ثم دخلت سنة عشر ومئة
٤ فقرات، ج ٩ ص ٥٣٩
- ج ٩ ص ٥٣٩
وفي هذه السنة دعا الأشرس أهلَ الذّمة من أهل سمرْقنْد ومَن وراء النهر إلى الإسلام، على أن تُوضَع عنهم الجزية، فأجابوا إلى ذلك، فلما أسلموا وضع عليهم الجزية، وطالبهم بها، فنصبوا له الحرب (١) . [٧/ ٥٤] .
- (١)وانظر البداية والنهاية (٧/ ١٩٠) فقد ذكره ابن كثير بلا إسناد ولم نجد للخبر أصلًا صحيحًا والله أعلم.
-
ذكر الخبر عما كان من أمر أشرس وأمر أهل سمرقند ومن وليهم في ذلك:
ذكر أن أشرس قال في عَمله بخراسان: ابغونِي رجلًا له ورع وفضل أوجّهه إلى مَن وراء النهر، فيدعوهم إلى الإسلام فأشاروا عليه بأبي الصّيداء صالح بن طريف، مولى بني ضبّة، فقال: لستُ بالماهر بالفارسيّة، فضموا معه الربيع بن عمران التميميّ، فقال أبو الصيداء: أخرج على شريطة أنّ مَن أسلم لم يؤخذ منه الجزية، فإنما خَرْجُ خُراسان على رؤوس الرجال، قال أشرس: نعم، قال: أبو الصيداء لأصحابه: فإني أخرج فإن لم يف العمال أعنتموني عليهم، قالوا: نعم.
-
فشخص إلى سَمَرْقند، وعليها الحسن بن أبي العَمَرّطة الكنديّ على حربها وخراجها، فدعا أبو الصيداء أهلَ سمرْقند ومن حولها إلى الإسلام، على أن تُوضع عنهم الجزية، فسارع الناس، فكتب غوزك إلى أشرس: إنّ الخراج قد انكسر؛ فكتب أشرس إلى ابن أبي العمرّطة: إنّ في الخراج قوّة للمسلمين، وقد بلغني أنّ أهل السُّغد وأشباههم لم يُسلموا رغبة، وإنما دخلوا في الإسلام تعوّذًا من الجِزْية، فانظر من اختتن وأقام الفرائض وحسُن إسلامه، وقرأ سورةً من القرآن، فارفع عنه خراجَه، ثم عزل أشرس ابنَ أبي العمرّطة عن الخراج، وصيّره إلى هانئ بن هانئ، وضم إليه الأشحيذ، فقال ابنُ أبي العمرّطة لأبي الصيداء: لستُ من الخراج الآن في شيء، فدونك هانئًا والأشحيذ؛ فقام أبو الصيداء يمنعهم من أخذ الجزية ممن أسلم، فكتب هانئ: إنّ الناس قد أسلموا وبنوا المساجدَ، فجاء دهاقين بُخارى إلى أشبرس فقالوا: ممن تأخذ
ج ٩ ص ٥٤٠الخراج، وقد صار الناس كلهم عربًا؟ فكتب أشرس إلى هانئ وإلى العمال: خذوا الخراج ممن كنتم تأخذونه منه، فأعادوا الجزيْة على من أسلم، فامتنعوا؛ واعتزل من أهل الشُغد سبعة آلاف، فنزلوا على سَبْعة فراسخ من سمرقند، وخرج إليهم أبو الصيداء وربيع بن عمران التميميّ والقاسم الشيبانيّ وأبو فاطمة الأزديّ وبشر بن جرموز الضبِّيِّ وخالد بن عبد الله النحويّ وبشر بن زنبور الأزديّ وعامر بن قشير - أو بشير، الخُجَنديّ، وبيان العنبريّ وإسماعيل بن عُقْبة، لينصروهم.
قال: فعزل أشرسُ ابنَ أبي العمرّطة عن الحرب، واستعمل مكانه المجشّر بن مزاحم السلميّ، وضمّ إليه عُمَيرة بن سعد الشيبانيّ.
قال: فلما قدم المجشَّر كتب إلى أبي الصيداء يسأله أن يقدم عليه هو وأصحابهُ، فقدم أبو الصيداء وثابت قطنة، فحبسهما، فقال أبو الصيداء: غدرتم ورجعتم عما قلتم! فقال له هانئ: ليسر بغدر ما كان فيه حَقْن الدماء، وحمل أبا الصيداء إلى الأشرس، وحبس ثابت قطنة عنده؛ فلما حُمل أبو الصيداء اجتمع أصحابُه، وولوا أمرهم أبا فاطمة، ليقاتلوا هانئًا، فقال لهم: كفّوا حتى أكتبَ إلى أشرس فيأتينَا رأيُه فنعمل بأمره. فكتبوا إلى أشرس، فكتب أشْرس: ضعوا عليهم الخراج، فرجع أصحاب أبي الصِّيداء، فضعف أمرهم، فتُتبِّع الرّؤساء منهم فأخِذوا، وحمِلوا إلى مَرْو، وبقي ثابت محبوسًا، وأشرك أشرس مع هانئ بن هانئ سليمانَ بن أبي السريّ مولى بني عوافة في الخراج، فألحّ هانئ والعمال في جباية الخراج، واستخفّوا بعظماء العجم، وسلَّط المجشّر عميرة بن سعد على الدّهاقين، فأقيموا وخُرّقت ثيابهم، وألقيت مناطقهم في أعناقهم، وأخذوا الجِزية ممن أسلم من الضُّعفاء، فكفرت السُّغْد وبُخارى، واستجاشوا الترك، فلم يزل ثابت قطنة في حبس المجشّر، حتى قدم نصر بن سيار واليًا على المجشّر، فحمل ثابتًا إلى أشرس مع إبراهيم بن عبد الله الليثيّ فحبسه، وكان نصر بن سيَّار ألطفه، وأحسن إليه، فمدحه ثابت قُطْنة، وهو محبوس عند أشرس فقال:
ما هاجَ شوقك من نؤْيٍ وأحجارِ ... ومَنْ رُسُومِ عفاها صَوبُ أمطارِ!
