ذكر خبر دخول أبي حمزة المدينة

١١ فقرة، ج ٤ ص ٣٩٩

  1. وفي هذه السنة دخل أبو حمزة الخارجيّ مدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسلم وهرب عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك إلى الشام (١) .

    قال العباس: قال هارون: وأخبرني يحيى بن زكريّاءَ أن أبا حمزة خطب بهذه الخطبة، قال: رقى المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:

    تعلمون يا أهلَ المدينة أنا لم نخرج من ديارنا وأموالنا أشَرًا ولا بَطرًا ولا عبثًا، ولا لدولة ملك نريد أن نخوض فيه، ولا لثأر قديم نيل منا؛ ولكنا لما رأينا مصابيح الحق قد عُطلتْ، وعنِّف القائل بالحق، وقتِل القائم بالقسط: ضاقت علينا الأرض بما رحُبت، وسمعنا داعيًا يدعو إلى طاعة الرحمن وحكم القرآن، فأجبنا داعيَ الله {وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ} ، أقبلنا من قبائل شتى، النفر منّا على بعير واحد عليه زادهم وأنفسهم، يتعاورون لِحافًا واحدًا، قليلون مستضعفون في الأرض؛ فآوانا وأيّدنا بنصره، فأصبحنا والله جميعًا بنعمته إخوانًا، ثم لقينا رجالكم بقُديد، فدعوْناهم إلى طاعة الرحمن وحكم القرآن، ودعونا إلى طاعة الشيطان وحكْم آل مروان؛ فشتّان لعمر الله ما بين الرّشد والغيّ. ثم أقبلوا يهرعون يزفّون، قد ضرب الشيطان فيهم بجِرانه، وغلتْ بدمائهم مراجله، وصدّق عليهم ظنه، وأقبل أنصار الله عزّ وجلّ عصائب وكتائب، بكل مهنّد ذي رَوْنقٍ، فدارت رحانا واستدارت رحاهم بضربٍ يرتاب منه المبطلون. وأنتم يا أهلَ المدينة، إن تنصروا مرْوان وآل مرْوان يُسحتكم الله عزّ وجلّ بعذاب من عنده أو بأيدينا. ويشْفِ صُدور قوم مؤمنين. يا أهلَ المدينة، أوَّلكم خيرُ أوّل وآخركم شرّ آخر، يا أهل المدينة، الناس منا ونحن منهم؛ إلا مشركًا عابدَ وثن، أو مشرك أهل الكتاب، أو إمامًا جائرًا. يا أهل المدينة مَنْ زعم أنّ الله عزَّ وجلَّ كلف نفسًا فوق طاقتها، أو سألها ما لم يُؤتِها، فهو لله عزّ وجلّ عدوّ، ولنا حرب. يا أهل المدينة، أخبروني عن ثمانية أسهم فرضها الله عزّ وجلّ في كتابه على القويّ والضعيف، فجاء تاسع ليس له مِنها ولا سهم

    ج ٤ ص ٤٠٠واحد، فأخذها جميعها لنفسه، مكابرًا محاربًا لربه. يا أهلَ المدينة؛ بلغني أنكم تنتقصون أصحابي؛ قلتم: شباب أحدَاث، وأعراب جُفاة، ويلكم يا أهل المدينة! وهل كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا شبابًا أحداثًا! شباب والله مكتهلون في شبابهم، غضيّةٌ عن الشرِّ أعينهم، ثقيلة عن الباطل أقدامهم، قد باعوا الله عزَّ وجلَّ أنفسًا تموت بأنفس لا تموت، قد خالطوا كلالهم بكلالِهم، وقيام ليلهم بصيام نهارهم، منحنيةٌ أصلابهم على أجزاء القرآن، كلما مروا بآية [خوفٍ شهقوا خوفًا من النار، وإذا مروا بآية] شوق شهقوا شوقًا إلى الجنة، فلما نظروا إلى السيوف قد انتُضيِتْ والرماح قد أشرعت، وإلى السهام قد فُوّقَتْ، وأرعدت الكتيبة بصواعق الموت، استخفُّوا وعيد الكتيبة لوعيد الله عزّ وجل، ولم يستخفُّوا وعيد الله لوعيد الكتيبة، فطوبى لهم وحسن مآب! فكم من عين في منقار طائر طالما فاضت في جوف الليل من خوف الله عزَّ وجلَّ! وكم من يدٍ زالت عن مفصلها طالما اعتمد بها صاحبها في سجوده لله، وكم من خدّ عتيق وجبين رقيق فُلِق بعَمد الحديد. رحمة الله على تلك الأبدان، وأدخل أرواحها الجنان. أقول قولي هذا وأستغفر الله من تقصيرنا، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب (١) .

