باب مجادلة المشركين رسول الله ﷺ وإقامة الحجة الدامغة عليهم واعترافهم في أنفسهم بالحق وإن أظهروا المخالفة عنادا وحسدا وبغيا وجحودا

١٤ فقرة، ج ١ ص ١٥٨

  1. روى إسحاق بن راهويه بسنده عن ابن عباس: أن الوليد بن المغيرة جاء إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقرأ عليه القرآن، فكأنه رق له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه فقال: يا عم! إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالًا. قال: لم؟ قال: ليعطوكه؛

    ج ١ ص ١٥٨
  2. فإنك أتيت محمدًا لَتَعَرَّضَ ما قِبَلَه.

    قال: قد علمت قريش أني من أكثرها مالًا.

    قال: فقل فيه قولًا يبلغ قومك أنك منكر له.

    قال: وماذا أقول؟ فواللَّه؛ ما منكم رجل أعرف بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه، ولا بقصيده مني، ولا بأشعار الجن، واللَّه؛ ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا، وواللَّه؛ إن لقوله الذي يقوله حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو ولا يعلى، وإنه ليحطم ما تحته.

    قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه.

    قال: فدعني (١) حتى أفكر فيه.

    1. (١)الأصل: "قف عني"، والتصويب من "المستدرك" و"ابن جرير".
  3. فلما فكر قال: إنْ هذا إلا سحر يؤثر، يأثره عن غيره. فنزلت: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) ﴾ [المدثر: ١١ - ١٣] الآيات.

    ج ١ ص ١٥٩
  4. هكذا رواه البيهقي عن الحاكم عن إسحاق (١) .

    قلت: وفي ذلك قال اللَّه تعالى إخبارًا عن جهلهم وقلة عقلهم: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥) ﴾ [الأنبياء: ٥] فحاروا ماذا يقولون فيه؟ فكل شيء يقولونه باطل؛ لأن من خرج عن الحق مهما قاله أخطأ، قال اللَّه تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٤٨) ﴾ [الإسراء: ٤٨] .

    1. (١)وأخرجه الحاكم في "المستدرك" (٢/ ٥٠٦ - ٥٠٧)، وقال: "صحيح على شرط البخاري"، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، وأخرجه ابن جرير في "التفسير" (٢٩/ ١٥٦) عن عكرمة مرسلًا، ومن طريق أخرى عن ابن عباس.
  5. وروى الإمام عبد بن حميد في "مسنده" بسنده عن جابر بن عبد الله قال:

    اجتمعت قريش يومًا فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر؛ فليأت هذا الرجل الذي فرّق جماعتنا، وشتت أمرنا، وعاب ديننا، فليكلمه، ولينظر ماذا يرد عليه؟

    فقالوا: ما نعلم أحدًا غير عتبة بن ربيعة. فقالوا: أنت يا أبا الوليد!

  6. فأتاه عتبة فقال: يا محمد! أنت خير أم عبد اللَّه؟ فسكت رسول اللَّه ﷺ .

    فقال: أنت خير أم عبد المطلب؟ فسكت رسول اللَّه ﷺ .

    ثم قال: إنْ كنت تزعم أن هؤلاء خير منك؛ فقد عبدوا الألهة التي عِبْتَ،

    ج ١ ص ١٦٠وإن كنت تزعم أنّك خير منهم؛ فتكلم حتى نسمعِ قولك، إنا واللَّه ما رأينا سَخلة قط أشأم على قومه منك، فرقت جماعتنا، وشَتَّتَّ أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب، حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحرًا، وأن في قريش كاهنًا، واللَّه ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى؛ أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف حتى نتفانى. أيها الرجل! إن كان إنما بك الحاجة؛ جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلًا واحدًا، وإن كان إنما بك الباءة؛ فاختر أي نساء قريش شئت فلنزوجك عشرًا. فقال رسول اللَّه ﷺ : "فرغت؟ " . قال: نعم. فقال رسول اللَّه ﷺ :

    "﴿بسم اللَّه الرحمن الرحيم. حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) ﴾ إلى أن بلغ: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣) ﴾ [فصلت: ١ - ١٣] " .

    فقال عتبة: حسبك، ما عندك غير هذا؟ قال: "لا" .

  7. فرجع إلى قريش، فقالوا: ما وراءك؟ قال: ما تركت شيئًا أرى أنكم تكلمونه إلا كلمته.

    قالوا: فهل أجابك؟ فقال: نعم. ثم قال: لا والذي نصبها بَيِّنَة؛ ما فهمت شيئًا مما قال: غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود.

    قالوا: ويلك! يكلمك الرجل بالعربية لا تدري ما قال؟!

    قال: لا واللَّه؛ ما فهمت شيثًا مما قال: غير ذكر الصاعقة.

  8. وقد رواه البيهقي وغيره عن الحاكم بسنده عن الأجلح به، وفيه كلام (١) ، وزاد:

    وإن كنت إنما بك الرياسة عقدنا ألويتنا لك؛ فكنت رأسًا ما بقيت. وعنده أنه لما قال: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣) ﴾؛ أمسك عتبة على فيه، وناشده الرحم أن يكف عنه، ولم يخرج إلى أهله، واحتبس عنهم.

