[مدين وشعيب]
٥ فقرات، ج ١ ص ٢٨٢
- ج ١ ص ٢٨٢
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَينَا بِعَزِيزٍ (٩١) قَال يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢) وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٩٣) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّينَا شُعَيبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ} [هود: ٨٤ - ٩٥]. وقال في الحجر بعد قصة قوم لوط أيضًا: {وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيكَةِ لَظَالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (٧٩)}. وقال تعالى في الشعراء بعد قصتهم: {كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَال لَهُمْ شُعَيبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إلا عَلَى رَبِّ الْعَالمِينَ (١٨٠) أَوْفُوا الْكَيلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إلا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَينَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧) قَال رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ} [الشعراء: ١٧٦ - ١٩١]. [مدين وشعيب]: كان أهل مدين قومًا عربًا يسكنون مدينتهم "مدين" التي هي قريبة من أرض معان من أطراف الشام، مما يلي ناحية الحجاز قريبًا من بحيرة قوم لوط، وكانوا بعدهم بمدة قريبة، ومدين قبيلة عُرفت بهم، وهم من بني مدين بن مديان بن إبراهيم الخليل. وشعيب نبيهم هو ابن ميكيل بن يشجن. وذكره ابن إسحاق. قال: ويقال له بالسريانية "يترون" وفي هذا نظر. ويقال: شعيب بن يشخر بن لاوي بن يعقوب، ويقال: شعيب بن نويب بن عيفا بن مدين بن إبراهيم، ويقال: شعيب بن صيفر بن عيفا بن ثابت بن مدين بن إبراهيم، وقيل غير ذلك في نسبه. قال ابن عساكر: ويقال جدته، ويقال: أمه، بنت لوط. وكان ممن آمن بإبراهيم وهاجر معه ودخل معه دمشق. وعن وهب بن منبه أنه قال: شعيب وملغم ممن آمن بإبراهيم يوم أحرق بالنار، وهاجر معه إلى الشام، فزوجهما بينتي لوط - عليه السلام -. ذكره ابن قتيبة. وفي هذا كله نظر، والله تعالى أعلم. وذكر أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة سلمة بن سعد العنزي: أنه قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسلم وانتسب إلى عنزة، فقال: "نعم الحي عنزة، مبغي عليهم منصورون رهط شعيب وأَخْتان موسى". فلو صح هذا لدل على أن شعيبًا صهر موسى وأنه من قبيلة من العرب العاربة يقال لهم عنزة، =
- ج ١ ص ٢٨٣
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = لا أنهم من عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عبدنان، فإن هؤلاء بعده بدهر طويل، والله أعلم. وفي حديث أبي ذر الذي في صحيح ابن حبان في ذكر الأنبياء والرسل قال: "أربعة من العرب: هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر". وكان بعض السلف يسمي شعيبًا "خطيب الأنبياء" ويعني لفصاحته وعلو عبارته وبلاغته في دعاية قومه إلى الإيمان برسالته. وقد روى ابن إسحاق بن بشر عن جويبر ومقاتل، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ذكر شعيبًا قال: "ذاك خطيب الأنبياء". وكان أهل مدين كفارًا يقطعون السبيل ويخيفون المارة، ويعبدون الأيكة، وهي شجرة من الأيك حولها غيضة ملتفة بها. وكانوا من أسوأ الناس معاملة، يبخسون المكيال والميزان، ويطففون فيها، ويأخذون بالزائد ويدفعون بالناقص. فبعث الله فيهم رجلًا منهم وهو رسول الله شعيب - عليه السلام - فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ونهاهم عن تعاطي هذه الأفاعيل القبيحة من بخس الناس أشياءهم، وإخافتهم لهم في سبلهم وطرقاتهم، فآمن به بعضهم وكفر أكثرهم، حتى أحل الله بهم البأس الشديد، وهو الولي الحميد. كما قال تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيبًا قَال يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} أي دلالة وحجة واضحة، وبرهان قاطع على صدق ما جئتكم به وأنه أرسلني، وهو ما أجرى الله على يديه من المعجزات التي لم ينقل إلينا تفصيلها، وإن كان هذا اللفظ قد دخل عليها إجمالًا. {فَأَوْفُوا الْكَيلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا}. أمرهم بالعدل ونهاهم عن الظلم، وتوعدهم على خلاف ذلك فقال: {ذَلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥) وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ} أي: طريق، {تُوعِدُونَ} أي: تتوعدون الناس بأخذ أموالهم من مكوس وغير ذلك وتخيفون السبل. قال السدي في تفسيره عن الصحابة: {وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ} أي أنهم كانوا يأخذون العشور من أموال المارة. وقال إسحاق بن بشر عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: كانوا قومًا طغاة يجلسون على الطريق، يبخسون الناس، يعني يعشرونهم، وكانوا أول من سن ذلك. {وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا} نهاهم عن قطع الطريق الحسية الدنيوية، والمعنوية الدينية. {وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} ذكرهم بنعمة الله تعالى عليهم في تكثيرهم بعد القلة، وحذرهم نقمة الله بهم إن خالفوا ما أرشدهم إليه ودلهم عليه. كما قال لهم في القصة الأخرى: {وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَال وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ} أي: لا تركبوا ما أنتم عليه وتستمروا =