    1. (١)انظر تعليقنا على الخبر الآتي.
    2. (١)اخترنا هذه الخطبة لنضعها في قسم الصحيح لوجود ما يؤبدها عند خليفة كما سيأتي.
    ج ٤ ص ٣٩٩
  2. حدثني العباس، قال قال هارون: حدّثني جدّي أبو علقمة، قال: سمعت أبا حمزة على منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يقول: من زَنى فهو كافر، ومن شكّ فهو كافر، ومَنْ سرق فهو كافر، ومَنْ شكّ أنه كافر فهو كافر (٢) .

    قال العباس: قال هارون: وسمعتُ جدّي يقول: كان قد أحسن السيرة في أهل المدينة حتى استمال الناس حين سمعوا كلامه، في قوله: "من زنى فهو كافر" (٣) .

    قال العباس: قال هارون: وحدّثني بعض أصحابنا: لما رقى المنبر قال: برَح الخفاء، أين ما بك يذهب! مَنْ زنى فهو كافر، ومَنْ سرق فهو كافر. قال العباس: قال هارون: وأنشدني بعضهم في قُدَيد:

    ج ٤ ص ٤٠١ما للزمان ومالِيَهْ ... أفْنتْ قُدَيدُ رجالِيَهْ

    فَلأَبكِينَّ سَرِيرَةً ... ولأَبكينّ علانيه

    ولأَبكِين إِذا شَجِـ ... ـيتُ معَ الكلابِ العاويَهْ

    فكان دخول أبي حمزة وأصحابه المدينة لثلاث عشرة بقيَتْ من صفر.

    1. (٢)أبو علقمة (عبد الله بن محمد الغروي) ثقة وانظر تعليقنا الأخير.
    2. (٣)انظر تعليقنا الآتي.
  3. واختلفوا في قدْر مدتهم في مقامهم [بها] ، فقال الواقديّ: كان مقامهم بها ثلاثة أشهر وقال غيره: أقاموا بها بقيَّة صفر وشهري ربيع وطائفة من جُمادى الأولى (١) .

