ذكر خروج رسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الملوك
١٨ فقرة، ج ٢ ص ٢٢٩
- ج ٢ ص ٢٢٩
٢٠٥ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمَّد بن إسحاق، عن ابن شهاب الزّهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة بن مسعود، عن عبد الله بن عباس، قال: حدّثني أبو سُفيان بن حرب، قال: كنَّا قومًا تجّارًا، وكانت الحرب بيننا وبين رسول الله قد حصرتنا حتى نَهَكَتْ أموالنِا؛ فلمَّا كانت الهُدْنَة بينَنا وبين رسول الله، لم نأمَنْ ألا نجد أمنًا؛ فخرجتُ في نَفر من قريش تُجّار إلى الشأم؛ وكان وجهُ متجرنا منها غَزَّة، فقدمناها حين ظهر هِرَقْل على مَنْ كان بأرضه من فارس؛ وأخرجهم منها، وانتزع له منهم صليبه الأعظم؛ وكانوا قد استلبوه، فلمَّا بلغ ذلك منهم، وبلغه أن صليبه قد استنقذ له - وكانت حِمْصُ منزله - خرج منها يمشي على قدميه متشكرًا لله حين ردّ عليه ما ردّ، ليصلّيَ في بيت المقدس، تُبْسَطُ له البُسط، وتلقَى عليها الرياحين، فلمّا انتهى إلى إيلياء وقضى فيها صلاته، ومعه بطارقته وأشراف الروم، أصبح ذات غَداة مهمومًا يقلّب طرفه إلى السماءِ، فقال له بطارقته: والله لقد أصبحت أيها الملك الغداةَ مهمومًا، قال: أجلْ، أُريتُ في هذه الليلة أن مُلكَ الختان ظاهرٌ! قالوا له: أيها الملك، ما نعلم أمَّةً تختتن إلَّا يهود؛ وهم في سلطانك وتحت يدك؛ فابعث إلى كلّ مَنْ لك عليه سلطان في بلادك، فمرْه فليضرب أعناقَ كلّ مَنْ تحت يديه من يهودَ، واسترحْ من هذا الهمّ. فوالله إنَّهم لفي ذلك من رأيهم يُديرونه؛ إذْ أتاه رسولُ صاحب بُصْرَى برجل من العرب، يقوده - وكانت الملوك تَهَادَى الأخبار بينها - فقال: أيها الملك؛ إنَّ هذا الرجل من العرب من أهل الشَّاءِ والإبل؛ يحدّث عن أمر حَدَث ببلاده عجب؛ فسلْه عنه.
-
فلمَّا انتهى به إلى هِرَقْل رسول صاحب بُصرى، قال هرقل لتَرْجُمانه: سلْه، ما كان هذا الحدَث الَّذي كان ببلاده؟ فسأله فقال: خرج بين أظهرنا رَجُلٌ يزعُم أنَّه نبيّ، قد اتّبعه ناسٌ وصدّقوه، وخالفه ناس؛ وقد كانت بينهم ملاحم في مواطن كثيرة؛ فتركتهم على ذلك. قال: فلمَّا أخبره الخبر قال: جَرّدُوه، فجرَّدوه؛ فإذا هو مختُون، فقال هرقل: هذا والله الذي أريت؛ لا ما تقولون؛ أعطوه ثوبه؛ انطلق عنا. ثمَّ دعا صاحبَ شُرْطته، فقال له: قَلّب لي الشأم ظهرًا وبطنًا؛ حتى
ج ٢ ص ٢٣٠تأتيَني برجل من قوم هذا الرجل -يعني النبيّ - صلى الله عليه وسلم -.
قال أبو سفيان: فوالله إنّا لبغَزَّةَ، إذ هجم علينا صاحب شرطته؛ فقال: أنتم من قوم هذا الرجل الذي بالحجاز؟ قلنا: نعم، قال: انطلقوا بنا إلى الملك؛ فانطلقنا؛ فلما انتهينا إليه قال: أنتم من رَهْط هذا الرجل؟ قلنا: نعم؛ قال: فأيّكم أمسّ به رحمًا؟ قلت: أنا.
