ثم دخلت سنة عشر ومئة ذكر ما كان فيها من الأحداث
٥ فقرات، ج ٤ ص ٢٨٢
- ج ٤ ص ٢٨٢
فمما كان فيها من ذلك غزوة مسلمة بن عبد الملك التّرك؛ سار إليهم نحو باب اللّان حتى لقيَ خاقان في جموعه، فاقتتلوا قريبًا من شهر، وأصابهم مطر
ج ٤ ص ٢٨٣شديد، فهزم الله خاقان، فانصرف، فرجع مَسْلمة فسلك على مسجد ذي القرنين (١) .
- (١)هكذا قال الطبري وقال خليفة عن أبي خالد (ضعيف) عن أبي البراء النميري قال: قصد مسلمة إلى تلميس فلقي طاغية الخزر في جمع كثير قريبًا من الباب فاقتتلوا أيامًا كثيرة ثم هزمهم الله وذلك يوم الخميس لسبع خلون من جمادى الآخرة سنة عشر ومئة (تاريخ خليفة / ٢١٩) ثم قال خليفة نقلًا عن أبي البراء أنه قال: حدثني عبد الله بن أسيد الكلابي أن مسلمة قفل من باب اللّان فلقيه الخزر فناوشوه حتى حجز بينهم الليل وقفل مسلمة سالمًا (تأريخ خليفة / ٢١٩) ونقل خليفة عن ابن الكلبي كذلك أنه قال: كان قتال مسلمة إياهم نحوًا من شهر في مطر شديد ثم هزمهم الله (تأريخ خليفة / ٢١٩) وقال ابن الجوزي ما قاله الطبري كعادته ولكن دون ذكر لمسجد ذي القرنين (المنتظم ٧/ ١٣٥) وانظر البداية والنهاية (٧/ ١٩٠) [تأريح الإسلام / ٢٠].
-
وفيها غزا - فيما ذكر - معاوية بن هشام أرض الروم ففتح صماله وفيها غزا الصائفة عبد الله بن عقبة الفهري وكان على جيش البحر فيما ذكر الواقدي - عبد الرحمن بن معاوية بن خديج (٢) .
قال عليّ: وخرج أشْرس غازيًا فنزل آمُل، فأقام ثلاثة أشهر، وقدّم قطَن بن قُتَيبة بن مسلم فعبر النهر في عشرة آلاف، فأقبل أهل الصُّغْد وأهلُ بُخارى؛ معهم خاقان والترك، فحصروا قطَن بن قتيبة في خَنْدقه، وجعل خاقان ينتخب كلّ يوم فارسًا، فيعبرُ في قطعة من الترك النهر. وقال قوم: أقحموا دوابَّهم عُرْيًا، فعبروا وأغاروا على سرْح الناس، فأخرج أشرس ثابت قُطْنة بكفالة عبد الله بن بِسْطام بن مسعود بن عمرو، فوجّهه مع عبد الله بن بسطام في الخيل فاتبعوا الترك، فقاتلوهم بآمُل حتى استنقذوا ما بأيديهم؛ ثم قطع الترك النهر إليهم راجعين، ثم عبر أشرس بالناس إلى قطن بن قتيبة، ووجّه أشرس رجلًا يقال له مسعود - أحد بني حَيّان - في سريّة، فلقيهم العدوّ، فقاتلوهم، فأصيب رجال من المسلمين وهزِم مسعود؛ حتى رجع إلى أشرس، فقال بعض شعرائهم:
خابَتْ سَرِيَّة مَسْعُودٍ وما غَنِمَتْ ... إلا أَفانِينَ من شَدٍّ وتَقْريبِ
ج ٤ ص ٢٨٤حَلُّوا بأَرضٍ قِفَارٍ لا أَنِيسَ بها ... وَهُنَّ بالسَّفح أمثالُ اليعاسيبِ
وأقبل العدوّ، فلما كانوا بالقرب لقيَهم المسلمون فقاتلوهم، فجالوا جَوْلة، فقتل في تلك الجوْلة رجال من المسلمين، ثم كرّ المسلمون وصبروا لهم، فانهزم المشركون، ومضى أشرس بالناس؛ حتى نزل بيكند، فقطع العدوّ عنهم الماء، فأقام أشرس والمسلمون في عسكرهم يومهم ذلك وليلتهم، فأصبحوا وقد نفد ماؤهم، فاحتفروا فلم يُنبطوا، وعطشوا فارتحلوا إلى المدينة التي قطعوا عنهم المياه منها، وعلى مقدّمة المسلمين قطن بن قُتيبة، فلقيهم العدوّ فقاتلوهم، فجهدوا من العطش، فمات منهم سبعمئة، وعجز الناس عن القتال، ولم يبقَ في صفّ الرّباب إلا سبعة، فكاد ضرار بن حصين يؤسَرُ من الجهد الذي كان به، فحضّ الحارث بن سُريج الناس، فقال: أيها الناس، القتل بالسيف أكرم في الدنيا وأعظم أجرًا عند الله من الموت عطشًا. فتقدّم الحارث بن سُريج وقَطَن بن قُتيبة وإسحاق بن محمد، ابن أخي وكيع في فوارس من بني تميم وقيس، فقاتلوا حتى أزالوا الترك عن الماء، فابتدره الناس فشربوا وارتووا.
