[من الأمور العجيبة في حياة إسرائيل]

فقرة واحدة، ج ١ ص ٢٨٩

  1. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = وقال تعالى: {وَقَال الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٩٠) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩١) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ}، وهذا في مقابلة قولهم: {لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ}. ثم ذكر تعالى عن نبيهم: أنه نعاهم إلى أنفسهم موبخًا ومؤنبًا ومقرعًا، فقال تعالى: {فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَال يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ} أي أعرض عنهم موليًا عن محلتهم بعد هلكتهم قائلًا: {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ} أي قد أديت ما كان واجبًا عليّ من البلاغ التام والنصح الكامل، وحرصت على هدايتكم بكل ما أقدر عليه وأتوصل إليه، فلم ينفعكم ذلك، لأن الله لا يهدي من ضل وما لهم من ناصرين، فلست أتأسف بعد هذا عليكم، لأنكم لم تكونوا تقبلون النصيحة، ولا تخافون يوم الفضيحة. ولهذا قال: {فَكَيفَ آسَى} أي أحزن {عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ} أي لا يقبلون الحق ولا يرجعون إليه ولا يلتفتون إليه فحلَّ بهم من بأس الله الذي لا يرد ما لا يدفع ولا يمانع، ولا محيد لأحد أريد به عنه، ولا مناص عنه. وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في تاريخه عن ابن عباس: أن شعيبًا - عليه السلام - كان بعد يوسف - عليه السلام -. نبيُّ اللهِ يُوسف - عليه السلام - قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: [من الأمور العجيبة في حياة إسرائيل]: وقد أنزل الله عزَّ وجلَّ في شأنه وما كان من أمره سورة من القرآن العظيم، ليُتدبر ما فيها من الحكم والمواعظ والآداب والأمر الحكيم. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ
    2. (١)إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
    3. (٢)نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَينَا إِلَيكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ} [يوسف: ١ - ٣]. وجملة القول في هذا المقام: أنه تعالى يمدح كتابه العظيم الذي أنزله على عبده ورسوله الكريم، بلسان عربي فصيح، بيّن واضح جلي، يفهمه كل عاقل ذكي، فهو أشرف كتاب نزل من السماء، أنزله أشرف الملائكة على أشرف الخلق في أشرف زمان ومكان، بأفصح لغة وأظهر بيان. فإن كان السياق في الأخبار الماضية أو الآتية أحسنها وأبينها وأظهر الحق مما اختلف الناس فيه، ودمغ الباطل وزيفه ورده. وإن كان في الأوامر والنواهي فأعدل الشرائع وأوضح المناهج، وأبين حكمًا وأعدل حكمًا، فهو كما قال تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا = = وَعَدْلًا}، يعني صدقًا في الأخبار، وعدلًا في الأوامر والنواهي. ولهذا قال تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَينَا إِلَيكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)} أي بالنسبة إلى ما أوحي إليك فيه. كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ} [الشورى: ٥٢ - ٥٣]. وقال تعالى: {كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَينَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وزْرًا (١٠٠) خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا} [طه: ٩٩ - ١٠١]. يعني من أعرض عن هذا القرآن واتبع غيره من الكتب فإنه يناله هذا الوعيد. كما قال في الحديث المروي في المسند والترمذي عن أمير المؤمنين علي، مرفوعًا وموقوفًا: "من ابتغى الهدى في غيره أضله الله". وقال الإمام أحمد: حدثنا سريج بن النعمان، حدثنا هشام، أنبأنا خالد عن الشعبي، عن جابر: أن عمر بن الخطاب أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه على النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: فغضب وقال: "أتتهوكون فيها يا بن الخطاب؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية. لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبونه أو بباطل فتصدقونه، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيًّا ما وسعه إلا أن يتبعني". إسناد صحيح [مسند أحمد ح ١٥١٥٨]. ورواه أحمد من وجه آخر