لم يبَقَ منها وَمِنْ أعلام عَرْصتِها ... إلَّا شَجِيجٌ وإلّا موقدُ النارِ
ج ٩ ص ٥٤١ومائِلٌ في ديار الحَيّ بعدَهُمُ ... مثلُ الرَّبيئة في أَهدامِهِ العاري
دِيارُ ليلَى قِفارٌ لا أَنيسَ بها ... دون الحُجونِ، وأَيْنَ الحجن منْ دَارِي!
بُدِّلتُ منها وقد شَطَّ المَزَارُ بها ... وادِي المخافة لا يَسْري بها الساري
بَيْنَ السَّماوة في حَزمٍ مُشرَّقةٍ ... ومُعْنقٌ دوننا آذيُّهُ جار
نُقارعُ التركَ ما تَنفَكّ نائِحةٌ ... منَّا وَمنْهُم على ذي نَجْدةٍ شار
إن كانَ ظني بنصْر صادِقًا أَبَدًا ... فيما أُدبِّرُ مِنْ نَقْضي وإمرارِي
يَصْرفُ الجُنْدَ حتى يَسْتَفِيءَ بهم ... نهبًا عظِيمًا ويحْوِي مُلكَ جبَّار
وتَعثُرُ الخَيْلُ في الأَقيادِ آونَةً ... تحْوي النِّهابَ إلى طُلّابِ أَوتار
حتَّى يَرَوْهَا دُوَيْنَ السَّرْجِ بارِقَةً ... فيها لواءٌ كظِلِّ الأَجدَلِ الضارِي
لا يَمْنعُ الثَّغْرَ إلَّا ذُو مُحافَظة ... منْ الخَضارِمِ سبّاق بأوتارِ
إني وإِن كُنْت منْ جَذْم الذي نَضُرتْ ... منْهُ الفروعُ وَزَندِي الثاقِبُ الوارِي
لذاكِرٌ منْكَ أمرًا قَدْ سَبَقْتَ بِهِ ... من كان قَبْلكَ يا نَصْر بن سَيَّار
ناضَلْتَ عَنِّي نِضالَ الحُرِّ إذْ قَصَرَتْ ... دوني العَشِيرَةُ واسْتبْطأْتُ أَنصارِي
وصارَ كُلُّ صدِيقٍ كُنْتُ آمُلُه ... ألبًا عَلَيّ وَرَثَّ الْحَبْلُ من جارِي
وما تَلبَّسْتُ بالأَمْرِ الذي وَقَعُوا ... به عليَّ ولا دَنّسْتُ أطمارِي
ولا عَصَيْتُ إمامًا كان طاعَتَهُ ... حقًّا عليَّ ولا قَارفْتُ من عار
[٧/ ٥٤ - ٥٧] .
قال عليّ: ويقال إنّ أشْرس قطع النهر، ونزل بيكنْد؛ فلم يجد بها ماء، فلما أصبحوا ارتحلوا، فلما دنوْا من قصر بُخار خداه - وكان منزله منهم على ميل - تلقّاهم ألفُ فارس، فأحاطوا بالعسكر وسطع رَهج الغُبار، فلم يكن الرّجل يقدر أن ينظر إلى صاحبه، قال: فانقطع منهم ستة آلاف، فيهم قطن بن قتيبة وغَوْزك من الدّهاقين، فانتهوا إلى قصر من قصور بُخارى، وهم يروْن أنّ أشرس قد هلك، وأشرس في قصور بخارى؛ فلم يلتقُوا إلَّا بعد يومين، ولحق غوزك في تلك الوقعة بالترك، وكان قد دخل القصر مع قَطن، فأرسل إليه قَطَن رجلًا، فصاحوا برسول قطن؛ ولحق بالترك.
-
قال: ويقال إن غوزك وقع يومئذ وسط خيل، فلم يجد بدًا من اللحاق بهم. ويقال إنّ أشرس أرسل إلى غَوزك يطلب منه طاسًا، فقال لرسول أشرس: إنه لم
ج ٩ ص ٥٤٢يبقَ معي شيء أتدهن به غير الطاس، فاصفَحْ عنه، فأرسل إليه: اشرب في قَرْعة، وابعث إليّ بالطاس، ففارقه.
قال: وكان على سَمَرْقند نصر بن سيار، وعلى خراجها عُميرة بن سعد الشيبانيّ، وهم محصورون، وكان عميرة ممّن قدم مع أشرس، وأقبل قُريش ابن أبي كهْمَس على فرس، فقال لقَطَن: قد نزل الأمير والناس؛ فلم يُفْقَد أحد من الجند غيرك، فمضى قطن والناس إلى العسكر، وكان بينهم ميل.