مقدمة

٣٦ فقرة، ج ٨ ص ٥

  1. إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه، ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِل له، ومن يضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

    ج ٨ ص ٥
  2. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) } [آل عمران: ١٠٢] .

  3. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا

    وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيكُمْ رَقِيبًا (١) } [النساء: ١] .

  4. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب ٧٠ - ٧١] .

  5. أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتابُ الله، وأحسنَ الهدي هديُ محمد - صلى الله عليه وسلم -، وشر الأمور محدثاتُها وكل محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعة ضلالةٌ، وكل ضلالةٍ في النار".

  6. وبعد:
  7. فإن التاريخ الإسلامي لم ينل حقه من التمحيص والتحقيق والتخريج كما نالت العلوم الإسلامية الأخرى، فدخل فيه الغث والسمين والصحيح والباطل. كما لعبت أسباب عديدة وغايات مختلفة، وأغراض متباينة منها السياسية، ومنها العصبية الجنسية والطائفية، ومنها الزندقة والإلحاد، ومنها الثأر للفارسية والرومية وغيرها في تحريف التاريخ وتشويه حقائقه، وإظهاره بغير الوجه

    ج ٨ ص ٦الصحيح المشرق، الذي أنار للعالم الطريق إلى السعادة والسؤدد.

  8. ومن فضل الله علينا وعلى العالم أجمع أن أكرمنا الإسناد الذي هو من الدين فقد قال ابن المبارك (١) : "الإسنادُ من الدين، ولولا الإسنادُ لقال من شاء ما شاء" اهـ.

    وقال سفيان الثوري (٢) : "الإسناد سلاحُ المؤمن، فإذا لم يكن معه سلاح فأي شيءٍ يقاتل؟ " اهـ.

    وقال الأوزاعي (٣) : "وما ذهاب العلم إلَّا ذهاب الإسناد" اهـ.

    1. (١)أخرجه مسلم في مقدمة صحيحة (١/ ٨٧) وانظر علل الترمذي (١/ ٣٥٩) والكفاية للخطيب ص ٣٩٣.
    2. (٢)أخرجه ابن حبان في كتابه "المجروحين" (١/ ٢٧) وانظر علل الترمذي (١/ ٣٦٠).
    3. (٣)علل الترمذي (١/ ٣٦٠).
  9. وقال سفيان بن عيننة (٤) ؛ "حدث الزهري يومًا بحديث فقلت: هاته بلا إسناد، فقال الزهري: " أيرقى السطح بلا سلم؟ ".

    وقال بقية: ذاكرت حماد بن زيد أحاديث. فقال: ما أجود أحاديثك لو كان لها أجنحة، يعني: الأسانيد (٥) .

    وقال الشافعي: "الذي يطلب العلم بلا سند كحاطب ليل، يحمل حزمة حطب وفيه أفعى وهو لا يدري " (٦) .

    وقال علي القاري: "أصلُ الإسناد خصيصةٌ فاضلةٌ من خصائص هذه الأمة وسنةٌ بالغةٌ من السنن المؤكدة، بل من فروضِ الكفاية، وطلبُ العُلو أمرٌ مطلوب وشأن مرغوب " (٧) .

    وقال أبو العباس الدَّغْولي: "سمعت محمد بن حاتم بن المظفَّر يقول: "إن الله تعالى قد أكرمَ هذه الأمة وشرَّفها وفضَّلها بالإسناد. وليس لأحد من الأمم كلّها

    ج ٨ ص ٧قديمها وحديثها إسناد موصول. إنما هو صحف في أيديهم وقد خلطوا بكتبهم أخبارهم (١) .

    وقال الإمام اللكنوي (٢) : "فهذه العبارات بصراحتها أو بأشارتها تدلُّ على أنه لا بدَّ من الإسناد في كل أمرٍ من أمور الدين، وعليه الاعتماد، أعمُّ من أن يكون ذلك الأمرُ من قبيل الأخبار النبوية، أو الأحكام الشرعية، أو المناقب والفضائل، والمغازي والسير والفواضل، وغير ذلك من الأمور التي لها تعلُّقٌ بالدين المتين والشرع المبين، فشيء من هذه الأمور لا ينبغي عليه الاعتماد ما لم يتأكد بالإسناد لا سيما بعد القرون المشهود لهم بالخير" اهـ.