    1. (١)لقد أخّرنا التعليق على هذه الروايات حتى ننتهي من سردها وهي بمجموعها تفيد أن الخارجي (أبا حمزة) قد انطلق جنوبًا من اليمن في موسم الحج وفاجأ الناس بجيشه ودخل مكة دون قتال بعد انسحاب أمير مكة عبد الواحد بن سليمان ومن ثم وقعت معركة قديد بين جيش الخوارج وأهل المدينة وقتل منهم عدد كبير قدّره الواقدي بسبعمئة بينما قدّره خليفة في رواية له عن شيوخه بثلاثمئة وخطب أبو حمزة خطبته التي تعبّر عن فكر الخوارج وغلوّهم وسنذكر هنا مرويات خليفة بن خياط التي تؤيد ما ذكره الطبري وهي بمجموعها تتعاضد وقد ذكرناها هنا في قسم الصحيح والله أعلم. أما عن الوقعة (قديد) وحدوثها سنة ١٣٠ هـ كما ذكر الطبري فقد أخرج خليفة قال: وفي هذه السنة وهي سنة ثلاثين ومئة كانت وقعة قديد: فحدثني علي بن محمد عن إسحاق بن إبراهيم الأزهري قال لما صدر الناس عن مكة وذلك آخر سنة تسع وعشرين ومئة مضى عبد الواحد بن سليمان إلى المدينة وكتب إلى مروان يخبره بخذلان أهل مكة فعزله مروان وكتب إلى عبد العزيز بن عمر وإليه على المدينة أن يوجه جيشًا وسار أبو حمزة في أول سنة ثلاثين ومئة يريد المدينة واستخلف على مكهَ أبرهة بن الصباح الحميري وجعل على مقدمته بلج بن عقبة السعدي وخرج أهل المدينة فالتقوا بقديد يوم الخميس لتسع خلون من صفر سنة ثلاثين ومئة وبلج في ثلاثين ألف فارس فقال لهم خلوا طريتهنا نأتي هؤلاء الذين بغوا علينا وجاروا في الحكم ولا تجعلوا حدنا بكم فإنا لا نريد قتالكم فأبوا وقاتلوهم فانهزم أهل المدينة وجاءهم أبو حمزة فقال له علي بن الحصين بن الحر اتبع هؤلاء القوم وأجهز على جريحهم فإن لكل زمان حكمًا والإثخان في هؤلاء أمثل قال ما أرى ذلك وما أرى أن أخالف سيرة من مضى قبلي ومضى أبو حمزة إلى المدينة فدخلها يوم الإثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر سنة ثلاثين ومئة قال أبو الحسن عن شيخ من الأنصار والمصعب وغيرهم قال استعمل عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان وراية قريش مع إبراهيم بن عبد الله بن مطيع وأقبل أبو حمزة فنزل بإزائهم فاقتتلوا وصبر الفريقان فأصيب من قريش ثلاثمئة رجل، وأبلى يومئذ آل الزبير ... إلخ [خليفة / ٤١٤]. = = ثم أخرج خليفة قال: فحدثني إسماعيل بن إبراهيم قال أخبرني جويرية بن أسماء قال خرج عبد العزيز بن عبد الله يريد قديدًا فسقط لواؤه فتطئر الناس [تأريخ خليفة / ٤١٥]. وجويرية ثقة من السابعة أخرج له الشيخان توفي سنة ١٧٠ هـ وقد عاصر تلك الأحداث. وأخرج خليفة قال: قال إسماعيل وحدثني غسان بن عبد الحميد (ذكره ابن حبان في الثقات ولا نعلم فيه جرحًا) قال خرج أمية بن عبد الله بن عمرو بن عثمان مقنعًا يوم قديد لا يلتفت إلى أحدٍ ولا يكلم أحدًا مقبلًا على بثِّه حتى قتل (٤١٥) قال أبو الحسن (أي المدائني) ما سمع الناس بواكي أوجع للقلوب من بواكي قديد ما بقي بالمدينة أهل بيت إلا وفيهم بكيّ قالت نائحة تبكيهم: ما للزمان وماليه ... أفنى قديد رجاليه فلأبكين سريرة ... ولأبكين علانيه [خليفة / ٤١٥]. وسنعود للحديث عن مصير أبي حمزة الخارجي وحيشه بعد قليل. وأما عدد القتلى من أهل المدينة يوم قديد فقد قدّره الواقدي بسبعمئة وانفرد بذلك ولا يعتمد عليه في مثل هذه الأمور إذا انفرد وقدّره خليفة بثلاثمئة وقول المدائني الذي لم يحضر الوقعة (بل ولد في تلك السنة أو بعدها): ما بقي بالمدينة أهل بيت إلا وفيهم بكيّ: فمبالغة واضحة والله أعلم بالصواب وأما عن خطبة أبي حمزة الخارجي التي ذكرناها في قسم الصحيح فلها ما يؤيدها عند خليفة عن إسماعيل بن إسحاق: أن بلج قدم في الموسم فلم يشعر الناس وهم بعرفات حتى أطلعت عليهم الخيل من الجبل من طريق الطائف فاجتمع الناس إلى عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك بن مروان وهو والي مكة والمدينة فكره عبد الواحد قتالهم فمشى عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب بينهم حتى أخذ عليهم ولهم ألا يحدثوا حدثًا حتى ينقضي أمر الموسم ففعلوا فوقف عبد الواحد بالناس ووقف بلج في أصحابه بعرفات وبجمع وأقاموا أيام منى فلما كان يوم النفر نفر عبد الواحد فأتى مكة ثم أتى أبو حمزة مكة فخطبهم على المنبر فقال يا أهل مكة تعيّروني بأصحابي تزعمون أنهم شباب وهل كان أصحاب رسول الله إلا شبابًا أما إني عالم بتتابعكم فيما يضركم في معادكم ولولا اشتغالي بغيركم ما تركت الأخذ فوق أيديكم، نعم شباب مكتهلون في شبابهم ثقال عميَّة عن الشر أعينهم بطيّة عن الباطلِ أرجلهم قد نظر إليهم في جوف الليل منثنية أصلابهم بمثاني القرآن إذا مرّ أحدهم باية فيها ذكر الجنة بكى شوقًا إليها وإذا مرّ بآية فيها ذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم في أذنيه قد وصلوا كلالهم بكلالهم كلال ليلهم بكلال نهارهم قد أكلت الأرض جباههم وأيديهم وركبهم، مصفرة ألوانهم ناحلة أجسامهم من طول القيام وكثرة الصيام مستقلين لذلك في جنب الله موفون بعهد الله منجزون لوعد الله إذا رأوا سهام العدو فوقت ورماحهم قد أشرعت وسيوفهم قد انتضيت وأبرقت الكتيبة وأرعدت بصواعق = = الموت استهانوا بوعيد الكتيبة لوعيد الله، مضى الشاب منهم قدمًا حتى تختلف رجلاه عن عنق فرسه قد رملت محاسن وجهه بالدماء وعفر جبينه في الثرى وأسرعت إليه سباع الأرض فكم من عين في منقار طائر طال ما بكى صاحبها من خشية الله وكم من خدٍّ رقيق وجبين عتيق قد فلق بعمد الحديد، رحمة الله على تلك الأبدان وأدخل أرواحها الجنان ثم قال: الناس منا ونحن منهم إلا عابد وثن أو كفرة أهل كتاب أو سلطانًا جائرًا أو شادًا على عضده [تأريخ خليفة / ٤٠٨].
  4. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    ج ٤ ص ٤٠٢
  5. وكانت عِدّة من قُتِل من أهل المدينة بقُديد - فيما ذكر الواقديّ - سبعمئة.

