٢ - حجة الوداع كما جاءت من حديث جابر
١٤ فقرة، ج ١ ص ٥٢٥
- ج ١ ص ٥٢٥
٨١٢ - من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال محمَّد بن علي بن الحسين: "دخلنا على جابر بن عبد الله فسأل عن القوم (٢) حتى انتهى إلي، فقلت: أنا محمَّد بن علي بن حسين، فأهوى بيده إلى رأسي فنزع زري الأعلى (٣) . ثم نزع زري الأسفل، ثم وضع كفه بين ثدي وأنا يومئذ غلام شاب. فقال: مرحبًا بك يا ابن أخي سل عما شئت. فسألته، وهو أعمى. وحضر وقت الصلاة. فقام في نساجة (٤) ملتحفًا بها. كما وضعها على منكبه
ج ١ ص ٥٢٦رجع طرفها إليه من صغرها. ورداؤه إلى جنبه، على المشجب (١) . فصلى بنا. فقلت: أخبرني عن حجة رسول الله ﷺ . فقال بيده، فعقد تسعًا.
فقال: إن رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحج. ثم أذن في الناس (٢) في العاشرة: أن رسول الله ﷺ حاج. فقدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ ويعمل مثل عمله. فخرجنا معه. حتى إذا أتينا ذا الحليفة. فولدت أسماء بنت عميس محمَّد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ , كيف أصنع؟ قال: "اغتسلي. واستثفري (٣) بثوب وأحرمي" فصلى رسول الله ﷺ في المسجد.
- (٢)فسأل عن القوم: أي عن جماعة الرجال الداخلين عليه، فإنه إذ ذاك كان أعمى، عمي في آخر عمره.
- (٣)فنزع زري الأعلى: أخرجه من عروته فيكشف صدري عن القميص.
- (٤)نساجة: هي ضرب من الملاحف منسوجة.
- (١)المشجب: هو عبدان تضم رؤسها ويفرج بين قوائمها، توضع عليها الثياب.
- (٢)أذن في الناس: أعلمهم بذلك وأشاع بينهم ليتأهلوا للحج معه، ويتعلموا المناسك والأحكام ويشهدوا أقواله وأفعاله ويوصيهم ليبلغ الشاهد الغائب وتشيع دعوة الإِسلام.
- (٣)استثفري: الاستثفار هو أن تشد في وسطها شيئًا، فتأخذ خرقة عريضة تجعلها على محل الدم وتشد طرفيها من قدامها ومن ورائها في ذلك المشد في وسطها.
-
ثم ركب القصواء (٤) . حتى إذا استوت به ناقته على البيداء نظرت إلى مد بصري بين يديه. من راكب وماش. وعن يمينه مثل ذلك. وعن يساره مثل ذلك. ومن خلفه مثل ذلك. ورسول الله ﷺ بين أظهرنا. وعليه ينزل القرآن. وهو يعرف تأويله. وما عمل به من شيء عملنا به. فأهل بالتوحيد "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك" وأهل الناس بهذا الذي يهلون به. فلم يرد رسول الله ﷺ شيئًا منه. ولزم رسول الله ﷺ تلبيته. قال جابر رضي الله عنه : لسنا ننوي إلا الحج. لسنا نعرف العمرة.
- (٤)القصواء: ناقته. والقصواء معناها المقطوعة الأذن عرضًا.
-
حتى إذا أتينا البيت معه، استلم الركن (٥) فرمل ثلاثًا (٦) ومشى أربعًا. ثم نفذ إلى مقام إبراهيم (٧) عليه السلام . فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (٨)
- (٥)الركن: الحجر الأسود، والاستلام المسح والتقبيل بالتكبير والتهليل إن أمكنه ذلك من غير إيذاء أحد. وإلا فتكفي الإشارة من بعيد.
- (٦)إسراع المشي مع تقارب الخطا.
- (٧)نفذ إلى مقام إبراهيم: بلغه ماضيًا في زحام.
- (٨)سورة البقرة، الآية: ١٢٥.
- ج ١ ص ٥٢٧
فجعل المقام بينه وبين البيت، وكان يقرأ في الركعتين قل هو الله أحد، وقل يا أيها الكافرون، ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا.
-
فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (١) وابدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا. فرقى عليه. حتى إذا رأى البيت فاستقبل القبلة. فوحد الله وكبره. وقال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له. له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده. أنجز وعده. ونصر عبده. وهزم الأحزاب وحده" ، ثم دعا بين ذلك. قال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة، حتى إذا انصبت (٢) قدماه في بطن الوادي سعى.
- (١)سورة البقرة، الآية: ١٥٨.
- (٢)انصبت قدماه: انحدرت.
-
حتى إذا صعدتا (٣) مشى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر طوافه على المروة فقال: "لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل، وليجعلها عمرة" .
- (٣)صعدتا: ارتفعت قدماه عن بطن الوادي.
-
فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله! ألعامنا هذا أم للأبد؟ فشبك رسول الله ﷺ أصابعه واحدة في الأخرى. وقال: "دخلت العمرة في الحج" مرتين "لا بل لأبد أبد" .
