[اتصاله بالابنتين وأبيهما الشيخ]
٣ فقرات، ج ١ ص ٣٢٧
- ج ١ ص ٣٢٧
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَينِ تَذُودَانِ قَال مَا خَطْبُكُمَا قَالتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَال رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيرٍ فَقِيرٌ} [القصص: ٢١ - ٢٤]. يخبر تعالى عن خروج عبده ورسوله وكليمه من مصر خائفًا يترقب، أي يتلفت، وخشية أن يدركه أحد من قوم فرعون، وهو لا يدري أين يتوجه، ولا إلى أين يذهب، وذلك لأنه لم يخرج من مصر قبلها. {وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ} أي أتجه له طريق يذهب فيه، {قَال عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ} أي عسى أن تكون هذه الطريق موصلة إلى المقصود، وكذا وقع، فقد أوصلته إلى مقصود وأي مقصود. [اتصاله بالابنتين وأبيهما الشيخ]: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ} وكانت بئرًا يسقون منها، ومدين هي المدينة التي أهلك الله فيها أصحاب الأيكة، وهم قوم شعيب - عليه السلام -، وقد كان هلاكهم قبل زمن موسى عليه السلام في أحد قولي العلماء. ولما ورد الماء المذكور {وَجَدَ عَلَيهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَينِ تَذُودَانِ} أي تكفكفان عنهما غنمهما أن تختلط بغنم الناس. {قَال مَا خَطْبُكُمَا قَالتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيخٌ كَبِيرٌ} أي لا نقدر على ورود الماء إلَّا بعد صدور الرعاء، لضعفنا، وسبب مباشرتنا هذه الرعية ضعف أبينا وكبره. قال الله تعالى: {فَسَقَى لَهُمَا}. قال المفسرون: وذلك أن الرعاء كانوا إذا فرغوا من ورْدِهم، وضعوا على فم البئر صخرة عظيمة، فتجيء هاتان المرأتان فيشرعان غنمهما في فضل أغنام الناس، فلما كان ذلك اليوم جاء موسى فرفع تلك الصخرة وحده، ثم استقى لهما وسقى غنمهما، ثم رد الحجر كما كان قال أمير المؤمنين عمر: وكان لا يرفعه إلَّا عشرة، وإنما استقى ذَنوبًا واحدًا فكفاهما. ثم تولى إلى الظل، {فَقَال رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيرٍ فَقِيرٌ}. {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيهِ الْقَصَصَ قَال لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥) قَالتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَويُّ الْأَمِينُ (٢٦) قَال إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَينِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) قَال ذَلِكَ بَينِي وَبَينَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَينِ قَضَيتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} [القصص: ٢٥ - ٢٨]. لما جلس موسى - عليه السلام - في الظل وقال: {فَقَال رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيرٍ فَقِيرٌ} فذهبتا إلى أبيهما فأخبرتاه بما كان من أمر موسى - عليه السلام -. فأمر إحداهما، أن تذهب إليه فتدعوه: {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ} أي مشي الحرائر، {قَالتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيتَ لَنَا} صرحت بهذا لئلا يوهم كلامها ريبة، وهذا من تمام حيائها وصيانتها: {فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيهِ الْقَصَصَ} وأخبره خبره وما كان من أمره في خروجه من بلاد مصر فرارًا من =
- ج ١ ص ٣٢٨
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = فرعونها: {قَال} له ذلك الشيخ: {لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} أي خرجت من سلطانهم فلست في دولتهم. وقد اختلفوا في هذا الشيخ من هو؟ فقيل: هو شعيب - عليه السلام -. وهذا هو المشهور عند كثيرين، وممن نص عليه الحسن البصري ومالك بن أنس، وجاء مصرحًا به في حديث، ولكن في إسناده نظر. وصرح طائفة بأن شعيبًا - عليه السلام - عاش عمرًا طويلًا بعد هلاك قومه، حتى أدركه موسى - عليه السلام - وتزوج بابنته. روى ابن أبي حاتم وغيره عن الحسن البصري: أن صاحب موسى - عليه السلام - هذا، اسمه شعيب، وكان سيد الماء، ولكن ليس بالنبي صاحب مدين. والمقصود: أنه لما أضافه وأكرم مثواه، وقص عليه ما كان من أمره بشره بأنه قد نجا، فعند ذلك قالت إحدى البنتين لأبيها: {يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ} أي لرعي