣٩) ولقد تحدثنا عن هذه المعارك أثناء تخريجنا لروايات الطبري المتعلقة بعهد الخليفة يزيد فلا داعي للتكرار أكثر من ذلك. خامسًا: لماذا لم يحافظ يزيد بن عبد الملك على المستوى الرفيع الذي رجعت إليه إدارة الخلافة أيام ابن عبد العزيز؟ صحيح أن يزيد بن عبد الملك لم يحافظ على ذلك المستوى اللائق بالخلافة ولكن لماذا؟ أما قول من قال بأن يزيد بن عبد الملك عمد إلى كل ما صنعه عمر بن عبد العزيز من قبله مما لا يوافق هواه فردّه فهذا غير صحيح وبحثت عن أصل هذا القول فوجدته عند البلاذري وقد أخرجه من طريق المدائني عن أبي جزي وأبو جزي هذا متروك كذاب [قال فيه ابن معين: من المعروفين بالكذب ووضع الحديث وقال النسائي والرازي والدارقطني: متروك. وقال الفلاس: أجمع أهل العلم بالحديث أنه لا يروى عن جماعة أحدهم نصر بن طريق (أبي جزي) وقال ابن حبان لا يجوز الاحتجاج به وقال أحمد لا يكتب حديثه! ! ! فبالله عليكم =
- ج ٤ ص ٢٧٣
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = كيف يعتمد على كذاب وضاع متروك في إثبات هذه التهمة؟ ؟ ؟ ولقد أراد الرجل أن يسير بسيرة عمر بن عبد العزيز في بداية عهده ولكنه توقف وأخفق فلم يكن صاحب همة عالية كسلفه ولم يكن وازع التقوى عنده قويًّا كسلفه أضف إلى ذلك أن ابتعاد العلماء عن مجلس حكمه كان عاملًا آخر يضاف إلى العوامل الأخرى، والحق يقال فإن عمر بن عبد العزيز لم يرتفع إلى ذلك المستوى الرفيع بجهوده الفردية، وإنما كان حوله كوكبة من العلماء والقضاة شكلوا بطانة صالحة ومجلس شورى يعينونه على العدل والإحسان وإنصاف المظلوم، والحق يقال فإن التأريخ السياسي الإسلامي ليس تأريخ أسرة بعينها [أموية كانت أو عباسية] وإنما هو تأريخ الأمة بأسرها؛ شارك في تسطير صفحاته العلماء والأمراء والسواد الأعظم من ورائهم. وخلاصة القول: إن الخليفة يزيد بن عبد الملك كان شديدًا على أعداء الله في الخارج، وشديدًا على الخوارج وغيرهم من أهل البدع في الداخل؛ فلا غرابة أن ينسج المتروكون من أهل البدع روايات وأغاليط في مثالبه وينشروها بين الناس حتى تصل إلى أسماع الأخباريين الذين كان همّهم الجمع سامحهم الله دون تمييز الروايات إلى غث وسمين والله المستعان. ولا ذنب للرجل في كل ما اتهموه به سوى أنه جاء من بعد خليفة عادل أطبقت شهرته الآفاق- وأراد يزيد أن يسلك مسلك سلفه ولكنه لم يستطع أن يرتفع إلى ذلك الأفق الرفيع الذي بلغه عمر بن عبد العزيز ولكنه كذلك لم يتدنّى إلى ذلك المستوى الهابط كما تصوره روايات التالفين الهالكين. وهذا مثال آخر يؤكد ما قلنا - فقد ارتفعت قيادة الأمة مرة أخرى في عهد هشام بن عبد الملك إلى مستوى مرموق لعدّة عوامل منها همة الخليفة هام وحزمُهْ وإرادته القوية إضافة إلى كوكبة من العلماء البارزين أحاطوا به كالسوار أو انبروا للتربية والتعليم الطوعي والمنظم فالزهري لازمه طيلة حكمه والحسن البصري كان موجهًا للجماهير في البصرة وميمون بن مهران في الجزيرة وغير واحد في الحجاز كما سنذكر في حينه- أمّا في عهد يزيد بن عبد الملك فإنه كان يتودد إلى العلماء ويحضر حلقات دروسهم ولكنهم يبتعدون عنه ولعلَّ قرابته من الحجاج أخافت الناس والعلماء فابتعدوا عنه ولعل أسبابًا أخرى، ولكن لله ثم للتأريخ نقول: إن ابتعاد العلماء عن مجلسه كان عاملًا آخر أوهن في عزيمة يزيد وبدلًا من العلماء أحاط به بعض الوصوليين الذين لم يعينوه على ما أعين عليه ابن عبد العزيز وهذه أسباب من القدر الكوني التأريخي: أخرج يعقوب بن سفيان البسوي من طريق سعيد عن ضمرة عن رجاء قال: قدم يزيد بن عبد الملك إلى بيت المقدس فأراد رجاء بن حيوة على أن يصحبه فأبى واستعفى- فقال له عقبة بن وساج: إن الله ينفع بمكانك قال إن أولئك الذين تريدون قد ذهبوا". [المعرفة والتأريخ ٢/ ٣٧٠] علمًا بأن يزيد كان يتودد إلى رجاء ويجزل له العطاء فقد أخرج يعقوب بن سفيان قال: حدئني سعيد بن أسد قال حدثنا ضمرة عن رجاء بن =