    1. (٤)علل الترمذي (١/ ٣٦٠).
    2. (٥)شرح علل الترمذي (١/ ٣٦١).
    3. (٦)فيض القدير. للمناوي (١/ ٤٣٣ - ٤٣٤).
    4. (٧)شرح شرح النخبة ص ١٩٤.
    5. (١)المواهب اللدنية بشرح الزقاني (٥/ ٤٥٣).
    6. (٢)في الأجوبة الفاصلة ص ٢٧ تحقيق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة.
  10. وإن تأريخ الإمام الطبري من أوسع المصادر التأريخية المتقدمة وأكثرها اعتناءً بالإسناد، إلا أن الطبري رحمه الله اعتمد في تأريخ حروب الردة وفتوح الشام والعراق ومجريات الأحداث في هذا العهد - عهد الخلفاء الراشدين - على مرويات سيف بن عمر التميمي وبكثرة، وكذلك اعتمد مرويات أبي مخنف، ومعلوم أن أئمة الجرح والتعديل أجمعوا على تضعيف أبي مخنف (٣) .

    قال ابن حبان: "رافضي يشتم الصحابة ويروي بالموضوعات عن الثقات" "لسان الميزان" (٤/ ٣٦٦) .

    وقال ابن عدي في "الكامل" (٦/ ٢١١٠) : "حدَّث بأخبار من تقدم من السلف الصالحين، ولا يبعد منه أن يتناولهم وهو شيعي محترق صاحب أخبارهم.

    وقال أبو حاتم في "الجرح والتعديل " (٧/ ١٨٢) : " متروك الحديث". قلنا: ولذلك وضعنا معظم روايات أبي مخنف في قسم الضعيف هذا.

    1. (٣)انظر ترجمته والكلام عليه في كتابنا رجال تاريخ أبي جعفر محمد بن جرير الطبري جرحًا وتعديلًا" في حرف اللام: لوط بن يحيى -أبو مخنف-.
  11. وبينا ما في متونها من نكارة، ولم نجد له إلا روايات قليلة جدًّا توافق ما رواه الثقات، ولم نُطل كثيرًا في نقد رواياته فقد كفانا الأستاذ يحيى اليحيى ذلك في

    ج ٨ ص ٨كتابه القيم "مرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري -عصر الخلافة الراشدة- دراسة نقدية" .

  12. أما بالنسبة لروايات سيف بن عمر التميمي وهو الأكثر ورودًا في عهد أبي بكر الصديق عند الطبري، فقد وضعنا منهجًا نرجو أنَّا قد التزمنا به في تحقيقنا هذا.

  13. وقبل ذكر شروطنا في التفاصيل مع مرويات سيف لا بد أن نذكر أقوال العلماء فيه باختصار.

  14. * أما في الحديث فهو ضعيف عند جمهور النقاد.

    قال الدارقطني: ضعيف. (التهذيب ٤/ ٢٩٦) .

    وقال النسائي: ضعيف. (الضعفاء والمتروكين / ٥١) .

    وقال ابن حبان: اتهم بالزندقة وكان يضع الحديث. (المجروحين ١/ ٣٤٥) .

  15. وقد اعترض ابن حجر على ابن حبان فقال في التقريب (١/ ٢٦٢) أفحش ابن حبان القول فيه.

  16. * أما بالنسبة للروايات التأريخية، فقد قال ابن حجر في التقريب: (عمدة في التأريخ) وقال الذهبي: كان أخباريًا عارفًا. الميزان (٢/ ٢٥٥) ولذلك قال عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى (قسم التأريخ الإسلامي) د. خالد الغيث: ينقسم الحديث عن درجة سيف العلمية إلى قسمين:

    (الأول) : يتعلق بسيف المحدث.

