ذكر الديارات المشهورة التى وردت فيها الأخبار؛ وقيل فيها الأشعار
١١٣ فقرة، ج ١ ص ٥٧٠
الصفحة ١ من ٣
- ج ١ ص ٥٧٠
دير الأبلق «١»
قال أبو الفرج: أخبرنا أبو الحسن الأسدىّ والعتكىّ «٢» ، قالا: (نا) الرّياشىّ: أن حارثة بن بدر «٣» كان بكوارا يتنزّه، فنزل ديرا يقال له الأبلق، فاستطابه وأقام فيه، ثم جلس من غد، ودخل إليه جماعة من جيشه، فتحدّثوا طويلا، ثم أنشأ حارثة يقول:
ألم تر أنّ حارثة بن بدر ... أقام بدير أبلق من كوارا
ثم قال لمن حضر من أصحابه: من أجاز هذا البيت فله حكمه. فقال رجل منهم:
أنا أجيزه، على أن تجعل لى الأمان من غضبك، وتجعلنى رسولك إلى البصرة.
قال: ذلك لك. فقال الرجل:
مقيما يشرب الصّهباء صرفا ... إذا ما قلت تصرعه استدارا
فقال له حارثة: لك شرطك؛ ولو [كنت] «٤» قلت لنا ما يسرّنا لسررناك.
- ج ١ ص ٥٧١
[دير بولس]
-
«١» قال أبو الفرج: هو بناحية الرّملة: أخبرنى الحلبىّ «٢» قال: حدثنى أبى، قال: نزلت مع الفضل بن إسماعيل بن صالح بن علىّ بن عبد الله ابن عباس، دير بولس ونحن خارجان إلى جهة الرّملة، فرأى فيه جارية حسنة، بنتا لقسّ «٣» هناك، فخدمته ثلاثة أيام، وسقته شرابا عتيقا؛ فلمّا أراد الانصراف أعطاها عشرة دنانير، وقال فى طريقه:
عليك سلام الله يادير من فتى ... بمهجته شوق إليك طويل
ولا زال من نوء السّماكين وابل ... عليك يروّى من ثراك هطول «٤»
يعلّك منها برهة بعد برهة ... سحاب بإحياء الرياض كفيل
إذا جاد أرضا دمعه بان منظر ... به لعيون الناظرين جميل
ألا ربّ ليل حالك قد صدعته ... وليس معى غير الحسام خليل
ومشمولة أوقدت فيها لصحبتى ... مصابيح ما يخبو لهنّ فتيل
تعلّلنى بالراح هيفاء غادة ... يخال عليها للقلوب وكيل
تجول المنايا بينهنّ إذا غدت ... لواحظها بين القلوب تجول
أيا بنت «٥» قسّ الدير قلبى مولّه ... عليك وجسمى مذ بعدت عليل
ج ١ ص ٥٧٢دير بولس آخر «١» ، ودير بطرس
: وهما معروفان بظهر دمشق، فى نواحى بنى حنيفة، فى ناحية الغوطة؛ وإياهما عنى جرير بقوله:
لمّا تذكّرت بالديرين أرّقنى ... صوت الدّجاج وقرع بالنواقيس
فقلت للرّكب إذ جدّ الرحيل بنا: ... يا بعد يبرين من باب الفراديس
وإيّاهما أيضا عنى بقوله فى أبيات يرثى ابنا له «٢» :
لكن سوادة يجلو مقلتى لحم ... باز يصرصر فوق المرقب العالى
إلّا يكن لك بالدّيرين باكية ... فربّ باكية بالدار معوال
قالوا نصيبك من أجر فقلت لهم: ... كيف العزاء وقد فارقت أشبالى
دير الجاثليق «٣»
-
: هذا دير قديم البناء، من طسّوج مسكن، فى غربىّ دجلة، بين آخر السودان وأول أرض تكريت؛ وعنده كانت الحرب بين عبد الملك بن مروان، ومصعب بن الزّبير «٤» . قال عبد الله «٥» بن قيس الرّقيات يرثى مصعبا:
ج ١ ص ٥٧٣لقد أورث المصرين حزنا وذلّة ... قتيل بدير الجاثليق مقيم
فما قاتلت فى الله بكر بن وائل ... ولا صبرت «١» عند اللقاء تميم
[دير الجماجم]
-
«٢» : جمع جمجمة. سمّى بوقعة «٣» إياد على أعاجم كسرى، بشاطئ الفرات الغربىّ؛ قتلت جيشه، فلم يفلت منهم إلا الشريد، وجمعوا جماجمهم، فجعلوها كالكوم، فسمى ذلك المكان دير الجماجم؛ قاله ابن شبّة؛ زاد الهمدانىّ أن رئيس إياد يومئذ بلال الرّمّاح الإيادىّ.