- ج ١ ص ٢٨٤
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = فيه فيمحق الله بركة ما في أيديكم، ويفقركم ويذهب ما به يغنيكم. وهذا مضاف إلى عذاب الآخرة، ومن جمع له هذا وهذا، فقد باء بالصفقة الخاسرة! . فنهاهم أولًا عن تعاطي ما لا يليق من التطفيف وحذرهم سلب نعمة الله عليهم في دنياهم، وعذابه الأليم في أخراهم، وعنَّفهم أشد تعنيف. ثم قال لهم آمرًا بعدما كان عن صدِّه زاجرًا: {وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَال وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيكُمْ بِحَفِيظٍ}. قال ابن عباس والحسن البصري: {بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيرٌ لَكُمْ} أي: رزق الله خير لكم من أخذ أموال الناس. وقال ابن جرير: ما يفضل لكم من الربح بعد وفاء الكيل والميزان: خير لكم من أخذ أموال الناس بالتطفيف. قال: وقد روي هذا عن ابن عباس. وهذا الذي قاله وحكاه حسن، وهو شبيه بقوله تعالى: {قُلْ لَا يَسْتَوي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ} يعني أن القليل من الحلال خير لكم من الكثير من الحرام، فإن الحلال مبارك وإن قل، والحرام ممحوق وإن كثر، كما قال تعالى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ}. وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الربا وإن كثر فإن مصيره إلى قل" رواه أحمد. أي إلى قلة. وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما". [مسند أحمد / ٣٧٥٤ و ٥٣١٤] و [البخاري / ٣٤/ ١٩ / ٤٢]. والمقصود أن الربح الحلال مبارك فيه وإن قل، والحرام لا يجدي وإن كثر. ولهذا قال نبي الله شعيب: {بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}. وقوله: {وَمَا أَنَا عَلَيكُمْ بِحَفِيظٍ} أي افعلوا ما آمركم به ابتغاء وجه الله ورجاء ثوابه، لا لأراكم أنا وغيري. {قَالُوا يَاشُعَيبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} يقولون هذا على سبيل الاستهزاء والتنقص والتهكم: أصلاتك هذه التي تصليها، هي الآمرة لك بأن تحجر علينا فلا نعبد إلا إلهك؟ ونترك ما يعبد آباؤنا الأقدمون وأسلافنا الأولون؟ أو ألا نتعامل إلا على الوجه الذي ترتضيه أنت، ونترك المعاملات التي تأباها، وإن كنا نحن نرضاها؟ . {إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} قال ابن عباس وميمون بن مهران وابن جريج وزيد بن أسلم وابن جرير: يقول ذلك أعداء الله على سبيل الاستهزاء. {قَال يَاقَوْمِ أَرَأَيتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إلا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إلا بِاللَّهِ عَلَيهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيهِ أُنِيبُ}. هذا تلطف معهم في العبارة، ودعوة لهم إلى الحق بأبين إشارة. يقول لهم: أرأيتم أيها المكذبون {إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي} أي على أمر بيّن من الله تعالى أنه أرسلني إليكم، {وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا} يعني النبوة والرسالة، يعني وعمي عليكم معرفتها، فأي حيلة لي =
- ج ١ ص ٢٨٥
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = فيكم؟ وهذا كما تقدم عن نوح - عليه السلام - أنه قال لقومه سواء. وقوله: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} أي لست آمركم بالأمر إلا وأنا أول فاعل له، وإذا نهيتكم عن الشيء فأنا أول من بتركه. وهذه هي الصفة المحمودة العظيمة، وضدها هي المردودة الذميمة، كما تلبس بها علماء بني إسرائيل في آخر زمانهم، وخطباؤهم الجاهلون، قال تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} وذكرنا عندها في الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "يؤتى بالرجل فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه -أي تخرج أمعاؤه من بطنه- فيدور بها كما يدور الحمار برحاه، فيجمع أهل النار فيقولون: يا فلان، ما لك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى، كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه". [صحيح البخاري / ح ٣٢٦٧] و [مسلم ٥٨/ ٢٩٨٩]. وهذه صفة مخالفي الأنبياء من الفجار والأشقياء، فأما السادة من النجباء، والألباء من العلماء، الذين يخشون ربهم بالغيب، فحالهم كما قال نبي الله شعيب: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إلا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ} أي؟ ما أريد في جميع أمري إلا الإصلاح في الفعال والمقال بجهدي وطاقتي. {وَمَا تَوْفِيقِي} أي في جميع الأحوال {إلا بِاللَّهِ عَلَيهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيهِ أُنِيبُ} أي عليه أتوكل في سائر الأمور، وإليه مرجعي ومصيري في كل أمري. وهذا مقام ترغيب. ثم انتقل إلى نوع من الترهيب فقال: {وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ}. أي لا يحملنكم مخالفتي وبغضكم ما جئتكم به على الاستمرار على ضلالكم وجهلكم ومخالفتكم، فيحل الله بكم من العذاب والنكال، نظير ما أحله بنظرائكم وأشباهكم، من قوم نوح وقوم هود وقوم صالح من المكذبين المخالفين. وقوله: {وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ} قيل معناه: في الزمان، أي ما بالعهد من قدم، مما قد بلغكم ما أحل بهم على كفرهم وعتوهم. وقيل معناه: وما هم منكم ببعيد في المحلة والمكان، وقيل: في الصفات والأفعال المستقبحات، من قطع الطريق، وأخذ أموال الناس جهرة وخفية بأنواع الحيل والشبهات. والجمع بين هذه الأقوال ممكن، فإنهم لم يكونوا بعيدين منهم لا زمانًا ولا مكانًا ولا صفات. ثم مزج الترهيب بالترغيب فقال: {وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ} أي: أقلعوا عما أنتم فيه، وتوبوا إلى ربكم الرحيم الودود، فإنه من تاب إليه تاب عليه، فإنه رحيم بعباده، أرحم بهم من الوالده بولدها: {وَدُودٌ} وهو الحبيب، ولو بعد التوبة على =
- ج ١ ص ٢٨٦
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = عبده، ولو من الموبقات العظام. {قَالُوا يَاشُعَيبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا}. رُوي عن ابن عباس وسعيد بن جبير والثوري أنهم قالوا: كان ضرير البصر. وقد رُوي في حديث مرفوع: أنه بكى من حب الله حتى عمى، فرد الله عليه بصره، وقال: "يا شعيب .. أتبكي خوفًا من النار؟ أو من شوقك إلى الجنة؟ فقال: بل من محبتك، فإذا نظرت إليك فلا أبالي ماذا بصنع بي، فأوحى الله إليه: هنيئًا لك يا شعيب لقائي، فلذلك أخدمتك موسى بن عمران كليمي". رواه الواحدي عن أبي الفتح محمد بن علي الكوفي، عن علي بن الحسن بن بندار، عن عبد الله محمد بن إسحاق الرملي، عن هشام بن عمار، عن إسماعيل بن عباس، عن يحيى بن سعيد، عن شداد بن أوس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحوه. وهو غريب جدًّا، وقد ضعفه الخطيب البغدادي. وقولهم: {وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَينَا بِعَزِيزٍ} هذا من كفرهم البليغ، وعنادهم الشنيع، حيث قالوا: {مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ} أي: ما نفهمه ولا نعقله، لأننا لا نحبه ولا نريده، وليس لنا همة إليه، ولا إقبال عليه. وهو كما قال كفار قريش لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَينِنَا وَبَينِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ}. وقولهم: {وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا} أي: مضطهدًا مهجورًا، {وَلَوْلَا رَهْطُكَ} أي: قبيلتك وعشيرتك فينا {لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَينَا بِعَزِيزٍ}. {قَال يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيكُمْ مِنَ اللَّهِ} أي: تخافون قبيلتي وعشيرتي وترعونني بسببهم، ولا تخافون عذاب الله؟ ولا تراعوني لأني رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فصار رهطي أعز عليكم من الله: {وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا} أي: جانب الله وراء ظهوركم {إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} أي: هو عليم بما تعملونه وما تصنعونه، محيط بذلك كله، وسيجزيكم عليه يوم ترجعون إليه. {وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ}. هذا أمر تهديد شديد ووعيد أكيد، بأن يستمروا على طريقتهم ومنهجهم وشاكلتهم، فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار ومن يحل عليه الهلاك والبوار: {مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} أي في هذه الحياة الدنيا {وَيَحِلُّ عَلَيهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ} أي في الآخرة {وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ} أي مني ومنكم فيما أخبر وبشر وحذر. {وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ} هذا كقوله: {وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَينَنَا وَهُوَ خَيرُ الْحَاكِمِينَ}. {قَال الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَال أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَينَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ =