ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ذكر ما كان فيها من الأحداث وموادعة الحرب بين علي ومعاوية

٩ فقرات، ج ٨ ص ٧٥٥

  1. ١٠٨٦ - فكان في أوّل شهر منها -وهو المحرّم- موادَعة الحرب بين عليّ ومعاوية، قد توادعا على ترك الحرب فيه إلى انقضائه طمعًا في الصلح؛ فذكر هشام بن محمد؛ عن أبي مِخْنَف الأزديّ، قال: حدّثني سعد أبو المجاهد الطائيّ عن المُحِلّ بن خليفة الطائيّ، قال: لما توادَع عليّ ومعاوية يوم صِفّين، اختلف فيما بينهما الرُّسل رجاء الصُّلْح، فبعث عليّ عديَّ بنَ حاتم، ويزيدَ بنَ قيس الأرحبيّ، وشَبَث بن رِبْعيّ، وزياد بن خَصَفة إلى معاوية، فلمَّا دخلوا حمِد الله عديُّ بن حاتم، ثم قال: أمَّا بعد، فإنَّا أتيناكَ ندعوكَ إلى أمرٍ يجمعُ اللهُ عزّ وجلّ به كلمتنا وأمَّتنا، ويحقن به الدماء، ويؤمِّن به السُّبل، ويصلح به ذاتَ البين، إنّ ابن عمك سيّد المسلمين أفضلها سابقة، وأحسنها في الإسلام أثرًا، وقد استجمع له الناس، وقد أرشدهم الله عزّ وجلّ بالذي رأوْا، فلم يبق أحد غيرك وغير مَن معك، فانتهِ يا معاوية لا يصبْك الله وأصحابك بيوم مثل يوم الجمل. فقال معاوية: كأنك إنما جئت متهدّدًا، لم تأت مصلحًا! هيهات يا عديّ! كلّا والله إني لابنُ حرب، ما يُقعقَع لي بالشِّنان، أما والله إنك لمن المجلِبين على ابن عفَّان رضي الله عنه، وإنك لمن قَتَلتِه، وإنِّي لأرجو أن تكون ممن يَقتل اللهُ عزّ وجلّ به. هيهات يا عديّ بن حاتم! قد حلبتَ بالساعد الأشدّ. فقال له شَبَث بن رِبعيّ وزياد بن خَصَفة- وتنازَعا جوابًا وَاحدًا: أتيناك فيما يصلحنا وإيّاك، فأقبلتَ تضرب لنا الأمثال! دَعْ ما لا يُنتفع به من القول والفعل، وأجبنا فيما يعمُّنا وإياك نفعُه، وتكلم يزيد بن قيس، فقال: إنا لم نأتك إلّا لنبلِّغك ما بُعثنا به إليك، ولنؤدّيَ عنك ما سمعنا منك، ونحن على ذلك لم نَدَع أن ننصحَ لك، وأن نذكر ما ظننّا أن لنا عليك به حجّة، وأنَّك راجع به إلى الألفة والجماعة.

    ج ٨ ص ٧٥٥
  2. إنَّ صاحبنا من قد عرفتَ وعرفَ المسلمون فضلَه، ولا أظنُّه يخفى عليك: إنّ أهل الدين والفضل لن يعدلوا بعليّ، ولن يميِّلوا بينك وبينه، فاتَّق الله يا معاوية، ولا تخالف عليًّا، فإنَّا والله ما رأينا رجلًا قطّ أعملَ بالتقوى، ولا أزهدَ في الدنيا، ولا أجمعَ لخصال الخير كلِّها منه!

  3. فحمِد اللهَ معاويةَ وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإنكم دعوتم إلى الطاعة والجماعة، فأمّا الجماعة التي دعوتم إليها فمعنا هي، وأمّا الطاعة لصاحبكم فإنا لا نراها؛ إنّ صاحبكم قتل خليفتَنا، وفرّق جماعتَنا، وآوى ثأرنا، وقتلَتَنا، وصاحبكم يزعم أنه لم يقتلْه، فنحن لا نردّ ذلك عليه، أرأيتم قتلَة صاحبنا؟ ألستم تعلمون أنهم أصحاب صاحبكم؟ فليدفعْهم إلينا فلنقتلْهم به. ثم نحن نجيبكم إلى الطاعة والجماعة.

    فقال له شَبَث: أيسرّك يا معاوية أنك أُمْكِنْت من عمّار تقتله! فقال معاوية: وما يمنعني من ذلك! والله لو أمكِنْتُ من ابن سُميَّة ما قتلتُه بعثمانَ، ولكن كنتُ قاتلَه بناتل مولَى عثمان، فقال له شَبَث: وإله الأرض وإله السماء، ما عدلتَ معتدلًا. لا والذي لا إله إلّا هو لا تصل إلى عمَّار حتى تندُر الهام عن كواهل الأقوام، وتضيق الأرض الفضاء عليك برُحْبها. فقال له معاوية: إنه لو قد كان ذلك كانت الأرض عليك أضيَق.

    ج ٨ ص ٧٥٦
  4. وتفرّق القوم عن معاوية، فلما انصرفوا بعث معاوية إلى زياد بن خصَفة التيميّ، فخلا به، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أمَّا بعد يا أخا ربيعة، فإن عليًّا قطّع أرحامنا، وآوى قَتلَة صاحبنا. وإني أسألك النصر عليه بأسرَتك وعشيرِتك، ثم لك عهدُ الله جلّ وعزّ وميثاقُه أن أوَلِّيَك إذا ظهرتُ أىَّ المِصريْن أحببت (١) . (٥: ٥ - ٦) .

    1. (١)إسناده تالف وفي متنه نكارات وغرائب، ولم يتابع أبا مخنف أحدٌ في روايته هذه ولا ندري كيف يذهب عدي بن حاتم رسولًا للسلام والصلح ثم يقوم بتهديد الطرف الذي يريد أن يتفاوض ويصالح: (فانته يا معاوية لا يصيبك الله وأصحابك بيوم مثل يوم الجمل) ونكرة أخرى من منكرات أبي مخنف في روايته هذه أن معاوية اتهم عدي بن حاتم بقتل عثمان وذلك لم يرد لا في رواية صحيحة ولا ضعيفة وقد ذكرنا في مسألة مقتل أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه قول الحسن: أكان فيمن قتل عثمان أحد من المهاجرين والأنصار؟ قال: لا. كانوا أعلاجًا من أهل مصر (تأريخ خليفة/ ١٧٦) وكذلك ما أخرجه ابن عساكر (ترجمة عثمان / ٤٠٨) عن قيس بن أبي حازم أن قتلة عثمان ليس فيهم أحد من الصحابة. والنكرة الأخرى التي تقوّلها على سيدنا معاوية أنه هدّد عمارًا بالقتل لا انتقامًا لدم عثمان رضي الله عنه وإنما دم عمار أرخص من ذلك فهو لا يعدو أن يكون عدلًا لدم ناتل مولى عثمان، وحاشا لكاتب الوحي وصحابي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (معاوية) أن يتقول بهذا الكلام ولم = = نجد هذا الإفتراء عند غبر التالف الهالك أبي مخنف.
  5. ١٠٨٧ - قال أبو مخنف: فحدّثني سعد أبو المجاهد عن المحِلّ بن خليفة، قال: سمعت زياد بن خَصفة يحدّث بهذا الحديث، قال: فلما قضى معاوية كلامَه حمدتُ الله عزّ وجلّ، وأثنيتُ عليه، ثم قلت: أما بعد، فإني على بيِّنة من ربِّي وبما أنعم عليّ، فلن أكون ظَهيرًا للمجرمين، ثم قمت. فقال معاوية لعمرو بن العاص - وكان إلى جنبه جالسًا: ليس يكلّم رجل منا رجلًا منهم فيُجيب إلى خير، ما لهم عَضبهم الله بشرّ! ما قلوبهم إلا كقلب رجل واحد (١) . (٥: ٦ - ٧) .

    1. (١)إسناده تالف، وهو تكرار للرواية التي قبلها مع زيادة نكارة أخرى هى عبارة (فلن أكون ظهيرًا للمجرمين) ولم ترد رواية صحيحة ولا ضعيفة تذكر هذه المقولة المفتراة.
    ج ٨ ص ٧٥٧
  6. ١٠٨٨ - قال أبو مِخْنف: فحدّثني سليمان بن أبي راشد الأزديّ عن عبد الرحمن بن عبيد أبي الكُنود: أنّ معاوية بعث إلى عليّ حبيبَ بن مسلمة الفهريّ، وشُرَحبيل بن السِّمْط، ومعن بن يزيد بن الأخنس، فدخلوا عليه وأنا عنده، فحمِد الله حبيب وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإنّ عثمان بن عفان رضي الله عنه كان خليفةً مهديًّا، يعمل بكتاب الله عزّ وجلّ، ويُنيب إلى أمر الله تعالى، فاستثقلتم حياته، واستبطأتم وفاتَه، فعدوْتم عليه فقتلتموه؛ فادفع إلينا قتلةَ عثمان - إنْ زعمت أنك لم تقتله - نقتلهم به، ثم اعتزِل أمرَ الناس فيكون أمرُهم شورى بينهم، يولّى الناس أمرَهم مَن أجمع عليه رأيهم. فقال له عليّ بن أبي طالب: وما أنت لا أمَّ لك والعزل وهذا الأمر! اسكُت فإنك لستَ هناك ولا بأهل له! فقام وقال له: والله لترَينّي بحيث تكره. فقال عليّ: وما أنت ولو أجلبتَ بخَيْلك ورَجِلك! لا أبقى الله عليك إن أبقيت عليّ! أحُقْرَةً وسوءًا؟ ! اذهب فصوِّب، وصعِّد ما بدا لك.

    وقال شُرحبيل بن السّمط: إنّي إن كلمتك فلَعَمْري ما كلامي إلّا مثل كلام صاحبي قبلُ، فهل عندك جواب غير الذي أجبتَه به؟ فقال عليّ: نعم لك ولصاحبك جواب غير الذي أجبتُه به. فحمِد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإنّ الله جلّ ثناؤه بعث محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بالحقّ، فأنقَذ به من الضلالة، وانتاش به من الهَلَكة، وجمع به من الفُرْقة، ثمّ قبَضه الله إليه وقد أدّى ما عليه - صلى الله عليه وسلم -، ثم استَخلف الناسُ أبا بكر رضي الله عنه، واستخلف أبو بكر عمرَ رضي الله عنه،

    ج ٨ ص ٧٥٨فأحسَنَا السّيرة، وعدَلَا في الأمّة، وقد وَجَدنا عليهما أن تَولَّيا علينا- ونحن آل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فغفرنا ذلك لهما، وولي عثمان رضي الله عنه فعمل بأشياءَ عابها النّاس عليه، فساروا إليه فقتلوه، ثم أتاني الناس وأنا معتزل أمورَهم، فقالوا لي: بايع، فأبَيتُ عليهم، فقالوا لي: بايعْ، فإنّ الأمة لا ترضى إلا بك! وإنّا نخاف إن لم تفعل أن يفترق الناس؛ فبايعتُهم، فلم يَرعْنِي إلّا شقاق رجُلين قد بايَعاني، وخلاف معاوية الذي لم يجعل الله عزّ وجلّ له سابقةً في الدين، ولا سلف صِدْق في الإسلام، طليق ابن طَلِيق، حِزْب من هذه الأحزاب، لم يزل لله عزّ وجلّ ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - وللمسلمين عدوًّا هو وأبوه حتى دخلا في الإسلام كارهين، فلا غَرْوَ إلّا خلافكم معه، وانقيادُكم له، وتدَعون آلَ نبيكم - صلى الله عليه وسلم - الذين لا ينبغي لكم شقاقُهم ولا خلافُهم، ولا أن تَعدِلوا بهم من الناس أحدًا، ألا إني أدعوكم إلى كتاب الله عزّ وجلّ وسنة نبيّه - صلى الله عليه وسلم - وإماتة الباطل، وإحياء معالم الدين؛ أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، ولكلّ مؤمن ومؤمنة، ومسلم ومسلمة.

  7. فقالا: اِشهَدْ أنّ عثمانَ رضي الله عنه قُتل مظلومًا، فقال لهما: لا أقول إنه قُتل مظلومًا، ولا إنه قتل ظالمًا، قالا: فمَنْ لم يزعم أنّ عثمان قتل مظلومًا فنحن منه براء، ثم قاما فانصرفا. فقال عليّ: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ} ثم أقبل عليّ على أصحابه فقال: لا يكون هؤلاء أوْلى بالجِدّ في ضلالهم منكم بالجِد في حقّكم وطاعة ربّكم (١) . (٤: ٧ - ٨) .

    1. (١)إسناده تالف، وفي متنه نكارات ومنها قوله: (ثم اعتزل أمر الناس فيكون أمرهم شورى بينهم) والعجيب أننا لم نجد ولا رواية ضعيفة تؤيد افتراء أبي مخنف هذا حين زعم أن معاوية كان يطلب من خليفة المسلمين علي أن يعتزل الخلافة وإنما صح عنه أنه كان يطالب بالقصاص من قتلة عثمان رضي الله عنه وقد سبق أن ذكرنا الرواية التاريخية بإسناد جيد عن أبي مسلم الخولاني عندما استفسر من معاوية عن سبب عدم طاعته للخليفة الراشد الرابع فكان مفهوم جواب سيدنا معاوية أنه يرى عليًّا أولى بأمر الخلافة ويقرّ له بذلك ولكن يريد أولًا القصاص من قتلة عثمان. ونكرة أخرى هو تقوّل أبي مخنف على الإمام علي رضي الله عنه بعبارة: (وولي عثمان رضي الله عنه فعمل بأشياء عابها الناس عليها فساروا إليه فقتلوه) وكان سيدنا عثمان لم يكن ذا أهمية عند سيدنا علي ونسي! أبو مخنف أن عليًّا طلب الإذن من عثمان لكي يميلوا على = = الخارجين ميلة واحدة بسيوفهم وأرسل ولده في مجموعة من أبناء الصحابة لحماية سيدنا عثمان كما سبق. ونكرة أخرى لطالما يرددها أبو مخنف في كل مناسبة فيقول على سيدنا علي رضي الله عنه ما لم يقل كزعمه أنه قال: (وقد وجدنا عليهما (أبي بكر وعمر) أن توليا علينا ونحن آل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فغفرنا ذلك لهما). ولقد كررنا مرارًا رواية البخاري عن محمد بن الحنفية: (أي الناس خير بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال أبو بكر ... الحديث) (الفتح ٧/ ٢٤). ونزيد هنا رواية أخرى فقد قال الحافظ ابن كثير: أخرج البيهقي عن أبي وائل قال: (قيل لعلي بن أبي طالب: ألا تستخلف علينا؟ فقال: ما استخلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأستخلف ولكن إن يرد الله بالناس خيرًا فسيجمعهم على خيرهم كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم) ثم قال ابن كثير: إسناد جيد (البداية والنهاية ٥/ ٢٥٠). ونكارة أخرى يتوكأ عليها دائمًا المستشرقون والمتغربون وهي أن الصحابة كانوا يغذّون هذا الخلاف ويذكون نار الفرقة بما تذاكروا من أحقاد الجاهلية ومغالها ونسوا أن الإسلام قد داس نعرات الجاهلية ومفاخرها بأرجل بلال وصهبب وسلمان وساوى بين عثمان الغني وغيره الفقير وبين مصعب المنعم في أهله وبين عمّار اليتيم الأبوين، وهل نسي الصحابة قول الله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} أم تراهم نسوا أن الإسلام يجب ما قبله؟ ! (حاشاهم) وحاشا لسيدنا علي أن يتهم معاوية وأباه بإسلامهما مكرهين ثم ينبش ما دفنه الإسلام من عيبة الجاهلية.
  8. ١٠٨٩ - قال أبو مِخْنَف: حدّثني جعفر بن حُذَيفة من آل عامر بن جُوَين: أن عائذ بن قيس الحِزمريّ، واثبَ عديَّ بن حاتم في الرّاية بصِفّين -وكانت حِزْمر أكثر من بني عديّ رهط حاتم- فوثب عليهم عبد الله بن خليفة الطائيّ البَوْلانيّ عند عليّ، فقال: يا بني حِزْمر، على عديّ تتوثّبون؟ ! وهل فيكم مثل عَدِيّ أو في آبائكم مثل أبي عَديّ! أليس بحامي القربة ومانع الماء يوم رَوِيّة؟ أليس بابن ذي المِرباع وابن جواد العرب؟ ! أليس بابن المُنْهب ماله، ومانع جاره؟ ! أليس مَن لم يغدر ولم يفجُر، ولم يجهل ولم يبخَل، ولم يمنُن ولم يجبن؟ ! هاتوا في آبائكم مثلَ أبيه، أو هاتوا فيكم مِثلَه. أوَ ليس أفضلكم في الإسلام! أو ليس وافدكم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ ! أليس برأسكم يوم النُّخيَلة، ويوم القادسيَة، ويوم المدائن، ويوم جَلُولاء الوقيعة، ويوم نِهاوَند، ويوم تُستَر؟ ! فما لكم وله! والله ما من قومكم أحد يطلب مثلَ الذي تطلبون، فقال له عليّ بن أبي طالب: حسبُك يا بن

    ج ٨ ص ٧٦٠خليفة! هَلُمّ أيّها القوم إليّ، وعليَّ بجماعة طيِّئ! فأتوْه جميعًا، فقال عليّ: من كان رأسكم في هذه المواطن؟ قالت له طيّئ: عديّ، فقال له ابن خليفة: فسلْهم يا أمير المؤمنين! أليسوا راضين مسلّمين لعديّ الرياسة؟ ففعل، فقالوا: نعم، فقال لهم: عديّ أحقُّكم بالراية. فسلّموها له، فقال عليّ -وضجّت بنو الحِزْمِر-: إنّي أراه رأسَكم قبل اليوم، ولا أرى قومه كلهم إلا مسلّمين له غيرَكم، فاتّبع في ذلك الكثرة، فأخذها عديّ. فلما كان أزمان حُجْر بن عديّ طُلب عبد الله بن خليفة لِيُبْعَثَ به مع حُجر -وكان من أصحابه- فسيِّر إلى الجبلين؛ وكان عديّ قد منَّاه أن يردّه، وأن يطلب فيه، فطال عليه ذلك، فقال:

    وتَنْسَونَني يَوْمَ الشَّريعَةِ والقنَا ... بصِفِّينَ في أكتفِهمْ قد تَكَسَّرا

    جَزَى ربُّهُ عَنّي عَدِيَّ بنَ حاتِمٍ ... برَفْضي وخِذلاني جَزاءً مُوَفَّرا

    أتَنْسَى بَلائي سادرًا يا بْنَ حاتِمٍ ... عشِيَّةَ ما أَغْنَتْ عَدِيُّكَ حِزْمرا

    فدَافَعْت عنك القَوْمَ حتى تخَاذَلوا ... وكنتُ أنا الخَصْمَ الألَدَّ العَذَوَّرا

    فوَلَّوا وما قاموا مقامي كأنّما ... رأَوْنِيَ لَيْثًا بالأباءَة مُخْدِرا

    نَصَرْتُكَ إذ خامَ القَريبُ وأبْعَطَ الـ ... ـبعيدُ وقد أفْرِدْتُ نَصْرًا مُؤزَّرا

    فكان جزائي أن أُجَرَّدَ بينكم ... سجينًا، وأنْ أولَى الهَوانَ وأوسَرا

    وكم عِدَةٍ لي مِنْكَ أنّكَ راجِعِي ... فَلَمْ تُغْنِ بالميعادِ عَنّيَ حَبْتَرا (١)

    1. (١)إسناده تالف، فهو من طريق الهالك أبي مخنف.
    ج ٨ ص ٧٥٩
  9. (٥: ٨/ ٩/ ١٠) .