  17. (والثاني) : يتعلق بسيف الأخباري (استشهاد عثمان وموقعة الجمل في مرويات سيف بن عمر في تاريخ الطبري - دراسة نقدية / ٢٨) .

  18. ويرى المؤرخ الإسلامي المعاصر الأستاذ العمري أن سيفًا هذا ضعيف جدًّا في التأريخ.

  19. قلنا: من أجل ما سبق وضعنا بعضًا من روايات سيف في قسم الصحيح بشروط:

    ١ - إن وجدنا لها أصلًا صحيحًا ابتداءً بالبخاري ومرورًا ببقية كتب الحديث وانتهاءً بالمصادر التأريخية الموثوقة.

  20. ٢ - إن تأكدنا من خلوّ تلك الروايات مما يتعلق بالمسائل العقيدية والحلال والحرام.

    ج ٨ ص ٩
  21. ٣ - إن تأكدنا من خلوّ تلك الروايات من طعن في عدالة الصحابة أو غمز ولمز بهم وبتعاملهم مع بعضهم البعض.

  22. ٤ - إن تأكدنا من خلوّ تلك الروايات من الانحياز إلى اتجاه سياسي معروف في عهد الخلفاء الراشدين.

  23. أما بقية الروايات (وهي الأكثر) فقد وضعناها في الضعيف وبيّنا ما فيها من نكارة أو غرابة. ولقد أسهب الدكتور خالد الغيث في تقييمه لروايات سيف في رسالته الجامعية فلا نريد أن نذكر تفاصيل ذلك إلّا أنّا نضيف معلقة صغيرة فيما يتعلق بالطعون الواردة في روايات سيف ونعني (الطعن في عدالة الصحابة) وهو أن البلاء ليس من سيف فحسب وإنما أكثر البلاء من تلميذه وراويته شعيب وأغلب الروايات من طريقه فهو المعروف بتحامله على الصحابة اليس بالمعروف وله أحاديث وأخبار وفيها بعض النكارة وفيها تحامل على السلف / اللسان ٣/ ١٤٥).

  24. واعتبرنا هذه الطريق (طريق شعيب عن سيف) أشد مرويات سيف ضعفًا عند الطبري. أما أقل مرويات سيف ضعفًا أو أصحها (وليس صحيحها) فهو طريق: (حدثنا عبيد الله قال حدثني عمّي قال حدثنا سيف) والله أعلم.

  25. ثانيًا: أما فيما يتعلق بالمصادر التي اعتمدنا عليها في تقسيمنا لمرويات الطبري التأريخية فهي كما يلي:

    ٢ - تأريخ خليفة بن خياط: فهو مؤرخ معتمد ثقة توفي (٢٤٠ هـ) أي بعد أن بدأ الطبري بطلب الحديث بأربع سنوات - وهو يدرس التأريخ دراسة حولية بالإضافة إلى كتابته التأريخ بصيغة أخرى هي تدوين التأريخ من خلال دراسة الشخصيات التأريخية: الأنبياء، ثم الصحابة، ثم أئمة التابعين، وذلك في كتابه القيم المعروف (طبقات خليفة) .

  26. ٢ - فتوح البلدان للبلاذري: والذي اهتم اهتمامًا بالغًا بتأريخ الفتوح وهو يعتمد الإسناد كسلفه خليفة، إلّا أن خليفة يذكر الإسناد ويعتمده أكثر من البلاذري الذي توفي (٢٧٩ هـ) وكذلك اعتمد البلاذري الإسناد في دراسته

    ج ٨ ص ١٠لشخصيات الصحابة في كتابه التأريخي القيّم (أنساب الأشراف) .

  27. ٣ - والمصدر الثالث الذي اعتمدناه في مقارنتنا لروايات الطبري التأريخية هو (الطبقات الكبرى لابن سعد) وإن كان ابن سعد يعتمد كثيرًا على شيخه الواقدي، وهو متروك ولهذا لم نعتمد هذه الروايات إلّا ما كان له متابعة أو شاهد.

