[التقاء يوسف بإخوته]
٥ فقرات، ج ١ ص ٣٠١
- ج ١ ص ٣٠١
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيثُ يَشَاءُ} أي بعد السجن والضيق والحصر، صار مطلق الركاب بديار مصر، {يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيثُ يَشَاءُ} أي أين شاء حل منها مكرمًا محسودًا معظمًا. {نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} أي هذا كله من جزاء الله وثوابه للمؤمن مِع ما يدخر له في آخرته من الخير الجزيل والثواب الجميل. ولهذا قال: {وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ}. [التقاء يوسف بإخوته]: {وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨) وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَال ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيلَ وَأَنَا خَيرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (٦٠) قَالُوا سَنُرَاودُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (٦١) وَقَال لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [يوسف: ٥٨ - ٦٢]. يخبر تعالى عن قدوم إخوة يوسف - عليه السلام - إلى الديار المصرية يمتارون طعامًا، وذلك بعد إتيان سني الجدب وعمومها على سائر العباد والبلاد. وكان يوسف - عليه السلام - إذ ذاك الحاكم في أمور الديار المصرية دينًا ودنيا. فلما دخلوا عليه عرفهم ولم يعرفوه، لأنه لم يخطر ببالهم ما صار إليه يوسف - عليه السلام - من المكانة والعظمة، فلهذا عرفهم وهم له منكرون. قال تعالى: {وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ} وأي أعطاهم من الميرة ما جرت به عادته، من إعطاء كل إنسان حمل بعير لا يزيده عليه {قَال ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ} وكان قد سألهم عن حالهم، وكم هم؟ فقالوا: كنا اثني عشر رجلًا، فذهب منا واحد وبقي شقيقه عند أبينا. فقال: إذا قدمتم من العام المقبل فائتوني به معكم. {أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيلَ وَأَنَا خَيرُ الْمُنْزِلِينَ}؟ أي قد أحسنت نزلكم وقراكم، فرغبهم ليأتوه به ثم رهبهم إن لم يأتوه به فقال: {فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ} أي فلست أعطيكم ميرة، ولا أقريكم بالكلية، عكس ما أسدى إليهم أولًا. فاجتهد في إحضاره معهم ليبل شوقه منه بالترغيب والترهيب. {قَالُوا سَنُرَاودُ عَنْهُ أَبَاهُ} أي سنجتهد في مجيئه معنا وإتيانه إليك بكل ممكن، {وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ} أي وإنا لقادرون على تحصيله. ثم أمر فتيانه أن يضعوا بضاعتهم وهي ما جاؤوا به يتعوضون به عن الميرة في أمتعتهم من حيث لا يشعرون بها {لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}. {فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٦٣) قَال هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيهِ إلا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤) وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَينَا وَنَمِيرُ =
- ج ١ ص ٣٠٢
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيلٌ يَسِيرٌ (٦٥) قَال لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَال اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦) وَقَال يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيءٍ إِنِ الْحُكْمُ إلا لِلَّهِ عَلَيهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيءٍ إلا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف: ٦٣ - ٦٨]. يذكر تعالى ما كان من أمرهم بعد رجوعهم إلى أبيهم وقولهم له: {مُنِعَ مِنَّا الْكَيلُ} أي بعد عامنا هذا إن لم ترسل معنا أخانا، فإن أرسلته معنا لم يمنع منا. {وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي} أي شيء نريد وقد ردَّت إلينا بضاعتنا؟ {وَنَمِيرُ أَهْلَنَا} أي نمتار لهم ونأتيهم بما يصلحهم في سنتهم ومحلهم، {وَنَحْفَظُ أَخَانَا} بسببه {كَيلَ بَعِيرٍ}. قال الله تعالى: {ذَلِكَ كَيلٌ يَسِيرٌ} قابلة ذهاب ولده الآخر. وكان يعقوب - عليه السلام - أضن شيء بولده بنيامين، لأنه كان يشم فيه رائحة أخيه ويتسلى به عنه، ويتعوض بسببه منه. فلهذا قال: {قَال لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ} أي إلَّا أن تغلبوا كلكم عن الإتيان به. {فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَال اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ}. أكد المواثيق وقرر العهود، واحتاط لنفسه في ولده، ولن يغني حذر من قدر! ولولا حاجته وحاجة قومه إلى الميرة، لما بعث الولد العزيز، ولكن الأقدار لها أحكام، والرب تعالى يقدر ما يشاء ويختار ما يريد، ويحكم ما يشاء وهو الحكيم العليم. ثم أمرهم ألا يدخلوا المدينة من باب واحد، ولكن ليدخلوا من أبواب متفرقة. وقيل: أراد ألا يصيبهم أحد بالعين، وذلك لأنهم كانوا أشكالًا حسنة وصورا بديعة. قاله ابن عباس ومجاهد ومحمد بن كعب وقتادة والسدي والضحاك. وقيل: أراد أن يتفرقوا لعلهم يجدون خبرًا ليوسف أو يحدثون عنه بأثر. قاله إبراهيم النخعي، والأول أظهر. ولهذا قال: {وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيءٍ}. وقال تعالى: {وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيهِ أَخَاهُ قَال إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩) فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (٧٠) قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (٧١) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (٧٣) قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ =
- ج ١ ص ٣٠٣
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦) قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَال أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧) قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قَال مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إلا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ} [يوسف: ٦٩ - ٧٩]. يذكر تعالى ما كان من أمرهم حين دخلوا بأخيهم بنيامين على شقيقه يوسف، وإيوائه إليه، وإخباره له سرًّا عنهم بأنه أخوه، وأمره بكتم ذلك عنهم، وسلاه عما كان منهم من الإساءة إليه. ثم احتال على أخذه منهم وتركه إياه عنده دونهم، فأمر فتيانه بوضع سقايته، وهي التي كان يشرب بها ويكيل بها للناس الطعام، عن غرة في متاع بنيامين، ثم أعلمهم بأنهم قد سرقوا صواع الملك، ووعدهم جعالة على رده، حمل بعير، وضمنه المنادي لهم. فأقبلوا على من اتهمهم بذلك فأنّبوه وهجّنوه فيما قاله لهم؟ {قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ} يقولون: أنتم تعلمون منا خلاف ما رميتمونا به من السرقة. {قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} وهذه كانت شريعتهم: أن السارق يدفع إلى المسروق منه. ولهذا قالوا: {كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ}. قال الله تعالى: {فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وعَاءِ أَخِيهِ} ليكون ذلك أبعد للتهمة وأبلغ في الحيلة، ثم قال الله تعالى: {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ} أي لولا اعترافهم بأن جزاءه من وجد في رحله فهو جزاؤه، لما كان يقدر يوسف على أخذه منهم في سياسة ملك مصر {إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ} أي في العلم {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ}. وذلك لأن يوسف كان أعلم منهم، وأتم رأيًا وأقوى عزمًا وحزمًا، وإنما فعل ما فعل عن أمر الله له في ذلك، لأنه يترتب على هذا الأمر مصلحة عظيمة بعد ذلك، من قدوم أبيه وقومه عليه ووفودهم إليه. فلما عاينوا استخراج الصواع من حمل بنيامين {قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ} يعنون يوسف. {قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ} وهي كلمته بعدها، وقوله {أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ} أجابهم سرًّا لا جهرًا، حلمًا وكرمًا وصفحًا وعفوًا، فدخلوا معه في الترفق والتعطف فقالوا: {قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قَال مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إلا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ} أي إن أطلقنا المتهم وأخذنا البريء، وهذا ما لا نفعله ولا نسمح به، وإنما نأخذ من وجدنا متاعنا عنده. =
- ج ١ ص ٣٠٤
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = {فَلَمَّا اسْتَيأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَال كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيرُ الْحَاكِمِينَ (٨٠) ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إلا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيبِ حَافِظِينَ (٨١) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢) قَال بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣) وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَال يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَينَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤) قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥) قَال إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٦) يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: ٨٠ - ٨٧]. يقول تعالى مخبرًا عنهم لما استيأسوا من أخذه منه: خلصوا يتناجون فيما بينهم، قال كبيرهم: {أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ} لتأتنني به إلَّا أن يحاط بكم؟ لقد أخلفتم عهده، وفرطتم فيه كما فرطتم في أخيه يوسف من قبله، فلم يبق لي وجه أقابله {فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ} أي لا أزال مقيما هاهنا {حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي} في القدوم عليه، {أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي} بأن يقدرني على رد أخي إلى أبي {وَهُوَ خَيرُ الْحَاكِمِينَ}. {ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ} أي أخبروه بما رأيتم من الأمر في ظاهر مشاهد {وَمَا شَهِدْنَا إلا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيبِ حَافِظِينَ (٨١) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا} أي فإن هذا الذي أخبرناك به - من أخذهم أخانا لأنه سرق - أمر اشتهر بمصر وعلمه من مع العير التي كنا نحن وهم هناك {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ}. {قَال بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} أي ليس الأمر كما ذكرتم، لم يسرق، فإنه ليس سجية له ولا خلقة. وإنما {سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ}. ثم قال: {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ} أي بحالي وما أنا فيه من فراق الأحبة {الْحَكِيمُ} فيما يقدره ويفعله، وله الحكمة البالغة والحجة القاطعة. {وَتَوَلَّى عَنْهُمْ} أي أعرضى عن بنيه: {وَقَال يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ} ذكّره حزنه الجديد بالحزن القديم، وحرك ما كان كامنًا. وقوله: {وَابْيَضَّتْ عَينَاهُ مِنَ الْحُزْنِ} أي من كثرة البكاء، {فَهُوَ كَظِيمٌ} أي مكظم من كثرة حزنه وأسفه وشوقه إلى يوسف. فلما رأى بنوه ما يقاسيه من الوجد وألم الفراق {قَالُوا} له على وجه الرحمة والرأفة والحرص عليه: {تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ}. يقولون: لا تزال تتذكره حتى ينحل جسدك وتضعف قوتك، فلو رفقت بنفسك كان أولى بك. {قَال إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} يقول لبنيه: لست أشكو إليكم ولا إلى أحد من الناس ما أنا فيه، إنما أشكوه إلى الله عزَّ وجلَّ، وأعلم أن الله سيجعل =
- ج ١ ص ٣٠٥
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = لي مما أنا فيه فرجًا ومخرجا، وأعلم أن رؤيا يوسف لا بد أن تقع، ولا بد أن أسجد له أنا وأنتم حسب ما أرى. ولهذا قال: {وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}. ثم قال لهم محرضًا على تطلب يوسف وأخيه، وأن يبحئوا عن أمرهما: {يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} أي لا تيأسوا من الفرج بعد الشدة، فإنه لا ييأس من روح الله وفرجه، وما يقدره من المخرج في المضايق، إلَّا القوم الكافرون. {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيلَ وَتَصَدَّقْ عَلَينَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨) قَال هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (٨٩) قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَال أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَينَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَينَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١) قَال لَا تَثْرِيبَ عَلَيكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢) اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ} [يوسف: ٨٨ - ٩٣]. يخبر تعالى عن رجوع إخوة يوسف إليه وقدومهم عليه، ورغبتهم فيما لديه من الميرة، والصدقة عليهم برد أخيهم بنيامين إليهم: {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ} أي من الجدب وضيق الحال وكثرة العيال، {وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ} أي ضعيفة لا يقبل مثلها منا إلَّا أن تتجاوز عنا {فَأَوْفِ لَنَا الْكَيلَ وَتَصَدَّقْ عَلَينَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ}. فلما رأى ما هم فيه من الحال، وما جاؤوا به مما لم يبق عندهم سواه من ضعيف المال، تعرف إليهم وعطف عليهم، قائلًا لهم عن أمر ربه وربهم، وقد حسر عن جبينه الشريف، وما يحويه من الحال الذي يعرفون فيه: {قَال هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ}. {قَالُوا} وتعجبوا كل العجب، وقد ترددوا إليه مرارًا عديدة، وهم لا يعرفون أنه هو {أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ} [يوسف: ٩٠]. {قَال أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي} يعني أنا يوسف الذي صنعتم معه ما صنعتم، وسلف من أمركم فيه ما فرطتم. وقوله: {وَهَذَا أَخِي} تأكيد لما قال، وتنبيه على ما كانوا أضمروا لهما من الحسد، وعملوا في أمرهما من الاحتيال. ولهذا قال: {قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَينَا} أي بإحسانه إلينا وصدقته علينا، وإيوائه لنا وشده معاقد عزنا، وذلك بما أسلفنا من طاعة ربنا، وصبرنا على ما كان منكم، وطاعتنا وبرنا لأبينا، ومحبته الشديدة لنا، وشفقته علينا {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}. {قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَينَا} أي فضلك وأعطاك ما لم يعطنا {وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ} أي فيما أسدينا إليك، وها نحن بين يديك. {قَال لَا تَثْرِيبَ عَلَيكُمُ الْيَوْمَ} أي لست أعاتبكم على ما كان منكم بعد يومكم هذا. ثم زادهم على ذلك فقال: {يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} ومن زعم أن الوقف على قوله {لَا تَثْرِيبَ عَلَيكُمُ} وابتدأ بقوله: =