وقال أبو الفرج: هو دير بظاهر الكوفة، على طريق البرّ الذي يسلك إلى البصرة؛ وفيه كانت الوقعة بين الحجّاج بن يوسف، وبين عبد الرحمن بن محمد ابن الأشعث.
-
وذلك أن ابن الأشعث لما رأى كثرة من معه من الجيش بالبصرة، وقد نازله الحجّاج بها، خرج يريد الكوفة، ورأى أن أهلها أطوع له من أهل البصرة، لبغضهم الحجّاج، ولأنه يجد بها من عشائره ومواليه أنصارا كثيرة.
-
فسار إليها، وسايره الحجاج، فنزل ابن الأشعث دير الجماجم، ونزل الحجاج بإزائه بدير قرّة، ووقعت الحرب بينهما، ثم انهزم ابن الأشعث، فعاد إلى البصرة.
-
وقد ذكرت الشعراء دير الجماجم كثيرا؛ قال جرير يهجو الفرزدق:
ولم «٤» تشهد الجونين والشّعب ذا الصفا ... وشدّات قيس يوم دير الجماجم
- وفى هذا الدير «١» يقول الضحّاك اليربوعىّ:
-
إن يهلك الحجّاج فالمصر مصرنا ... وإلّا فمثوانا بدير الجماجم
وإن تخرجوا سفيان نخرج إليكم «٢» ... أبا حازم فى الخيل شعث المقادم
سفيان هذا: هو ابن الأبرد الكلبىّ «٣» ، وكان من فرسان الحجّاج.
وإن تبرزوا للحرب تبرز سراتنا ... مصاليت شوسا بالسّيوف الصوارم
وقال أبو عبيدة: سمى دير الجماجم، لأنه كان يصنع فيه أقداح من خشب، وقدح الخشب يقال له جمجمة: قال أبو نهيك: سمعت عمرو بن أخطب أبا يزيد الأنصارىّ يقول: استسقى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيته بجمجمة فيها ماء، وكانت فيه شعرة فرفعتها، أو قال: فنزعتها! فقال: اللهم جمّله! قال: فرأيته وهو ابن أربع وتسعين، ما فى رأسه طاقة «٤» بيضاء» .
-
دبر حزقيال «٥»
-
بكسر الحاء المهملة، وإسكان الزاى، وكسر القاف.
قال أبو الفرج: حدثنى ابن قدامة، قال: قال شريح الخزاعىّ «٦» : اجتزت «٧» بدير حزقيال، فبينا أنا أدور به «٨» ، إذا بكتابة على أسطوانة، فقرأتها، فإذا هى:
ربّ ليل كأنه «٩» نفس العا ... شق طولا قطعته بانتحاب
ج ١ ص ٥٧٥ونعيم كوصل «١» من كنت أهوا ... هـ «٢» تبدّلته ببؤس العتاب
نسبونى إلى الجنون ليخفوا ... ما بقلبى من صبوة واكتئاب
ليت بى ما ادّعوه من فقد عقلى ... فهو خير من طول هذا العذاب
وتحته مكتوب: «هويت فمنعت، وطردت وشرّدت؛ وفرّق بينى وبين الوطن، وحجبت عن الإلف والسّكن؛ وحبست فى هذا الدّير عدوانا «٣» ، وصفّدت فى الحديد أزمانا» :
وإنى على مانا بنى وأصابنى ... لذو مرّة باق على الحدثان
فإن تعقب الأيام أظفر ببغيتى ... وإن أبق مرميّا بى الرّجوان «٤»
فكم ميّت همّا بغيظ وحسرة ... صبور لما يأتى به الملوان
قال: فكتبت ما وجدت، وسألت عن صاحبه، فقالوا: رجل هوى ابنة عمّ له، فحبسه عمه فى هذا الدير «٥» ، خوفا أن يفتضح فى ابنته، فتجمع أهله، فجاءوا، فأخرجوه، وزوجوه بها كرها.
-
[دير حسمى ودير ضعضم]
-
: بالجزيرة، وقد تقدم ذكرهما «٦» فى رسم حسمى، فانظرهما هناك.
-
دير حنظلة «٧»
-
: هو «٨» دير بالجزيرة، فى أحسن موضع منها، وأكثره
ج ١ ص ٥٧٦رياضا وزهر وشجرا؛ وهو موصوف مألوف، قالت «١» فيه الشعراء؛ فمن قال فيه الشعر، وغنّى فيه، عبد الله بن محمد بن زبيدة.
قال ابن أخى جناح: كنت مع عبد الله بن محمد الأمين «٢» وقد خرج إلى نواحى الجزيرة، وكانت له هناك ضياع كثيرة، ونحن معه، فمررنا بدير حنظلة؛ وكأن ما حواليه «٣» من الرياض حلل وشى، وهو فى صحراء بعيدة من الفرات، فنزل هناك، وأمر غلمانه، ففتحوا له الدّير، فنزل «٤» وشرب، وكان حسن الضرب بالعود، حسن الصوت طيبه، فأنشأ يقول:
ألا يادير حنظلة المفدّى ... لقد أورثتنى تعبا «٥» وكدّا
ألا يادير جادتك الغوادى ... سحابا حمّات برقا ورعدا
قال: فأقمنا به عشرة أيام نصطبح فى كل يوم، وألقى علىّ وعلى من كان معى من المغنّين، لحنا صنعه فى هذا الشعر، ما سمعت أملح منه، على كثرة صنعته فى شعره.
-
وحنظلة الذي نسب إليه هذا الدير: رجل من طيّىء، يعرف بابن أبى عفران «٦» ، وهو من رهط أبى زبيد الطائىّ، وكان من شعراء الجاهلية، تم تنصر، وفارق بلاد قومه، ونزل الجزيرة مع النصارى، حتى فقه «٧» دينهم، وبلغ نهايته، وابتاع «٨» ماله، وبنى هذا الدير، وترهب فيه حتى مات.
ج ١ ص ٥٧٧قال أبو الفرج: حدثنى هاشم بن محمد، قال: حدثنى الرّياشىّ، حدّثنى أبو محلّم «١» : أن حنظلة هذا هو القائل:
ومهما يكن ريب الزمان فإننى ... أرى قمر الليل «٢» المغرّب «٣» كالفتى
يهلّ صغيرا ثم يعظم ضوءه ... وصورته حتى إذا تمّ واستوى «٤»
تقارب يخبو ضوءه وشعاعه ... ويمصح حتّى يستسرّ ولا يرى «٥»
- وفى هذا الدير يقول بعض الشعراء:
-
يا دير حنظلة المهيّج لى الهوى ... هل تستطيع صلاح قلب العاشق «٦» .
-
دير حنظلة آخر «٧»
قال أبو الفرج: ومن ديارات بنى علقمة بالحيرة، دير حنظلة بن عبد المسيح بن علقمة بن مالك بن ربّى بن نمارة بن «٨» لخم.
-
وجد فى صدر الدير مكتوب بالرّصاص فى ساج محفور:
«بنى هذا الهيكل المقدّس، محبة لولاية الحقّ والأمانة، حنظلة بن عبد المسيح، يكون مع بقاء الدنيا تقديسه؛ وكما يذكر أولياؤه بالعصمة، يكون ذكر الخاطئ حنظلة» .