غنمك، ثم مدحته بأنه قوي آمين. قال ابن مسعود: أفرس الناس ثلاثة: صاحب يوسف حين قال لامرأته: {أَكْرِمِي مَثْوَاهُ} وصاحبة موسى حين قالت: {يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَويُّ الْأَمِينُ} وأبو بكر حين استخلف عمر بن الخطاب. {قَال إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَينِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ}. استدل بهذه جماعة من أصحاب أبي حنيفة رحمه الله، على صحة ما إذا باعه أحد هذين العبدين أو الثوبين ونحو ذلك، أن يصح، لقوله: {إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَينِ}. وفي هذا نظر، لأن هذه مراوضة لا معاقدة .. والله أعلم. ثم قال تعالى: {ذَلِكَ بَينِي وَبَينَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَينِ قَضَيتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} يقول: إن موسى قال لصهره: الأمر على ما قلت، فأيهما قضيت فلا عدوان عليَّ، والله على مقالتنا سامع وشاهد، ووكيل عليَّ وعليك، ومع هذا فلم يقضي موسى إلَّا أكمل الأجلين وأتمهما وهو العشر سنين كوامل تامة. قال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا مروان بن شجاع، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، قال: سألني يهودي من أهل الحيرة: أيّ الأجلين قضى موسى؟ فقلت: لا أدري حتى أقدم على حبر العرب فأسأله. فقدمت فسألت ابن عباس فقال: قضى أكثرهما وأطيبهما، إن رسول الله إذا قال فعل. (ح ٢٦٨٤). تفرد به البخاري من هذا الوجه، وقد رواه النسائي في حديث الفتون، كما سيأتي من طريق القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير به. وقد رواه ابن جرير عن أحمد بن محمد الطوسي، وابن أبي حاتم، عن أبيه، كلاهما عن الحميدي، عن سفيان بن عيينة، حدثني إبراهيم بن يحيى بن أبي يعقوب عن الحكم بن =
- ج ١ ص ٣٢٩
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "سألت جبريل أي الأجلين قضى موسى؟ قال: أتمهما وأكملهما". (جامع البيان / ج ٢/ ٦٨). وإبراهيم هذا غير معروف إلَّا بهذا الحديث. وقد رواه البزار عن أحمد بن أبان القرشي، عن سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن أعين، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس. قال الله تعالى: {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَال لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالمِينَ (٣٠) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيبِكَ تَخْرُجْ بَيضَاءَ مِنْ غَيرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} [القصص: ٢٩ - ٣٢]. تقدم أن موسى أتمَّ الأجلين وأكملهما، وقد يؤحذ هذا من قوله: {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ}. وقوله: {وَسَارَ بِأَهْلِهِ} أي من عند صهره. قالوا: واتفق ذلك في ليلة مظلمة باردة، وتاهوا في طريقهم فلم يهتدوا إلى السلوك في الدرب المألوف، واشتد الظلام والبرد. فبينما هو كذلك إذ أبصر عن بعد نارا تأجج في جانب الطور - وهو الجبل الغربي منه عن يمينه فـ {لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا} وكأنه والله أعلم رآها دونهم: {لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ} أي لعلي أستعلم من عندها عن الطريق: {أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} فدل على أنهم كانوا قد تاهوا عن الطريق في ليلة باردة مظلمة، لقوله في الآية الأخرى: {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَال لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى} فدل على وجود الظلام وكونهم تاهوا عن الطريق، وجمع الكل في سورة النمل في قوله: {إِذْ قَال مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} وقد أتاهم بخبر وأي خبر، ووجد عندها هدىً وأي هدىً، واقتبس منها نورًا وأي نور؟ ! قال الله تعالى: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالمِينَ}. وقال في النمل: {فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ} أي سبحان الله الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد {يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [النمل: ٩]. وقال في سورة طه: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى} [طه: ١١ - ١٦] =