قال أبو سفيان: وايمُ الله ما رأيتُ من رجل أرى أنَّه كان أنكَر من ذلك الأغلف -يعني هرقل- فقال: ادْنُهْ فأقعدني بين يديه، وأقعد أصحابي خَلْفي، ثمَّ قال: إني سأسأله؛ فإن كَذَبَ فَردُّوا عليه؛ فوالله لو كذبتُ ما رَدُّوا عليَّ؛ ولكني كنتُ امرَأ سيدًا أتكرَّمُ عن الكذب؛ وعرفت أن أيسر ما في ذلك إنْ أنا كذبته أن يحفظُوا ذلك عليّ؛ ثمَّ يحدّثوا به عني؛ فلم أكذبه، فقال؛ أخبرني عن هذا الرجل الذي خرج بين أظهركم يدّعي ما يدّعي! قال: فجعلتُ أزَهّدُ له شأنه؛ وأصغِّرُ له أمره؛ وأقول له: أيّها الملك، ما يهمّك من أمره! إنَّ شأنه دون ما يبلغك؛ فجعل لا يلتفت إلى ذلك، ثمَّ قال: أنبئني عَمَّا أسألك عنه من شأنه. قلت: سَلْ عَمَّا بدا لك؛ قال: كيف نسبُه فيكم؟ قلت: محضٌ؛ أوسطنا نسَبًا. قال: فأخبرني هل كان أحد من أهل بيته يقول مثل ما يقول، فهو يتشبَّه به؟ قلت: لا. قال: فهل كان له فيكم مُلْكٌ فاستلبتموه إيّاه؛ فجاء بهذا الحديث لتردُّوا عليه ملكه؟ قلت: لا؛ قال: فأخبرني عن أتْبَاعِه منكم، مَنْ هم؟ قال: قلت: الضعفاء والمساكين والأحداث من الغِلْمان والنِّساء، وأما ذوو الأسنان والشَّرَف من قومه؛ فلم يتّبعه منهم أحدٌ. قال: فأخبِرْني عَمّنْ تَبِعه، أيحبّه ويلزمُه أم يقليه ويفارقه؟ قال: قلت: ما تبعه رجل ففارقه. قال: فأخبرني كيف الحرب بينكم وبينه؟ قال: قلت: سِجَالٌ يُدال علينا وندال عليه؛ قال: فأخبرني هل يَغْدِر؟ فلم أجد شيئًا ممَّا سألني عنه أغمزه فيه غيرها، قلت: لا، ونحن منه في هُدْنة، ولا نأمن غَدْره. قال: فوالله ما التفت إليها منّي، ثمَّ كرّ عليّ الحديث.
قال: سألتك كيف نسبه فيكم، فزعمتَ أنَّه مَحْضٌ، من أوسطكم نسبًا؛ وكذلك يأخذ الله النبيّ إذا أخذه؛ لا يأخذه إلا من أوْسَط قومه نسبًا. وسألتك: هل كان أحدٌ من أهل بيته يقول بقوله؛ فهو يتشبَّه به؛ فزعمت أن لا؛ وسألتك: هل كان له فيكم مُلْكٌ فاستلبتموه إياه؛ فجاءَ بهذا الحديث يطلب به ملكه؟
- ج ٢ ص ٢٣١
فزعمت أن لا. وسألتك عن أتباعه، فزعمت أنَّهم الضعفاء والمساكين والأحداث والنساء؛ وكذلك أتباع الأنبياء في كلّ زمان، وسألتكُ عَمّن يتَّبعه، أيحبه ويلزمه أم يَقْلِيه ويفارقه؟ فزعمت أنَّه لا يتبعه أحدٌ فيفارقه؛ وكذلك حلاوة الإيمان لا تدخل قلبًا فتخرج منه. وسألتك: هل يغدر؟ فزعمت أن لا؛ فلئن كنتَ صدقتني عنه ليغلبَنِّي على ما تحت قدميّ هاتين؛ ولوددت أنِّي عنده فأغسل قدميه. انطلق لشأنك.
قال: فقمتُ من عنده وأنا أضرب إحدى يديّ بالأخرى؛ وأقول: أي عبادَ الله؛ لقد أمرَ أمْرُ ابن أبي كَبْشة! أصبح ملوك بني الأصفر يهابونَه في سلطانهم بالشام!
قال: وقدم عليه كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع دحيَة بن خليفة الكلبيّ: بسم الله الرحمن الرحيم. من محمَّد رسول الله إلى هِرَقْل عظيم الروم. السَّلام على من اتَّبع الهدى. أمَّا بعد: أسْلِمْ تَسْلَم، وأسْلِمْ يُؤْتِك الله أجْرَك مرّتين؛ وإن تتولّ فإنّ إثْمَ الأكّارين عليك -يعني تِحِمَّاله (١) . (٢: ٦٤٦/ ٦٤٧ / ٦٤٨/ ٦٤٩) .
- (١)إسناده ضعيف ولكن حديث ابن عباس في هذه القصة حديث صحيح فقد أخرج البخاري عن حديث ابن عباس - رضي الله عنهما -: أن أبا سفيان أخبره من فيه إلى فيه قال: "انطلقت في المدة التي كانت بيني وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: فبينما أنا بالشام، إذ جيء بكتاب من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى هرقل: يعني عظيم الروم. قال: وكان دحية الكلبي جاء به، فدفعه إلى عظيم بصرى فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل. فقال هرقل: هل هنا أحد من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنَّه نبي، قالوا: نعم. قال: فدعيت في نفر من قريش. فدخلنا على هرقل فأجلسنا بين يديه فقال: أيكم أقرب نسبًا من هذا الرجل الذي يزعم أنَّه نبي؟ فقال أبو سفيان: فقلت: أنا. فأجلسوني بين يديه وأجلسوا أصحابي خلفي، ثمَّ دعا بترجمانه فقال له: قل لهم: إني سائل هذا عن الرجل الذي يزعم أنَّه نبي. فإن كذبني فكذبوه. قال: فقال أبو سفيان: وايم الله! لولا مخافة أن يؤثر علي الكذب لكذبت. ثمَّ قال لترجمانه: سله كيف حسبه فيكم؟ قال: قلت: هو فينا ذو حسب قال: فهل كان من آبائه ملك؟ قلت: لا. قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال: قلت: لا. قال: ومن يتبعه: أشراف الناس أم ضعفاؤُهم؟ قال: قلت: بل ضعفاؤهم. قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قال: قلت: بل يزيدون. قال: هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له؟ قال: قلت: لا. قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم. قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قال: قلت: تكون الحرب بيننا وبينه = = سجالًا يصيب منا ونصيب منه. قال: فهل يغدر؟ قلت: لا. ونحن منه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها. قال: فوالله ما أمكنني من كلمة أدخل فيها شيئًا غير هذه قال: فهل قال هذا القول أحد قبله. قال: قلت: لا. قال لترجمانه: قل له: إني سألتك عن حسبه، فزعمت أنَّه فيكم ذو حسب، وكذلك الرسل تبعث في أحساب قومها. وسألتك: هل كان في آبائه ملك؟ فزعمت أن لا. فقلت: لو كان من آبائه ملك فقلت: رجل يطلب ملك آبائه. وسألتك عن أتباعه؛ أضعفاؤهم أم أشرافهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم وهم أتباع الرسل. وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال: فزعمت أن لا؟ فقد عرفت أنَّه لم يكن ليدع الكذب على الناس، ثمَّ يذهب فيكذب على الله. وسألتك: هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخله سخطة له؟ فزعمت أن لا. وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب. وسألتك: هل يزيدون أو ينقصون؟ فزعمت: أنهم يزيدون، وكذلك الإيمان حتى يتم. وسألتك: هل قاتلتموه؟ فزعمت أنكم قد قاتلتموه. فتكون الحرب بينكم وبينه سجالًا، ينال منكم وتنالون منه. وكذلك الرسل تبلى ثمَّ تكون لهم العاقبة. وسألتك: هل يغدر؟ فزعمت أنَّه لا يغدر. وكذلك الرسل لا تغدر وسألتك: هل قال هذا القول أحد قبله؟ فزعمت أن لا. فقلت: لو قال هذا القول أحد قبله قلت رجل ائتم بقول قيل قبله. قال: ثمَّ قال: بم يأمركم؟ فقلت: يأمرنا بالصلاة والزكاة والصلاة والعفاف. قال: إن يكن ما تقول فيه حقًّا، فإنَّه نبي وقد كنت أعلم أنَّه خارج، ولم أكن أظنه منكم، ولو أني أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقائه ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه، وليبلغن ملكه ما تحت قدمي قال: ثمَّ دعا بكتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقرأه فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من محمَّد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإِسلام. أسلم تسلم. وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين. وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَينَنَا وَبَينَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}. قال أبو سفيان: فلما قال ما قال، وفرغ من قراءة الكتاب، أكثر عنده الصخب وارتفعت الأصوات وأخرجنا، فقلت لأصحابي حين أخرجنا: لقد أمِرَ أمرُ ابن أبي كبشة، إنه يخافه ملك بني الأصفر. فما زلت موقنًا أنَّه سيظهر حتى أدخل الله علي الإِسلام". وكان ابن الناطور - صاحب إيلياء وهرقل - أسقفًا على نصارى الشام يحدث أن هرقل حين = = قدم إيلياء أصبح يومًا خبيث النفس، فقال بعض بطارقته: قد استنكرنا هيئتك. قال ابن الناطور: وكان هرقل حزاء ينظر في النجوم. فقال لهم حين سألوه: إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر، فمن يختتن من هذه الأمة؟ قالوا: ليس يختتن إلا اليهود. فلا يهمنك شأنهم واكتب إلى مدائن ملكك، فيقتلوا من فيهم من اليهود، فبينما هم على أمرهم أتي هرقل برجل أرسل به ملك غسان يخبر عن خبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فلما استخبره هرقل قال: اذهبوا فانظروا أمختتن هو أم لا؟ فنظروا إليه فحدثوه أنَّه مختتن، وسأله عن العرب فقال: هم يختتنون. فقال هرقل: هذا ملك هذه الأمة قد ظهر، ثمَّ كتب هرقل إلى صاحب له برومية وكان نظيره في العلم. وسار هرقل إلى حمص، فلم يرم حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأي هرقل على خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنه نبي. فأذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له بحمص، ثمَّ أمر بأبوابها فغلقت، ثمَّ اطلع فقال: يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي؟ فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب فوجدوها قد غلقت، فلما رأى هرقل نفرتهم، وأيس من الإيمان قال: ردوهم عليّ. وقال: إني قلت مقالتي آنفًا أختبر بها شدتكم على دينكم، فقد رأيت. فسجدوا له ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقل". (صحيح البخاري / كتاب بدء الوحي، باب حديث أبي سفيان عند هرقل / ح ٧) وأخرجه مسلم (باب كتاب النبي إلى هرقل / ح ١٧٧٣) والترمذي (ح ٢٧١٨) وغيرهم والله أعلم.
- ج ٢ ص ٢٣٢
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- ج ٢ ص ٢٣٣
٢٠٦ - حدَّثنا سفيان بن وكيع، قال: حدَّثنا يحيى بن آدم، قال: حدَّثنا عبد الله بن إدريس، قال: حدَّثنا محمَّد بن إسحاق، عن الزُّهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة، عن ابن عبَّاس، قال: أخبرني أبو سفيان بن حَرْب، قال: لمَّا كانت الهُدْنة بيننا وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عامَ الحديبيَة، خرجتُ تاجرًا إلى الشأم. ثمَّ ذكر نحو حديث ابنِ حميد، عن سلَمة، إلا أنَّه زاد في آخره: قال: فأخذ الكتاب فجعله بين فخذيه وخاصرته (١) . (٢: ٦٤٩) .
- (١)إسناده ضعيف ولكن له متابع كما عند البخاري في صحيحه (بدء الوحي / ح ٧) عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن أبا سفيان بن حرب - رضي الله عنه - أخبره (أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش وكانوا تجارًا بالشام في المدة التي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مادًّا فيها أبا سفيان وكفار قريش. . . الحديث وفي آخره: ثمَّ دعا بكتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي بعث به دحية إلى عظيم بصرى فدفعه إلى هرقل فقرأه. . . إلخ). وراجع تخريج الرواية السابقة (٢٠٦) إلا أن الطبري ذكر عام الحديبية بالتحديد وسنتطرق إلى توقيت إرساله - صلى الله عليه وسلم - للرسل إلى الملوك بعد انتهائنا من الجزء الثاني هذا إن شاء الله تعالى. = = ذكرنا الروايتين (٢٦٩/ ٢٧٠) في قسم الضعيف، أما أصل المسألة أي إرساله - صلى الله عليه وسلم - كتابًا إلى النجاشي فصحيح كما أخرج مسلم في صحيحه (باب كتب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ملوك الكفار / ح ١٧٧٤) عن أبي بن مالك - رضي الله عنه -: أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى كسرى وقيصر وإلى النجاشي وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله تعالى وليس النجاشي الذي صلى عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - والحديث أخرجه الترمذي (ح ٢٧١٦) وقال: حسن صحيح غريب. وأما رواية الطبري: أنَّه - صلى الله عليه وسلم - أرسل إلى النجاشي الذي أسلم وفي ذلك مخالفة لرواية مسلم والترمذي وغيرهما والله أعلم.
- ج ٢ ص ٢٣٤
٢٠٧ - وفيها كتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى كسرى، وبعث الكتاب مع عبد الله بن حُذافة السهميّ؛ فيه: بسم الله الرحمن الرحيم؛ من محمَّد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس. سلامٌ على مَن اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله؛ وشهد أن لا إله إلا الله، وأنّي رسول الله، إلى الناس كافَّة، ليُنذِرَ مَنْ كان حَيًّا؛ أسْلِمْ تسلَمْ فإنْ أبيت فعليك إثم المجوس.
-
فمزّق كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال رسول الله: مُزِّق ملكه! (١) (٢: ٦٥٤) .
- (١)ذكر الطبري هذا الكلام بلا إسناد وله ما يؤيده كما سنذكر بعد الرواية (٢٠٨).
-
٢٠٨ - حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلمة، عن محمَّد بن إسحاق، عن يزيد بن حبيب، قال: وبعث عبد الله بن حُذافة بن قيس بن عديّ بن سعد بن سهم إلى كِسْرى بن هرمز ملك فارس وكتب معه: بسم الله الرحمن الرحيم. من محمَّد رسول الله إلى كِسْرى عظيم فارس؛ سلام عَلَى من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ وأن محمدًا عبده ورسوله؛ وأدعوك بدعاء الله؛ فإني أنا رسول الله إلى الناس كافَّةً لأنذر من كان حَيًّا ويحقّ القول على الكافرين، فأسلم تَسلَم، فإن أبيت؛ فإن إثم المجوس عليك.
-
فلمّا قرأه مزّقه، وقال: يكتب إليّ هذا وهو عبدي! (٢) (٢: ٦٥٤/ ٦٥٥) .
- (٢)هذا إسناد مرسل ضعيف وأخرجه ابن هشام من طريق ابن إسحاق بسند مرسل والحديث جزء من حديث صحيح كما سنذكر بعد روايتين.
-
٢٠٩ - حدَّثنا ابنُ حُمَيد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمَّد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن الزُّهريّ، عن أبي سلَمة بن عبد الرحمن بن عوف؛ أن عبد الله بن حُذافة قدِمَ بكتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على كسرى، فلمّا قرأه شقّه، فقال
ج ٢ ص ٢٣٥رسول الله: مُزّق ملكُه! حين بلغه أنَّه شقّ كتابه (١) . (٢: ٦٥٥) .
- (١)إسناده ضعيف ولمتنه ما يؤيده كما سنذكر بعد الرواية التالية: (٢١٠). ومتنه صحيح كما سبق أن ذكرنا رواية ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث بكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة السهمي فأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى فلما قرأه مزقه فحسبت ابن المسيب قال: (وهذا قول التابعي عبد الله بن عبد الله الذي روى الحديث عن ابن عباس) فدعا عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يمزقوا كل ممزق. (صحيح البخاري / كتاب المغازي ح ٤٤٢٤).