    فقال أبو جهل: واللَّه يا معشر قريش! ما نرى عتبة إلا صبا إلي محمد، وأعجبه كلامه (٢) ، وما ذاك إلا من حاجة أصابته، انطلقوا بنا إليه. فأتوه، فقال أبو جهل: واللَّه يا عتبة! ما جئنا إلا أنك صبوت إلى محمد، وأعجبك أمره، فإن كان بك حاجة؛ جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن محمد (٣) .

    1. (١)هو الأجلح بن عبد الله بن حُجية الكندي، وهو صدوق شيعي؛ كما في "التقريب"، وشيخه في هذا الحديث راويه عن جابر هو الذيال بن حرملة الأسدي، روى عنه أيضًا الشيباني وحصين وحجاج بن أرطاة وفطر؛ كما في "ابن أبي حاتم" (٣/ ٤٥١)، والظاهر أنه في "ثقات ابن حبان"!، ومن طريقه أخرجه أبو نعيم في "دلائل النبوة" (ص ٧٥)، وكذا الحاكم في "المستدرك" (٢/ ٢٥٣) لكن مختصرًا، وقال: "صحيح الإسناد"، ووافقه الذهبي.
    2. (٢)الأصل: "طعامه"، وكذا في "الدر المنثور"، ولعل الصواب ما أثبته بدلالة السياق.
    3. (٣)الأصل: "طعام محمد"، والتصويب من "الدر".
    ج ١ ص ١٦١
  9. فغضب، وأقسم باللَّه لا يكلم محمدًا أبدًا، وقال: لقد علمتم أني من أكثر

    قريش مالًا، ولكني أتيته -وقص عليهم القصة- فأجابني بشيء -واللَّه؛ ما هو

    بسحر ولا بشعر ولا كهانة- قرأ: " ﴿بسم اللَّه الرحمن الرحيم. حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) ﴾ حتى بلغ: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ

    ج ١ ص ١٦٢صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ "، فأمسكت بفيه، وناشدته الرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمدًا إذا قال شيئًا لم يكذب، فخفت أن ينزل عليكم العذاب.

  10. ثم روى البيهقي بسنده عن المغيرة بن شعبة قال:

    إن أول يوم عرفت رسول اللَّه ﷺ أني أمشي أنا وأبو جهل بن هشام في بعض أزقة مكة؛ إذ لقينا رسول اللَّه ﷺ ، فقال رسول اللَّه ﷺ لأبي جهل:

    "يا أبا الحكم! هلم إلى اللَّه وإلى رسوله، أدعوك إلى اللَّه".

    فقال أبو جهل: يا محمد! هل أنت منتهِ عن سب آلهتنا؟ هل تريد إلا أن نشهدَ أنك قد بلغت؟ فنحن نشهد أن قد بلغتَ، فواللَّه؛ لو أني أعلم أن ما تقول حق لاتبعتك.

  11. فانصرف رسول اللَّه ﷺ ، وأقبل علي فقال: واللَّه؛ إني لأعلم أن ما يقول حق، ولكن يمنعني شيء؛ إن بني قصي قالوا: فينا الحجابة. فقلنا: نعم. ثم قالوا: فينا السقاية. فقلنا: نعم. ثم قالوا: فينا الندوة. فقلنا: نعم. ثم قالوا: فينا اللواء. فقلنا: نعم. ثم أطعموا وأطعمنا، حتى إذا تحاكَّت الركب قالوا: منا نبي! واللَّه لا أفعل (١) .

    1. (١)قلت: إسناده حسن.
  12. وهذا القول منه -لعنه اللَّه- كما قال تعالى مخبرًا عنه وعن أضرابه: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢) ﴾ [الفرقان: ٤١ و ٤٢] .

    ج ١ ص ١٦٣وقال ابن عباس:

    نزلت هذه الآية ورسول اللَّه ﷺ متوارٍ بـ (مكة) : ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] ؛ قال:

    كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فلما سمع ذلك المشركون سبوا القرآن، وسبوا من أنزله، ومن جاء به. قال: فقال اللَّه تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ أي: بقراءتك؛ فيسمع المشركون فيسبوا القرآن، ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ عن أصحابك فلا تسمعهم القرآن حتى يأخذوه عنك، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾.

  13. رواه أحمد وصاحبا "الصحيح" (١) .

    1. (١)"المسند" (١/ ٢٣ و ٢١٥)، والبخاري (٤٧٢٢ و ٧٤٩٠ و ٧٥٤٧)، ومسلم (٤٤٦)، والترمذي أيضًا (٥١٥٣ و ٥١٥٤)، وابن جرير (١٥/ ١٨٤ - ١٨٥)؛ كلهم عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية (في الأصل: أبي حية!) عن سعيد بن جبير عنه. وتابعه عكرمة عنه بلفظ أتم منه، وهو الذي في الكتاب بعده، ولم أورده؛ لأنه من رواية داود بن الحصين عن عكرمة، وهو ضعيف فيه؛ كما في "التقريب".
  14. بسم الله الرحمن الرحيم

    ج ١ ص ١٦٤