    قال أبو جعفر: وكان أبو حمزة - فيما ذكر - قد قدّم طائفة من أصحابه، عليهم أبو بكر بن محمد بن عبد الله بن عمر القرشيّ، ثم أحد بني عديّ بن كدب، وبلْج بن عيينة بن الهيصم الأسديّ من أهل البصرة، فبعث مرْوان بن محمد من الشام عبدَ الملك بن محمد بن عطيَّة أحد بني سعد في خيول الشام (١) فحدّثني العباس بن عيسى، قال: حدّثني هارون بن موسى، عن موسى بن كثير، قال: خرج أبو حمزة من المدينة، وخلّف بعضَ أصحابه، فسار حتى نزل الوادي (١) .

    قال العباس: قال هارون: حدّثني بعضُ أصحابنا ممن أخبرني عنه أبو يحيى الزهريّ، أن مَرْوان انتخب من عسكره أربعة آلاف، واستعمل عليهم ابنَ عطيّة، وأمره بالجِدّ في السير، وأعطى كلّ رجل منهم مئة دينار؛ وفرسًا عربيَّة وبغلًا لثقَلِه، وأمره أن يمضيَ فيقاتلهم، فإن هو ظفر مضى حتى بلغ اليمن ويقاتل عبد الله بن يحيى ومَن معه؛ فخرج حتى نزل بالعُلا وكان رجل من أهل المدينة يقال له العَلاء بن أفلح مولى أبي الغيث، يقول: لقيني وأنا غلام ذلك اليوم رجلٌ من أصحاب ابن عطيّة، فسألني: ما اسمك يا غلام؟ قال: فقلت: العلاء، قال: ابن مَن؟ قلت: ابن أفلح، قال: مولى مَن؟ قلت: مولى أبي الغيث، قال: فأين نحن؟ قلت: بالعُلا، قال: فأين نحن غدًا؟ قلت: بغالب، قال: فما كلَّمني حتى أردفني وراءه، ومضى بي حتى أدخلني على ابن عطيّة، فقال: سل هذا الغلام: ما اسمه؟ فسألني، فرددت عليه القول الذي قلت، قال: فسرّ بذلك ووهب لي دراهم (١) .

    ج ٤ ص ٤٠٤قال العبّاس: قال هارون: وكان أبو حمزة حين خرج ودّع أهل المدينة للخروج إلى مروان يقاتله، قال: يا أهل المدينة، إنا خارجون إلى مَرْوان؛ فإن نظفر نعدلْ في أحكامكم، ونحملكم على سنة نبيكم محمد - صلى الله عليه وسلم -، ونقسم فيئكم بينكم؛ وإن يكن ما تَمنّون؛ فسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون. قال العباس: قال هارون: وأخبرني بعضُ أصحابنا أنّ الناس وثبوا على أصحابه حين جاءهم قتلُه فقتلوهم (١) .