  28. ٤ - ومن المصادر المتقدمة الأخرى التي اعتمدناها في تحقيقنا لمرويات الطبري التاريخية (كتاب المعرفة والتأريخ) ليعقوب بن سفيان وكذلك (الأخبار الطوال) للدينوري ت (٢٨٢ هـ) .

  29. ٥ - ومعلوم أن عددًا من المؤرخين الثقات برزوا في القرون التالية ومنهم ابن عساكر الذي عاش في القرن الخامس الهجري واشتهر كتابه تأريخ دمشق وهو بحق سفر تأريخي قيّم اعتمد فيه الإسناد ورجّح أحيانًا بين الروايات التأريخية فذكرنا ترجيحاته واعتمدنا مختصر تأريخه (لابن منظور رحمه الله) وكذلك راجعنا روايات الكلاكي في كتابه (الاكتفاء) وابن الجوزي في كتابه المعروف (المنتظم) .

  30. ٦ - أما بالنسبة للأئمة المتأخرين الذين برزوا في التأريخ بالإضافة إلى كونهم أئمة في الحديث فقد اعتمدنا تأريخ الإسلام للذهبي وذكرنا أحيانًا تصحيحاته وتعليقاته على الروايات التأريخية، وكذلك اعمدنا (البداية والنهاية لابن كثير) وذكرنا ترجيحات ابن كثير وتصويباته.

  31. ٧ - أما بالنسبة للحافظ ابن حجر فقد اعتمدنا على كتابه (الإصابة في تمييز الصحابة) وخاصة فيما يذكره عن تأريخ الصحابة واشتراكهم في حروب الردة ومعارك الفتوح مشيرًا إلى روايات الأئمة المحدثين المتقدمين في كتبهم التي اطلع عليها ذاكرًا أسانيدهم فنذكرها بأسانيدها وهو أحيانًا يحكم على هذه الأسانيد وأحيانًا يسكت عنها (من أمثال ما كتبه ابن السكن، وابن شاهين، وابن مندة، وغيرهم) .

  32. ٨ - وأخيرًا فقد رجعنا فيما رجعنا إليه إلى كتاب تأريخ الخلفاء للسيوطي.

  33. ٩ - أما ما يتعلق بالصحاح والمسانيد والسنن والمستدركات والمصنفات كمصنف ابن أبي شيبة وغيره ففيها روايات تأريخية قليلة جدًّا بالنسبة لمرويات الطبري وغيره ولكننا ذكرناها قبل غيرها فهي لنا كالكنز الثمين لأنها مسندة

    ج ٨ ص ١١موصولة ورجال أسانيدها ثقات في الغالب.

  34. ١٠ - وكنَّا نتمنى أن نطلع على ما كتبه الأستاذ الفاضل العمري في كتابه (تأريخ الخلفاء الراشدين) فهو مؤرخ معاصر معروف بتحرّيه للروايات المسندة الصحيحة في التأريخ ونرجو أن نحصل عليه لاحقًا إن شاء الله ومع ذلك فقد اطلعنا على بعض الرسائل الجامعية القيمة (مرويات أبي مخنف، مرويات سيف بن عمر، موقف الصحابة في الفتنة، عبد الله بن سبأ، . إلخ من الرسائل التي تطرقنا إلى ذكرها أثناء التحقيق) .

  35. وكذلك اطلعنا على ما كتبه الأستاذ المؤرخ باشميل عن فتوح الشام فجزاهم الله جميعًا خير الجزاء ولا ندعي أننا أصبنا كبد الحقيقة في تحقيقنا للروايات التأريخية ولكنّا حاولنا جهد المستطاع أن نظهر للقارئ الكريم عظمة التأريخ الإسلامي الذي طالما شوّهه المستشرقون حسدًا وحقدًا وعدوانًا فإن أصبنا في شيء فمن الله التوفيق، وإن أخطأنا فمن عند أنفسنا ونستغفر الله.

  36. المحققان