قال: فمرّ ثابت قُطنة بعبد الملك بن دثار الباهليّ، فقال له: يا عبد الملك، هل لك في آثار الجهاد؟ فقال: أنظرني ريثما أغتسل وأتحنّط، فوقف له حتى خرج ومضيا، فقال ثابت لأصحابه: أنا أعلم بقتال هؤلاء منكم، وحضّهم، فحملوا على العدوّ، واشتدّ القتال، فقُتِل ثابت في عدّة من المسلمين؛ منهم صخر بن مسلم بن النعمان العبديّ وعبد الملك بن دثار الباهليّ والوجيه الخُراسانيّ والعقّار بن عقبة العوديّ. فضمّ قطن بن قتيبة وإسحاق بن محمد بن حسان خيلًا من بني تميم وقيس؛ تبايعوا على الموست، فأقدموا على العدوّ، فقاتلوهم فكشفوهم؛ وركبهم المسلمون يقتلونهم؛ حتى حجزهم الليل، وتفرّق العدوّ. فأتى أشرس بُخارى فحصر أهلها (١) .
قال عليّ بن محمد، عن عبد الله بن المبارك: حدّثني هشام بن عُمارة بن
ج ٤ ص ٢٨٥القعقاع الضبيّ عن فُضيل بن غَزْوان، قال: حدّثني وجيه البُنانيّ ونحن نطوف بالبيت، قال: لقيَنا الترك، فقتلوا منّا قومًا، وصُرعتُ وأنا أنظر إليهم، يجلسون فيستقُون حتى انتهوا إليّ، فقال رجل منهم: دعوه فإن له أثرًا هو واطئه، وأجلًا هو بالغُه؛ فهذا أثر قد وطئته، وأنا أرجو الشهادة. فرجع إلى خراسان؛ فاستشهد مع ثابت (١) .
قال: فقال الوازع بن مائق: مرّ بي الوجيه في بغلين يوم أشرس، فقلت: كيف أصبحت يا أبا أسماء؟ قال: أصبحتُ بين حائر وحائز؛ اللهمّ لفّ بين الصفين؛ فخالط القوم وهو متنكّب قوسه وسيفه، مشتمل في طَيلسان واستُشهد، واستُشهد الهيثم بن المنخّل العبديّ (٢) .
قال عليّ، عن عبد الله بن المبارك، قال: لما التقى أشرس والترك، قال ثابت قُطْنة: اللهمّ إنّي كنت ضيف ابن بسطام البارحة، فاجعلني ضيفَك الليلة؛ والله لا ينظر إليّ بنو أمية مشدودًا في الحديد؛ فحمل وحمل أصحابُه، فكذب أصحابُه وثبت؛ فرُمِيَ بِرْذونه فشبّ، وضربه فأقدم، وضُرب فارتُثّ: فقال وهو صريع: اللهمّ إني أصبحتُ ضيفًا لابن بسطام، وأمسيت ضيفك؛ فاجعل قِرايَ من ثوابك الجنة (٣) .
- (٢)قال خليفة: وفيها غزا معاوية بن هشام أرض الروم وافتتح حصنين من حصونهم صملة والبوة [تأريح خليفة / ٢١٩] وذكر ابن الجوزي ما ذكره الطبري (المنتظم ٧/ ١٣٥) وانظر البداية والنهاية (٧/ ١٩٠) وانظر تأريخ الإسلام للذهبي [المجلد السابق / ٢١].
- (١)هذا الخبر أخرجه الطبري من طريق المدائني الذي لم ينسبه إلى أحدٍ من شيوخه والروايات التالية المسندة والموصولة منها تتعاضد معًا لتؤكد أصل القصة والله أعلم.
- (١)أما المدائني فصدوق وابن المبارك هو الإمام الثبت الثقة وهشام بن عمارة ترجم له ابن أبي حاتم وقال روى عنه ابن المبارك وذكره ابن حبان في الثقات وفضيل بن غزوان ثقة من كبار السابعة توفي بعد ١٤٠ هـ.
- (٢)لم يبيّن الطبري من روى هذا الخبر عن الوازع هل هو الفضيل بن غزوان أم المدائني ولكن أصل الخبر من استبسال وجيه البناني واسثشهاده يؤيده الخبر.
- (٣)وهذه هي الرواية الرابعة ذكرها الطبري من طريق المدائني عن الإمام المحدث ابن المبارك وقد أرسله ابن المبارك (هنا) والمتن يؤيد ما ذكره المدائني في الرواية (٥٥) معضلًا من استبسال ثابت فطنة واستشهاده رحمه الله تعالى والروايات بمجموعها تتعاضد والله أعلم.
-
وفي هذه السنة جعل خالد بن عبد الله الصّلاة بالبصرة مع الشّرْطة؛ والأحداث والقضاء إلى بلال بن أبي بُردة؛ فجمع ذلك كلّه له، وعزل به ثُمامة بن عبد الله بن أنس عن القضاء (٤) .
- (٤)انظر قوائم الولاة والقضاة في نهاية عهد هشام.
- ج ٤ ص ٢٨٦
وحجّ بالناس في هذه السنة إبراهيم بن هشام بن إسماعيل؛ كذلك قال أبو معشر والواقديّ وغيرهما؛ حدّثني بذلك أحمد بن ثابت عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر (١) .
- (١)وكذلك قال خليفة بن خياط (تاريخ خليفة / ٢١٩).
-
وكان العامل في هذه السنة على المدينة ومكة والطائف إبراهيم بن هشام، وعلى الكوفة والبصرة والعراق كلها خالد بن عبد الله، وعلى خُراسان أشرس بن عبد الله (٢) .
- (٢)انظر قوائم الولاة في نهاية عهد هشام.