-
٢١٠ - ثمَّ رجع إلى حديث يزيد بن أبي حبيب. قال: ثمّ كتب كِسْرى إلى باذان؛ وهو على اليمن: أن ابعث إِلى هذا الرّجل الذي بالحجاز رجلين من عندك جَلْدَين، فلْيأتياني به؛ فبعث باذان قهرمانه وهو بابَوَيه - وكان كاتبًا حاسبًا بكتاب فارس - وبعث معه رجلًا من الفُرْس يقال له خُرّ خُسره، وكتب معهما إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - يأمره أن ينصرف معهما إلى كسرى، وقال لبابويه: ائت بلد هذا الرجل، وكلِّمه وائْتني بخبره، فخرجا حتى قدما الطائف فوجدا رجالًا من قريش بنَخِب من أرض الطائف فسألاهم عنه، فقالوا: هو بالمدينة، واستبشروا بهما وفرحوا؛ وقال بعضهم لبعض: أبشِرُوا فقد نَصِب له كسرى ملك الملوك، كُفيتم الرجل! .
-
فخرجا حتى قَدِما على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكلّمه بابويه، فقال: إنَّ شاهانشاه ملك الملوك كِسْرى؛ قد كتب إلى الملك باذان، يأمره أن يبعث إليك مَنْ يأتيه بك؛ وقد بعثني إليك لتنطلق معي؛ فإن فعلتَ كتَب فيك إلى ملك الملوك ينفعك ويكفّه عنك؛ وإن أبيتَ فهو من قد علمت! فهو مهلكُك ومهلك قومك، ومخرّب بلادك؛ ودخلا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد حلقا لحاهما، وأعفيا شواربهما؛ فكره النظر إليهما، ثمَّ أقبل عليهما فقال: ويلكُما! مَنْ أمركما بهذا؟ قالا: أمرنا بهذا رَبّنا -يعنيان كسرى- فقال رسول الله: لكنّ ربّي قد أمرني بإعفاء لحيتي وقصّ شاربي. ثمَّ قال لهما: ارجعا حتى تأتياني غدًا، وأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الخبرُ من السّماء أنّ الله قد سلّط على كسرى ابنه شيرويه؛ فقتله في شهر كذا وكذا ليلة كذا وكذا من الليل؛ بعد ما مضى من الليل؛ سلّط عليه ابنُه شيرويه فقتله.
-
رجع الحديث إلى حديث محمَّد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب.
- ج ٢ ص ٢٣٦
فدعاهما فأخبرهما، فقالا: هل تدري ما تقول! إنا قد نَقِمْنا عليك ما هو أيسرُ من هذا؛ أفنكتب هذا عنك، ونخبره الملك! قال: نعم، أخبراه ذلك عنّي، وقولا له: إنَّ ديني وسلطاني سيبلغُ ما بلغ ملك كسرى، وينتهي إلى منتهى الخُفّ والحافر؛ وقولا له: إنك إن أسلمْتَ أعطيتُك ما تحت يَدَيك؛ وملّكتُك على قومك من الأبناء؛ ثمَّ أعطى خُرّ خسره مِنْطقة فيها ذهب وفضة، كان أهداها له بعض الملوك.
-
فخرجا من عنده حتى قدما على باذان، فأخبراه الخبر، فقال: والله ما هذا بكلام مَلك، وإنّي لأرى الرّجل نبيًّا كما يقول؛ ولننظرنّ ما قد قال؛ فلئن كان هذا حقًّا ما فيه كلامٌ؛ إنه لنبي مُرْسَلٌ؛ وإن لم يكن فسنرى فيه رأينا.
-
فلم ينشب باذان أن قدم عليه كتابُ شيرويه؛ أما بعدُ فإنّي قد قتلت كسرى، ولم أقتله إلا غضبًا لفارس لما كان استحلّ من قتل أشرافهم وتجميرهم في ثغورهم؛ فإذا جاءك كتابي هذا فخذْ لي الطاعة ممَّن قبلَك؛ وانظر الرجل الذي كان كسرى كتب فيه إليك فلا تُهِجْه حتى يأتيَك أمري فيه.