    قال محمد بن عمر: سار أبو حَمْزة وأصحابه إلى مَرْوان، فلقيهم خيلُ مرْوان بوادي القرى؛ عليها ابن عطيّة السعديّ من قيس، فأوقعوا بهم، فرجعوا منهزمين منهم إلى المدينة، فلقيهم أهلُ المدينة فقتلوهم. قال: وكان الذي قاد جيش مَرْوان عبد الملك بن محمد بن عطية السعديّ سعد هوازن، قدم المدينة في أربعة آلاف فارس عربيّ، مع كلّ واحد منهم بغل، ومنهم مَن عليه درعان أو دِرْع وسنّوْر وَتجافيف؛ وعدّة لم ير مثلها في ذلك الزمان، فمضوْا إلى مكة (١) .

    وقال بعضهم: أقام ابنُ عطية بالمدينة حين دخلها شهرًا، ثم مضى إلى مكة، واستخلف على المدينة الوليد بن عُروة بن محمد بن عطية، ثم مضى إلى مكة وإلى اليمن واستخلف على مكة ابن ماعز؛ رجلًا من أهل الشام.

    1. (١)انظر تعليقنا فيما بعد.
    2. (١)انظر تعليقنا على الخبر الآتي.
    ج ٤ ص ٤٠٣
  6. ولما مضى ابنُ عطيّة بلغ عبدُ الله بن يحيى - وهو بصنعاء- مسيرهُ إليه، فأقبل إليه بمن معه فالتقى هو وابن عطية، فقتل ابن عطية عبد الله بن يحيى، وبعث ابنه بشير إلى مروان، ومضى ابن عطية فدخل صنعاء وبعث برأس عبد الله بن يحيى إلى مروان، ثم كتب مروان إلى ابن عطيّة يأمره أن يُغِذّ السير، ويحجّ بالناس، فخرج في نفر من أصحابه - فيما حدثني العباس بن عيسى، عن هارون - حتى نزل الجُرْف - هكذا قال العباس - ففطن له بعض أهل القرية، فقالوا: منهزمين والله، فشدّوا عليه، فقال: ويحكم! عامل الحجّ؛ والله كتب إليّ أمير المؤمنين (٢) .

    قال أبو جعفر: وأما ابن عمر، فإنه ذكر أنّ أبا الزبير بن عبد الرحمن حدّثه،

    ج ٤ ص ٤٠٥قال: خرجتُ مع ابن عطية السعديّ؛ ونحن اثنا عشر رجلًا، بعهد مَرْوان على الحجّ، ومعه أربعون ألف دينار في خُرْجه، حتى نزل الجُرْف يريد الحجّ، وقد خلَف عسكره وخيله وراءه بصنعاء؛ فوالله إنا آمنون مطمئنون؛ إذ سمعتُ كلمة من امرأة: قاتلَ الله ابنيْ جمانة ما أشأمهما! فقمت كأني أهريق الماء، وأشرفت على نَشز من الأرض؛ فإذا الدُّهْم من الرجال والسلاح والخيل والقذّافات؛ فإذا ابنا جُمانة المراديّان واقفان علينا، قد أحدقوا بنا من كلّ ناحية، فقلنا: ما تريدون؟ قالوا: أنتم لصوص؛ فأخرج ابن عطية كتابه، وقال: هذا كتاب أمير المؤمنين وعهده على الحجّ وأنا ابن عطية، فقالوا: هذا باطل، ولكنكم لصوص؛ فرأينا الشرّ. فركب الصفر بن حبيب فرسه، فقاتل وأحسن حتى قتل؛ ثم ركب ابن عطية فقاتل حتى قُتِل، ثم قتل مَنْ معنا وبقيت، فقالوا: من أنت؟ فقلت: رجل من هَمْدَان، قالوا: من أيّ همدان أنت؟ فاعتزيت إلى بطن منهم - وكنت عالمًا ببطون هَمْدان - فتركوني، وقالوا: أنت آمن؛ وكلّ ما [كان] لك في هذا الرحل فخذْه، فلو ادّعيتُ المال كله لأعطوْني. ثم بعثوا معي فرسانًا حتى بلغوا بي صَعْدة، وأمنتُ ومضيتُ حتى قدمتُ مكة (١) .