عن عمرو وفيه: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم، أنتم حظي من الأمم وأنا حظكم من النبيين". وقد أوردت طرق هذا الحديث وألفاظه في أول سورة يوسف. وفي بعضها: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطب الناس فقال في خطبته: "أيها الناس .. إني قد أوتيت جوامع الكلم وخواتيمه، واختصر لي اختصارًا، وقد أتيتكم بها بيضاء نقية فلا تتهوكوا، ولا يغرنكم المتهوكون"، ثم أمر بتلك الصحيفة فمحيت حرفًا حرفًا. [مسند أحمد / ح ١٨٣٦٣]. [حلم يوسف - عليه السلام -]: {إِذْ قَال يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤) قَال يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيدًا إِنَّ الشَّيطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥) وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْويلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [يوسف: ٤ - ٦]. قد قدمنا أن يعقوب كان له من البنين اثنا عشر ولدًا ذكرًا وسميناهم وإليهم تنسب أسباط بني إسرائيل كلهم، وكان أشرفهم وأجلهم يوسف - عليه السلام -. وقد ذهب طائفة من العلماء إلى = = أنه لم يكن فيهم نبي غيره، وباقي إخوته لم يوح إليهم. وظاهر ما ذكر من فعالهم ومقالهم في هذه القصة يدل على هذا القول. ومن استدل على نبوتهم بقوله: {قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَينَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ} وزعم أن هؤلاء هم الأسباط فليس استدلاله بقوي، لأن المراد بالأسباط شعوب بني إسرائيل وما كان يوجب فيهم من الأنبياء الذين ينزل عليهم الوحي من السماء .. والله أعلم. ومما يؤيد أن يوسف - عليه السلام - هو المختص من بين إخوته بالرسالة والنبوة أنه ما نص على واحد من إخوته سواه، فدل على ما ذكرناه. ويستأنس لهذا بما قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا عبد الرحمن، عن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن ابن عمر، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم". انفرد به البخاري، فرواه عن عبد الله بن محمد وعبدة، عن عبد الصمد بن عبد الوارث به. وقد ذكرنا طرقه في قصة إبراهيم بما أغنى عن إعادته هنا .. ولله الحمد والمنة. [انظر صحيح البخاري / كتاب الأنبياء / ح ٣٣٩٠] ومسند أحمد [ح ٧١٦]. قال المفسرون وغيرهم: رأى يوسف - عليه السلام - وهو صغير قبل أن يحتلم، كأن أحد عشر كوكبًا، وهم إشارة إلى بقية إخوته، والشمس والقمر وهما عبارة عن أبويه، قد سجدوا له، فهاله ذلك. فلما استيقظ قصها على أبيه، فعرف أبوه أنه سينال منزلة عالية ورفعة عظيمة في الدنيا والآخرة، بحيث يخضع له أبوه وإخوته فيها، فأمره بكتمانها وألا يقصها على إخوته، كيلا يحسدوه ويبغوا له الغوائل، ويكيدوه بأنواع الحيل والمكر، وهذا يدل على ما ذكرناه. ولهذا جاء في بعض الآثار: "استعينوا على قضاء حوائجكم بكتمانها، فإن كل ذي نعمة محسود". وعند أهل الكتاب أنه قصها على أبيه وإخوته معًا، وهو غلط منهم. {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ} أي وكما أراك هذه الرؤيا العظيمة، فإذا كتمتها {يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ} أي يخصك بأنواع اللطف والرحمة {وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْويلِ الْأَحَادِيثِ} أي يفهمك من معاني الكلام وتعبير المنام ما لا يفهمه غيرك. {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيكَ} أي بالوحي إليك {وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ} أي بسببك، ويحصل لهم بك خير الدنيا والآخرة. {كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ} أي ينعم عليك ويحسن إليك بالنبوة، كما أعطاها أباك يعقوب، وجدك إسحاق، ووالد جدك إبراهيم الخليل، {إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} كما قال تعالى: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيثُ يَجْعَلُ رِسَالتَهُ}. لهذا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما سئل: أي الناس أكرم؟ قال: "يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله". {لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧) إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ =
    ج ١ ص ٢٨٩