-
فلمّا انتهى كتاب شيرويه إلى باذان قال: إنَّ هذا الرجل لرسولٌ. فأسلم وأسلمت الأبناءُ معه من فارس مَنْ كان منهم باليمن؛ فكانت حِمْيَر تقول لخرّ خُسره: ذو المعْجزَة، للمنطقة التي أعطاهُ إياها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمنطقة بلسان حمير المعجزَة - فبَنُوه اليوم ينسبون إليها خُرّ خُسره ذو المعْجزَة.
-
وقد قال بابويه لباذان: ما كلّمت رجلًا قطّ أهيبَ عندي منه، فقال له باذان: هل معه شُرَطٌ؟ قال: لا (١) . (٢: ٦٥٥/ ٦٥٦ / ٦٥٧) .
- (١)أخرج البخاري في صحيحه (كتاب المغازي / ح ٤٤٢٤) من حديث عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث بكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة السهمي فأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى فلما قرأه مزقه، فحسبت ابن المسيّب قال: فدعا عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يمزقوا كل ممزق. وعن سعيد بن المسيّب - رضي الله عنه - قال: كتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى كسرى وقيصر والنجاشي كتابًا واحدًا. بسم الله الرحمن الرحيم من محمَّد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى كسرى وقيصر والنجاشي أما بعد: {تَعَالوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَينَنَا = = وَبَينَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}. فأما كسرى فمزق كتابه، ولم ينظر فيه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (مزق ومزقت أمته). أخرجه الحافظ أبو عبيد في كتاب الأموال (٢٣/ ٥٩) وهذا يعني أن للحديث طريقين مرسلين ولكن مع تعدد المخارج. وأخرج ابن سعد في الطبقات الكبرى (١/ ٢ / ١٤٧) عن عبيد الله بن عبد الله بن مسعود وسنده مرسل صحيح وقال المحدث الألباني رحمه الله تعالى في تعليقه على الرواية: حديث حسن أخرجه ابن جرير (٢/ ٢٦٦ - ٢٦٧) عن يزيد بن أبي حبيب مرسلًا وابن سعد في الطبقات (ج ١ ق ٢ ص ١٤٧) عن عبيد الله بن عبد الله مرسلًا أيضًا وسنده صحيح. ووصله ابن بشران في الأمالي من حديث أبي هريرة بسند واه. (السيرة النبوية للغزالي / تحقيق الألباني / ٣٨٩). - مسألة اختلاف المؤرخين في تحديد السنة التي كانت فيها هذه البعوث إلى ملوك الأرض آنذاك - قلنا: الواضح أن الإمام الطبري رحمه الله تعالى وهو إمام المؤرخين قد ذكر أمر هؤلاء الرسل في نهاية الأحداث التي وقعت سنة (٦) هـ. لكن الإمام البخاري أخرج الرواية التي تتحدث عن رسالة كسرى في أعقاب غزوة تبوك سنة (٩) هـ (فتح الباري ٨/ ١٢٨). وقد ذهب العلماء المتأخرون في ذلك مذاهب ذكرها الأستاذ العمري وناقشها نقاشًا نفيسًا فضلنا أن نذكر ما قاله وبدون تصرف: يقول الأستاذ العمري حفظه الله: رسائل النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الملوك والأمراء أتاح صلح الحديبية الفرصة لتوسيع نطاق الدعوة إلى الإِسلام داخل الجزيرة وخارجها حيث أرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - دحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر، وعبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى، وعمرو بن أمية الضمري إلى نجاشي الحبشة، وحاطب بن أبي بلتعة اللخمي إلى المقوقس حاكم مصر، وسليط بن عمرو العامري إلى هوذة بن علي الحنفي في اليمامة وقد أرّخ الواقدي والطبري إرسال هؤلاء الرسل في