    1. (٢)انظر تعليقنا عن الخبر الآتي.
    2. (١)هذه عدة روايات أخرجها الطبري وبالأسانيد المعروفة التي تحدثنا عنها في المقدمة وفي غير موضع - وبعضها من طريق الواقدي المتروك وليس من عادتنا أن نذكر مرويات الواقدي (إذا انفرد) في الصحيح ولكن ذكرناها هنا لأن ما ذكره قد جاء من طريق آخر عند الطبري مسندًا وغير مسند وكذلك أخرج خليفة طرفًا من هذه التفاصيل مسندًا وغير مسند كما سنذكر فقد أخرج خليفة قائلًا: حدثنا إسماعيل العسكر وقتل منهم مقتلة عظيمة وبلغ عبد الله بن يحيى الأعور فسار في نحو ثلاثين ألفًا فنزل ابن عطية تبالة ونزل الأعور صعدة ثم اقتتلوا فانهزم الأعور فسار إلى جرش وسار ابن عطية والتقوا فاقتتلوا حتى حال بينهم الليل وأصبح ابن عطية مكانه فنزل الأعور في نحو من ألف رجل من أهل حضرموت فقاتل حتى قتل ومن معه وبعث برأس الأعور إلى مروان وسار ابن عطية حتى أتى صنعاء فثار به رجل من حمير ... الخبر وفي آخره ثم أتاه كتاب لمروان يأمره بالصلاة بالموسم فدعا أهل حضرموت إلى الصلح فصالحوه فانطلق ابن عطية في خمسة عشر رجلًا من وجوه أصحابه مبادرًا وخلف ابن أخيه عبد الرحمن بن يزيد وأقبل ابن عطية متعجلًا فنزل واديًا من أودية مراد بقرية يقال لها شيام فشدوا عليه فقتلوه وأصحابه واحتزوا رأسه [خليفة / ٤١٧] قلت: وإلى هنا يتفق خليفة والطبري وكما ترى على الأمور الكبيرة في هذه الواقعة من خروج أبي حمزة ومقتله إلى مقتل حليفه الأعور (عبد الله بن يحيى) والله تعالى أعلم. = = ابن إسحاق قال: بعث مروان بن محمد بن مروان محمد بن عطية السعدي (سعد بن بكر) في أربعة آلاف من جنده عامتهم رابطة فشرطوا على مروان إذا قتلنا الأعور قفلنا لا سلطان لك علينا فأعطاهم ذلك فأقبل ابن عطية فلقي بلجًا بوادي القرى وقد سار يريد الشام فاقتتلوا فقتل بلج وعامة أصحابه ولم يزل يقتلهم حتى دخلوا المدينة ولحق نحو من ألف رجل منهم عليهم رجل منهم يقال له الصباح من همدان فتحصن في جبل من الجبال فقاتلهم فيه ثلاثة أيام ثم انحاز ليلًا في نحو من ثلاثمئة فترقى في الجبال حتى لحق بمكة ودخل ابن عطية المدينة ثم سار إلى مكة فلقي أبا حمزة بالأبطح ومع أبي حمزة خمسة عشر ألفًا ففرق عليه ابن عطية الخيل فأتته خيل من أسفل مكة وخيل من منى وأتى هو بنفسه من أعلى الثنية فاقتتلوا حتى كاد النهار أن ينتصف وخرجت الخيل إليهم ببطن الأبطح فألجؤوهم إلى عسكرهم وقتل أبرهة بن الصباح عند بئر ميمون وقتلت معه امرأته وقتل أبو حمزة واستباح قال: فحدثني محمد بن معاوية عن بيهس أبي حبيب بن حبيب قال توجه قحطبة فلقي عامر بن ضبارة وداود فالتقوا بجابلق رستاق من أصبهان في رجب يوم السبت لسبع بقين من رجب سنة إحدى وثلاثين ومئة فقتل عامر وانهزم داود فلحق بأبيه ولحق قحطبة بمن معه حتى حصر أهل نهاوند مع ابنه الحسن بن قحطبة [خليفة / ٤١٨] وقال خليفة أيضًا: وفي هذه السنة وهي سنة إحدى وثلاثين ومئة قتل عامر وكتب نصر بن سيار إلى مروان وابن هبيرة يستمدهما فلم يأته مدد حتى سار قحطبة فانحاز نصر فنزل الري ومرض ثم سار فمات بهمذان [تأريخ خليفة / ٤١٩]. ثم أخرج خليفة: وحدثني عمرو بن عبيدة قال حدثني قزعة مولى نصر بن سيار قال: مات نصر بساوة من أرض الري فدفناه وأجرينا الماء على قبره، قال قزعة لمّا حضرته الوفاة دعا بنيه فقال إياكم والمدن الحقوا بالشام فإن تكن لبني مروان مدة كنتم معهم وإن كان غير ذلك أصابكم ما أصابهم وأنشدني لنصر بن سيار حين أبطأ المدد: أرى خلل الرماد وميض جمر ... خليق أن يكون له ضرام فإن النار بالزندين تورى ... وإن الفعل يقدمه الكلام أقول من التعجب ليت شعري ... أأيقاظ أمية أم نيام؟
  7. وكان سبب نزول نصر قومس - فيما ذكر عليّ بن محمد - أن أبا الذيَّال حدّثه والحسن بن رشيد وأبا الحسن الجشميّ؛ أن أبا مسلم كتب مع المنهال بن فتّان إلى زياد بن زرارة القشيريّ بعهده على نيسابور بعدما قتل تميم بن نصر والنابي بن سويد العجليّ، وكتب إلى قحطبة يأمره أن يتبع نصرًا؛ فوجه قحطبة العكّيّ على مقدّمته. وسار قحطبة حتى نزل نيسابور، فأقام بها شهرين؛ شهري رمضان وشوال من سنة ثلاثين ومئة، ونصر نازل في قرية من قرى قومِس يقال لها بذش، ونزل مَن كان معه من قيس في قرية يقال لها الممد؛ وكتب نصر إلى ابن هبيرة