-
وقدم علي من اليمن ببُدن النبي ﷺ فوجد فاطمة رضي الله عنها ممن حل، ولبست ثيابًا صبيغًا. واكتحلت. فأنكر ذلك عليها. فقالت: إن أبي أمرني بهذا. فقال: فكان علي يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله ﷺ محرشًا (٤) على فاطمة. للذي صنعت. مستفتيًا لرسول الله ﷺ فيما ذكرت عنه. فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها. فقال: "صدقت صدقت. ماذا قلت حين فرضت الحج" ، قال: قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسولك. قال: "فإن معي الهدي فلا تحل" . قال: فكان جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن والذي أتي به النبي ﷺ مائة. قال: فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي ﷺ ومن كان معه هدي.
- (٤)محرشا: التحريش: الإغرار والمراد هنا أن يذكر له ما يقتفى عتابها.
- ج ١ ص ٥٢٨
فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأحلوا بالحج. وركب رسول الله ﷺ فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر. مكث قليلًا حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة (١) . فسار رسول الله ﷺ ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام (٢) كما كانت قريش تصنع في الجاهلية. فأجاز (٣) رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة. فوجد القبة قد ضربت له بنمرة. فنزل بها.
- (١)نمرة: موضع بجنب عرفات وليست من عرفات.
- (٢)المشعر الحرام: جبل بمزدلفة كانت قريش تقف عليه، ولا تقف مع العرب في عرفات ولكن الرسول خالفهم فوقف مع الناس كما أمره الله ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ أي سائر العرب غير قريش.
- (٣)فأجاز: جاوز المزدلفة ولم يقف بها، وإنما توجه إلى عرفات.
-
حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء، فرحلت (٤) له، فأتى بطن الوادي (٥) فخطب الناس وقال: "إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعًا في بني سعد فقتلته هذيل. وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا، ربا العباس بن عبد المطلب. فإنه موضوع كله.
- (٤)رحلت: وضع عليها الرحل.
- (٥)بطن الوادي: وادي عرنة، وليست عرنة من أرض عرفات عند العلماء كافة، إلا مالكًا فقال: هي من عرفات.
-
فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن في فرشكم أحدًا تكرهونه (٦) ، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح (٧) ، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به. كتاب الله. وأنتم تسألون عني. فما أنتم قائلون؟ " قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فقال بأصبعه
ج ١ ص ٥٢٩السبابة. يرفعها إلى السماء وينكتها (١) إلى الناس: "اللهم اشهد. اللهم اشهد" ، ثلاث مرات.
- (٦)ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه: أن لا يأذن لأحد تكرهونه في دخول بيوتكم والجلوس في منازلكم. سواء كان المأذون له رجلًا أجنبيًّا أو امرأة أو أحدًا من محارم الزوجة فالنهي يتناول الجميع، وهذا حكم المسألة عند الفقهاء: أنها لا يحل لها أن تأذن لرجل ولا امرأة لا محرم ولا غيره، في دخول منزل الزوج إلا من علمت أو ظنت أن الزوج لا يكرهه.
- (٧)الضرب المبرح: الشديد الشاق.
- (١)ينكتها: يقلبها ويرددها إلى الناس مشيرًا إليهم.
-
ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئًا، ثم ركب رسول الله ﷺ ، حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات (٢) ، وجعل جبل المشاة بين يديه (٣) ، واستقبل القبلة. فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلًا حتى غاب القرص (٤) ، وأردف أسامة خلفه، ودفع رسول الله ﷺ وقد شنق للقصواء (٥) الزمام. حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله (٦) ، ويقول بيده اليمنى (٧) "يا أيها الناس، السكينة السكينة" (٨) كلما أتى حبلًا من الحبال (٩) أرخى لها (١٠) قليلًا، حتى تصعد، حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحدة وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئًا (١١) ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر، وصلى الفجر، حين تبين له الصبح. بأذان وإقامة.
- (٢)الصخرات: صخرات في أسفل جبل الرحمة، وهو الجبل الذي بوسط أرض عرفات. فهذا هو الموقف المستحب.
- (٣)جبل المشاة: مجتمعهم، وقيل جبل المشاة: ومعناه طريقهم حيث متسلك الرجالة.
- (٤)حتى غاب القرص: حتى غابت الشمس وذهبت الصخرة.
- (٥)وقد شنق للقصواء: ضم وضيق.
- (٦)مورك رحله: هو قطعة أدم يتورك عليها الراكب تجعل في مقدمة الرحل شبه المخدة الصغيرة.
- (٧)ويقول بيده: يشير بيده.
- (٨)السكينة: أي الزموا السكينة. وهي الرفق والطمأنينة.
- (٩)كلما أتى حبلًا من الحبال: الحبل: التل العظيم من الرمل.
- (١٠)أرخى لها: أرسل زمام القصواء قليلًا.
- (١١)ولم يسبح بينهما شيئًا: أي لم يصل بينهما نافلة.
-
ثم ركب القصواء، حتى أتى المشعر الحرام, فاستقبل القبلة، فدعاه وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدًّا (١٢) ، فدفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن عباس، وكان رجلًا حسن الشعر أبيض وسيمًا، فلما دفع رسول الله ﷺ مرت به ظعن بجرين (١٣) ، فطفق الفضل ينظر إليهن، فوضع
ج ١ ص ٥٣٠رسول الله ﷺ يده على وجه الفضل، فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر، فحول رسول الله ﷺ يده من الشق الآخر على وجه الفضل، يصرف وجهه؟!!، حتى أتى بطن محسر (١) فحرك قليلًا. ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى (٢) ، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها حصى الخذف (٣) رمى من بطن الوادي.
- (١٢)حتى أسفر جدًّا: حتى قاربت الشمس على الطلوع.
- (١٣)مرت به ظعن بجرين: الجمال التي تحمل النساء.
- (١)بطن محسر: سمي بذلك لأن فيل أصحاب الفيل حسر فيه أي أعيا وكلَّ.
- (٢)الجمرة الكبرى: جمرة العقبة.
- (٣)حصى الخذف: أي حصى صغار.
-
ثم انصرف إلى المنحر. فنحر ثلاثًا وستين بيده، ثم أعطى عليًّا، فنحر ما غبر (٤) ، وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنه ببضعة، فجعلت في قدر. فطبخت، فأكلا من لحمها وشربا من مرقها. ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلي البيت (٥) فصلى بمكة الظهر، فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم، فقال: "انزعوا بني عبد المطلب: فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم" ، فناولوه دلوًا فشرب منه" (٦) .
- (٤)ما غبر: ما بقي.
- (٥)فأفاض إلى البيت: أي طاف بالبيت طواف الإفاضة.
- (٦)جاء حديث جابر هذا من طريق جعفر بن محمَّد عن أبيه محمَّد بن علي بن الحسين عن جابر. أخرج هذا الطريق مسلم في الحج باب حجة النبي ﷺ حديث رقم: ١٢١٨، وأبو داود في المناسك: ١٩٠٥. باب صفة حجة النبي ﷺ ، وابن ماجة في المناسك باب حجة النبي ﷺ حديث رقم: ٣٠٧٤، والدارمي في المناسك: ٢/ ٤٤ - ٤٩ باب في سنة الحاج، والبيهقي في السنن: ٥/ ٧ - ٩، وصححه ابن خزيمة برقم: ٢٦٠٣: ٢٦٢٠، وابن الجارود في المنتقى رقم: ٤٦٥، ٤٦٩ بتمامه، واللفظ هنا لمسلم. وقد أخرج مقاطع كبيرة من الحديث من هذا الطريق أحمد: ٣/ ٣٢٠، والنسائي في المناسك باب الذكر والدعاء على الصفا: ٥/ ٢٣٩، ٢٤٠، وابن خزيمة برقم: ٢٦٢٦. وقد أخرج بروايات أخرى وبطرق أخرى: عند أحمد: ٣/ ٣١٧، ٣٢٠، ٣٦٦، والبخاري في الحج باب من أهل زمن النبي ﷺ كإهلال النبي: ١٥٥٧ باب من لبى الحج ومسماه: ١٦٥١، باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، وباب عمرة التنعيم: ١٧٨٥، وفي الشركة: ٢٥٠٦ باب الاشتراك في الهدي والبدن، وفي المغازي: ٤٣٥٠ باب بعث علي بن أبي طالب، وخالد بن الوليد إلى اليمن قبل حجة الوداع، وفي التمني: ٧٢٣٠ باب قول النبي ﷺ "لو استقبت من أمري ما استدبرت". وفي الاعتصام باب نهي النبي ﷺ على التحريم إلا ما تعرف إباحته: ٧٣٦٧، ومسلم في الحج: ١٢١٣، ١٢١٤، ١٢١٥، ١٢١٦، ١٢١٨، باب في المتعة بالحج والعمرة، وأبو داود في المناسك: ٥/ ٢٣ - ٢٤، وابن حزم في المحلى: ٧/ ١٠٠، والطيالسي: ١/ ٢٠٥، برقم: ٩٩١، والحميدي: ١٢٩٣، والنسائي: ٥/ ٢٤٠، ومالك في الموطأ: ١/ ٣٣٢،٣٣٣ , ٣٣٧، ٣٣٩، والطحاوي في شرح المعاني: ١/ ٣٦١، ٣٦٣، ٣٧١، ٣٨١، ٣٩٣، ٣٩٨، ٤١١، وفي مشكل الآثار: ١/ ٣٤٦ , ٢/ ٧٣، ٣/ ١٦٠، والحاكم في المستدرك: ١/ ٤٥٥، وابن سعد: ٢/ ١ / ١٢٧، وأبو نعيم في الحلية: ٣/ ١٨٩، ١٩٩، ٢٠٠، وابن حبان في صحيحه: ١٠١٢ - موارد.