ثم دخلت سنة ست وتسعين ذكر الأحداث التي كانت فيها
٤ فقرات، ج ٩ ص ٤٦٩
- ج ٩ ص ٤٦٩
قال عليّ: وكان الوليد صاحب البناء واتّخاذ المصانع والضّياع، وكان الناس يلتقون في زَمانه، فإنما يسأل بعضُهم بعضًا عن البناء والمَصانع، فولي سليمان، فكان صاحب نكاح وطعام، فكان الناس يَسأل بعضُهم بعضًا عن التزويج والجَوارِي، فلما ولي عمِرُ بن عبد العزيز كانوا يلتقون فيقول الرجل للرجل: ما ورْدك الليلة؟ وكم تحفظ من القرآن؟ ومتَى تَختِم؟ ومتى خَتَمْتَ؟ وما تَصومُ من الشهر؟ ورَثى جرير الوليدَ فقال:
يا عَين جُودِي بدمعٍ هاجَهُ الذِّكَرُ ... فما لدمعِكِ بَعْد اليوم مُدَّخَرُ
إنَّ الخليفةَ قد وارَتْ شَمائِلَهُ ... غبرَاءُ مُلحَدَةٌ في جُولِهَا زَوَرُ
أَضحى بَنُوه وقد جَلَّت مُصِيبَتُهُم ... مثل النّجوم هَوَى من بينِها القمَرُ
كانوا جميعًا فلَم يَدفع مِنِيَّتَهُ ... عبدُ العزيز ولا رَوحٌ ولا عمرُ
(٦/ ٤٩٧ - ٤٩٨) .
-
حدّثني عمرُ، قال: حدّثنا عليّ، قال: حجّ الوليدُ بنُ عبد الملك، وحجّ محمد بنُ يوسفَ من اليمَن، وحَمَل هدايا للوليد، فقالت أمّ البنين للوليد: يا أميرَ المؤمنين، اجعَلْ لي هديّةَ محمد بن يوسف، فأمَرَ بصَرْفها إليها، فجاءت رسلُ أمّ البنين إلى محمّد فيها، فأبى وقال: يَنظُر إليها أميرُ المؤمنين فيَرَى رأيَه - وكانت هدايا كثيرةً - فقالت: يا أميرَ المؤمنين، إنك أمرتَ بهدايا محمد أن تُصرَف إليّ، ولا حاجةَ لي بها، قال: ولمَ؟ قالت: بلغَني أنه غَصبها الناسَ، وكلّفهم عملَها، وظَلمهم، وحَملَ محمد المتاعَ إلى الوليد، فقال: بلَغني أنك أصبْتَها غَصْبًا، قال: معاذَ الله! فأمر فاستُحلِف بينَ الرّكن والمقام خمسين يمينًا والله ما غَصَب شيئًا منها, ولا ظلَم أحدًا، ولا أصابَها إلا من طَيّب؛ فحلَف، فقبلَها الوليدُ وَدفَعها إلى أمّ البنين، فمات محمد بنُ يوسفَ باليمَن، أصابه داءٌ تَقطَّع منه. (٦/ ٤٩٨) .
-
وفي هذه السنة كان الوليد أرادَ الشخوصَ إلى أخيه سليمان لخلعه، وأراد البَيْعةَ لابنه مِن بعدِه، وذلك قبلَ مَرْضتهِ التي مات فيها حدّثني عمر، قال: حدّثنا
ج ٩ ص ٤٧٠عليّ؛ قال: كان الوليدُ وسليمان وَلِييْ عهدِ عبد الملك، فلما أفْضَى الأمرُ إلى الوليد، أرادَ أن يبايعَ لابنه عبد العزيز ويخلَع سليمان، فأبى سليمان، فأراده على أن يجعَله له من بعدِه، فأبى، فعَرض عليه أموالًا كثيرة، فأبى، فكَتَب إلى عمالِه أن يبايعوا لعبد العزيز، ودعا الناسَ إلى ذلك؛ فلم يُجبه أحد إلا الحجاجَ وقتيبةَ وخواصَّ من الناس، فقال عبَّاد بن زياد: إنّ الناس لا يُجيبونك إلى هذا، ولو أجابوك لم آمَنهم على الغَدْر بابنك، فاكتبْ إلى سليمان فليقدم عليك، فإنّ لك عليه طاعة، فأرِدْه على البَيْعة لعبدِ العزيز من بعده، فإنه لا يقَدِر على الامتناع وهو عندَك، فإنْ أبى كان الناسُ عليه.
-
فكتب الوليدُ إلى سليمانَ يأمُره بالقدوم، فأبطأ فاعتَزَم الوليدُ على المسير إليه وعلى أن يَخلعَه فأمر الناسَ بالتأهب، وأمر بحُجَره فأخرجتْ فمرض، وماتَ قبل أن يَسير وهو يريد ذلك. (٦/ ٤٩٨ - ٤٩٩) .
قال عمر: قال عليّ: أراد الوليد أن يبنيَ مسجدَ دمشق، وكانت فيه كنيسة، فقال الوليد لأصحابه: أقسمتُ عليكم لمَّا أتاني كلّ رجل منكم بِلَبنةِ، فَجعل كلّ رجل يأتيه بِلبَنة، ورجل من أهل العراق يأتيه بلَبِنَتين، فقال له: ممن أنت؟ قال: مِنْ أهل العراق؛ قال: يا أهل العراق، تُفرطون في كلّ شيء حتى في الطاعة! وهَدموا الكنيسةَ وبناها مسجدًا، فلما ولي عمر بنُ عبد العزيز شكَوا ذلك إليه، فقيل: إنّ كل ما كان خارجًا من المدينة افتُتِح عَنْوة، فقال لهم عمر: نردّ عليكم كنيستَكم ونَهدِم كنيسة تُومَا، فإنها فُتِحت عنوة، نبنيها مسجدًا، فلما قال لهم ذلك قالوا: بل نَدَع لكم هذا الذي هَدَمه الوليد، ودَعُوا لنا كنيسةَ تُوما، ففعَل عمرُ ذلك. (٦/ ٤٩٩) .