    ج ٤ ص ٤٠٧يستمدّه وهو بواسط مع ناس من وجوه أهل خراسان؛ يعظّم الأمر عليه، فحبس ابن هبيرة رسلَه، وكتب نَصر إلى مروان: إني وجَّهت إلى ابن هبيرة قومًا من وجوه أهل خُراسان ليعلموه أمرَ الناس من قِبَلنا، وسألته المدد فاحتبس رسلي ولم يمدّني بأحد؛ وإنما أنا بمنزلة من أخرج من بيته إلى حجرته، ثم أخرج من حجرته إلى داره، ثم أخرج من داره إلى فناء داره؛ فإن أدركه مَنْ يعينه فعسى أن يعود إلى داره وتبقى له، وإن أخرج من داره إلى الطريق فلا دار له ولا فِناء.

    ج ٤ ص ٤٠٦
  8. فكتب مَرْوان إلى ابن هبيرة يأمره أن يمدّ نصرًا، وكتب إلى نصر يعلمه ذلك، فكتب نصر إلى ابن هبيرة مع خالد مولى بني ليث يسأله أن يعجِّل إليه الجند، فإنّ أهل خُراسان قد كذبتُهم حتى ما رجل منهم يصدّق لي قولًا؛ فأمدّني بعشرة آلاف قبل أن تمدّني بمئة ألف، تم لا تغني شيئًا (١) .

    1. (١)انظر تعليقنا على خبر محاربة قحطبة أهل نهاوند فيما بعد.
  9. وحجّ في هذه السنة بالناس محمد بن عبد الملك بن مروان؛ كذلك حدثني أحمد بن ثابت، عمّن ذكره؛ عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر (٢) وكانت إليه مكة والمدينة والطائف.

    1. (٢)هكذا قال الطبري بينما قال خليفة وأقام الحج محمد بن عبد الملك بن محمد بن عطية السعدي). وانظر [خليفة بن خياط ٤١٧ و ٤٣١]. ووافق ابن كثير ابن جرير الطبري فقال: قال أبو معشر وحجّ بالناس في هذه السنة محمد بن عبد الملك بن مروان وقد جعلت إليه إمرة المدينة ومكة والطائف [البداية والنهاية ٨/ ٢٩].
  10. وكان فيها العراق إلى يزيد بن عمر بن هبيرة.

  11. وكان على قضاء الكوفة الحجّاج بن عاصم المحاربيّ، وكان على قضاء البصرة عبّاد بن منصور. وعلى خُراسان نصر بن سيار، والأمر بخراسان على ما ذكرت (٣) .

    1. (٣)انظر قوائم الولاة في نهاية عهد مروان (سنة ١٣٢ هـ).