ذي الحجة سنة (٦) هـ. وأرّخ ابن سعد ذلك في محرم من العام السابع وتابعه ابن القيم. تأريخ الطبري (٢/ ٢٨٨) جـ ١ مصر، وسيرة ابن هشام (٤/ ٢٧٩) ونضيف: بعث عمرو بن العاص إلى جيفر وعباد ابني الجلندي وسند ابن هشام منقطع وبينه وبين راويه مجهول وراويه هو أبو بكر الهذلي أخباري متروك الحديث (تقريب ٢/ ٤٠١) وطبقات ابن سعد (١/ ٢٥٨) (جـ ١ بيروت) من رواية الواقدي بأسانيده إلى أربعة من الصحابة لكن الواقدي متروك عند المحدثين، ومعظم أخبار الرسل ساقها ابن سعد من هذه الطريق وقد ألف بين الروايات وجمع كلام الصحابة الأربعة - وأدخل بعضه في بعض وساقه مساقًا واحدًا وساق ابن سعد بعض أخبار إرسال بقية الرسل ولكن من طريق هشام الكلبي وهو ضعيف، وعلي بن محمَّد المدائني وهو صدوق (سير = = أعلام النبلاء ١٠/ ٤٠٠) لكن ما ساقه عنه لا يخلو من مطعن كالإرسال وغيره. كما أرّخ ابن سعد لرسالة كسرى قبل ليلة الثلاثاء لعشر مضين من جمادى الأولى سنة سبع للهجرة التي قتل فيها كسرى - وقد ذكر البخاري رسالة كسرى في أعقاب غزوة تبوك في العام التاسع الهجري لكن من الواضح أن البخاري لم يراع عنصر الزمن في سرد محتويات صحيحه، وقد يكون أراد الإشعار بذلك كما ذهب الحافظ ابن حجر. ولكنه يبقى مجرد استنتاج لا يمكن القطع به، مما يقوي ما ذكرت أن ابن هشام ساق خبر خروج الرسل إلى الملوك بعد حجة الوداع في العام العاشر، رغم أن النص الذي ذكره يصرح بأن ذلك بعد عمرة الحديبية مع أن مراعاة الترتيب على أساس زمني أقوى في سيرة ابن هشام من صحيح البخاري. وقد نبه الحافظ ابن حجر نفسه على احتمال تصرف بعض رواة صحيح اليخاري في تقديم وتأخير بعض التراجم مثل تقديم حج أبي بكر سنة تسع على ذكر الوفود. ومثل تقديم حجة الوداع على غزوة تبوك، كما نبه إلى أن البخاري جمع ما وقع على شرطه من البعوث والسرايا والوفود ولو تباينت تواريخهم. وواضح أن الاختلاف يسير بين التاريخين ووفق ابن حجر بينهما بقوله (أن دحية أرسل إلى هرقل في آخر سنة ست بعد أن رجع النبي - صلى الله عليه وسلم - من الحديبية فوصل إلى هرقل في المحرم سنة سبع). ويدل حديث صحيح على أن كتاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان قد وصل إلى هرقل في مدة صلح الحديبية، وقال أنس بن مالك: كتب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى كل جبار يدعوهم إلى الله وسمّى منهم كسرى وقيصر والنجاشي. قال: وليس بالنجاشي الذي أسلم. ولا شك أن مكاتبة الملوك خارج جزيرة العرب تعبير عملي عن عالمية الرسالة الإِسلامية، تلك العالمية التي أوضحتها آيات نزلت في العهد المكي مثل قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا رَحْمَةً لِلْعَالمِينَ}. مما يوضح خطأ النظرة القائلة بالتدرج في نطاق الدعوة من الإقليمية إلى العالمية تبعًا لاتساع النفوذ السياسي للرسول - صلى الله عليه وسلم - فإن صفة العالمية تقررت والمسلمون مستضعفون بمكة يخافون أن يتخطفهم الناس. وقد أخرج البخاري في صحيحه نص كتاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي بعث به دحية إلى عظيم بصرى فدفعه إلى هرقل، وهو النص الوحيد الذي ثبتت صحته وفق شروط المحدثين من بين سائر نصوص الكتب التي وجهت إلى الملوك والأمراء التي ينبغي أن تنقد من جهة المتن والسند معًا قبل اعتمادها تاريخيًا فضلًا عن الاستدلال بها في مجال التشريع، ونصه كما يلي: =