عزل الجراح بن عبد الله عن خراسان

٨ فقرات، ج ٩ ص ٥٠٠

  1. قال أبو جعفر: وفي هذه السنة عزل عمر بن عبد العزيز الجرّاح بن عبد الله عن خراسان، وولاها عبد الرحمن بن نعيم القشيريّ، فكانت ولاية الجرّاح

    ج ٩ ص ٥٠١بخراسان سنة وخمسة أشهر، قدمها سنة تسع وتسعين، وخرج منها لأيام بقيت من شهر رمضان سنة مئة.

    ج ٩ ص ٥٠٠
  2. * ذكر سبب عزل عمر إياه:
  3. وكان سبب ذلك - فيما ذكر عليّ بن محمد عن كليب بن خلف، عن إدريس بن حنظلة، والمفضّل عن جدّه، وعليَّ بن مجاهد عن خالد بن عبد العزيز، أن يزيد بن المهلب ولّى جَهْم بن زَحْر جُرجان حين شخص عنها، فلما كان من أمر يزيد ما كان وجّه عامل العراق من العراق واليًا على جرجان، فقدم الوالي عليها من العراق، فأخذه جَهْم فقيّده وقيّد رهطًا قدموا معه، ثم خرج في خمسين من اليمن يريد الجرّاح بخراسان، فأطلق أهل جُرجان عاملَهم، فقال الجراح لجهم: لولا أنك أبنُ عمِّي لم أسوّغك هذا، فقال له جَهْم: ولولا أنك ابنُ عمي لم آتِك - وكان جهم سِلْف الجراح من قبَل ابنتي حصين بن الحارث وابن عمّه، لأنّ الحكم وجعفيّ ابنا سعد - فقال له الجرّاح: خالفتَ إمامك، وخرجت عاصيًا، فاغزُ لعلك أن تظفر، فيصلح أمرك عند خليفتك، فوجّهه إلى الخُتَّل، فخرج، فلما قرب منهم سار متنكِّرًا في ثلاثة، وخلَف في عسكره، ابن عمّه القاسم بن حبيب - وهو خَتَنُه على ابنته أمّ الأسود - حتى دخل على صاحب الخُتَّل فقال له: أخْلني، فأخلاه، فاعتزى، فنزل صاحب الخُتّل عن سريره وأعطاه حاجته - ويقولون: الخُتل موالي النعمان - وأصاب مغنمًا؛ فكتب الجرَّاح إلى عمر: وأوفد وفدًا، رجلين من العرب، ورجلًا من الموالي من بني ضَبَّة، ويكنى أبا الصيداء واسمه صالح بن طريف، كان فاضلًا في دينه، وقال بعضهم: المولّى سعيد أخو خالد أو يزيد النحويّ، فتكلّم العربيان والآخر جالس، فقال له عمرُ: أما أنت من الوفد؟ قال: بلى، قال: فما يمنعك من الكلام! قال: يا أمير المؤمنين، عشرون ألفًا من الموالي يَغزون بلا عطاء ولا رزق، ومثلهم قد أسلموا من أهل الذِّمة يُؤخذون بالخراج، وأميرنا عصبيّ جافٍ يقوم على منبرنا، فيقول: أتيتكم حفيًّا، وأنا اليوم عصبيّ! والله لرجلٌ من قومي أحبّ إليّ من مئة من غيرهم، وبلغ من جفائه أنّ كُمّ درعه يبلغ نصف درعه، وهو بعد سيف من سيوف الحجاج، قد عمل بالظلم والعدوان، فقال عمر: إذًا مثلك فليوفَّد.

  4. وكتب عمر إلى الجرّاح: انظر مَنْ صلّى قِبلَك إلى القبلة، فضع عنه الجزية،

    ج ٩ ص ٥٠٢فسارع الناس إلى الإسلام، فقيل للجرّاح: إنّ الناس قد سارعوا إلى الإسلام، وإنما ذلك نفورًا من الجزية؛ فامتحنهم بالخِتَان.

  5. فكتب الجرّاح بذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر: إن الله بعث محمدًا - صلى الله عليه وسلم - داعيًا ولم يبعثه خاتنًا، وقال عمر: ابغوني رجلًا صدوقًا، أسأله عن خراسان، فقيل له: قد وجدتَه، عليك بأبي مِجْلَز، فكتب إلى الجرّاح: أن أقبل واحمل أبا مجْلز وخلَّف على حرب خراسان عبد الرحمن بن نُعَيم الغامديّ، وعلى جزيتها عبيد الله - أو عبد الله - بن حبيب.

  6. فخطب الجرّاح فقال: يا أهل خراسان، جئتكم في ثيابي هذه التي عليّ وعلى فرسي، لم أصب من مالكم إلَّا حلية سيفي، ولم يكن عنده إلَّا فرس قد شاب وجهه، وبغلة قد شاب وجهها، فخرج في شهر رمضان واستخلف عبد الرحمن بن نعيم، فلما قدم قال له عمر: متى خرجت؟ قال: في شهر رمضان، قال: قد صدق مَن وَصَفك بالجفاء، هلّا أقمت حتى تُفْطِرَ ثمّ تخرج! وكان الجرَّاح يقول: أنا والله عصبى عقبيّ - يريد من العصبيّة.

  7. وكان الجرّاح لما قدم خراسان كتب إلى عمر: إني قدمت خراسان فوجدت قومًا قد أبطرتهم الفتنة فهم يَنزُون فيها نزوًا، أحبّ الأمور إليهم أن تعود ليمنعوا حقّ الله عليهم، فليس يكفّهم إلَّا السيف والسوط، وكرهت الإقدام على ذلك إلَّا بإذنك فكتب إليه عمر:

    يابن أمّ الجرّاح، أنت أحرصُ على الفتنة منهم، لا تضربنّ مؤمنًا ولا معاهدًا سوطَّا إِلّا في حق، واحذر القصاص فإنك صائر إلى من يَعْلم خائنة الأعيُنِ وما تخْفي الصُدور، وتقرأ كتابًا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلَّا أحصاها.

  8. ولما أراد الجرّاح الشخوص من خراسان إلى عمر بن عبد العزيز أخذ عشرين ألفًا وقال بعضهم: عشرة آلاف من بيت المال، وقال: هي على سلفًا حتى أؤديها إلى الخليفة، فقدم على عمر، فقال له عمر: متى خرجت؟ قال: لأيام بقِين من شهر رمضان، وعليّ دين فاقضِه؛ قال: لو أقمت حتى تفطِر ثم خرجت قضيت عنك، فأدى عنه قومه في أعطياتهم (١) . (٦/ ٥٥٨ - ٥٦٠) .

    1. (١)قلنا: هذا الخبر الطويل رواه الطبري من طريق المدائني وإن لم يذكر الطبري الواسطة بينه = = وبين المدائني فإننا قد اعتبرنا قوله (ذكر المدائني) غير منقطع لأنه درس مرويات المدائني واطلع على ما كتبه من طريق ابن شبة وغيره من أئمة التاريخ وإن كنا من قبل نعده انقطاعًا فإننا اضطررنا إلى هذه الليونة وإلَّا تركنا فجوات كبيرة في التاريخ الإسلامي ومع ذلك فإننا لم نتنازل عن منهجنا في عدم قبول هذه الروايات وبهذه الأسانيد إن وجدنا نكارة فيها أو طعنا في عدالة الصحابة أو تزويرًا للحقائق التاريخية، والله أعلم. والمدائني بدوره روى الخبر بإسناد مركب من طريق شيوخه الثلاثة وبأسانيد لا تخلو من مجهول الحال أو ضعيف أو متروك ومتنها لا يخلو من نكارة كالآتي: في المتن تناقض واضح فكيف يوصف الجراح بن عبد الله بأنه عمل بالظلم والعدوان في منتصف الرواية، ثم يذكر بعد ذلك بأسطر بأنه لم يصب شيئًا من أموال الناس وخرج منهْم بسيفه وفرسه ثم إن الرواية تذكر أنه جاف مع الرعية وأن عشرين ألفًا من الموالي يغزون بلا عطاء ولا رزق، ومثلهم قد أسلموا من أهل الذمة يؤخذون بالخراج وهذا يخالف ما ذكرته الروايات الصحيحة وما ذكره أئمة التاريخ المتقدمين والمتأخرين من أن الجراح كان رجلًا صالحًا عابدًا، محبًا للجهاد والموت في سبيل الله في ساحة المعركة وأن العباد في جميع البلاد قد حزنوا على موته؟ كما سنذكر كل ذلك ضمن أحداث سنة (١١٢ هـ) عند الحديث عن مقتله. فكيف يحزن العباد في جميع البلاد على موت رجل جاف ظالم؟ ! ألا إن هذا من افتراء المتروكين الكذابين من أمثال علي بن مجاهد الكابلي وغيره والله تعالى أعلم، والحمد لله على نعمة الإسناد.