- وفيه يقول بعض الشعراء:
-
بساحة الحيرة دير حنظله ... عليه أثواب «٩» السرور مسبله
ج ١ ص ٥٧٨أحييت فيه «١» ليلة مقتبله «٢» ... وكأسنا بين النّدامى معمله
والراح فيها مثل نار مشعله ... وكلّنا مستنفد ما خوّله
[دير حنة]
-
«٣» بحاء مهملة، مفتوحة، بعدها نون مثقّلة، وهو بالحيرة.
قال أبو الفرج: هو دير قديم بناه حىّ من تنوخ «٤» ، يقال لهم بنو ساطع، تحاذيه منارة عالية كالمرقب، تسمى القاتم، لبنى أوس بن عمرو، ثم لبطن منهم يقال لهم «٥» ، بنو مبرق. وكان فتيان الحيرة يألفونه ويشربون فيه؛ وإياه عنى الثروانى بقوله:
يا دير حنّة عند القائم الساقى ... إلى الخورنق من دير ابن برّاق
ليس السلوّ (وإن أصبحت ممتنعا ... من بغيتى فيك) من شكلى وأخلاقى
سقيا لعافيك من عاف معالمه ... قفر وباقيك «٦» مثل الوشي من باقى.
-
دير حنّة آخر «٧»
-
: بالأكيراح. والأكيراح، بناحية البليخ: بلد كثير البساتين والرّياض والمياه؛ قال أبو نواس:
يا دير حنّة من ذات الأكيراح ... من يصح عنك فإنى لست بالصاحى
يعتاده كلّ مجفوّ «٨» مفارقه ... من الدّهان عليه سحق أمساح
ج ١ ص ٥٧٩فى فتية لم يدع منهم تخوّفهم ... وقوع ما حذروه غير أشباح
لا يدلفون إلى ماء بآنية ... إلا اغترافا من الغدران بالراح
والأكيراح: قباب صغار يسكنها الرهبان، يقال للواحد منها: كرح «١» .
-
وقد ذكر بكر بن خارجة هذا الدير أيضا فقال:
دع البساتين من آس وتفّاح ... واقصد إلى الروض من ذات الأكيراح
إلى الدّساكر فالدير المقابلها ... لدى الأكيراح من دير ابن وضّاح
منازلا لم أزل حينا ألازمها ... لزوم غاد إلى اللّذات روّاح
وبالحيرة أيضا موضع يقال له الأكيراح؛ وفيه دير بناه عبد بن حنيف، من بنى لحيان، الذين كانوا مع «٢» لخم، وملك الحيرة منهم ملكان؛ وأظنه الذي عناه بكر بن خارجة، لأنه كوفىّ فى الشعر المتقدم إنشاده. وفى هذه «٣» الأكيراح يقول على بن محمد العلوىّ الحمّانى:
كم وقفة لك بالخور ... نق لا توازى «٤» بالمواقف
بين الغدير إلى السّدير ... إلى ديارات الأساقف
دمن كأن رياضها ... يكسين أعلام المطارف
وكأنما غدرانها ... فيها عشور فى مصاحف
وكأنما أغصانها ... تهتزّ بالرّيح العواصف
طرر الوصائف يلتفتن ... بها إلى طرر الوصائف
ج ١ ص ٥٨٠[دير حنيناء]
-
بفتح الحاء المهملة، بعدها نون مكسورة، وياء ونون أخرى، ممدود «١» . وهذا الاسم فى النصارى هناك معروف.
-
وقد اختلف فيه، على ما يأتى ذكره. وهو دير بالشام؛ وهناك مات معاوية ابن هشام بن عبد الملك، فقال الكميت يرثيه:
فأىّ فتى دنيا ودين تلمّست ... بدير حنيناء المنايا فدلّت
تعطّلت الدنيا به بعد موته ... وكانت لنا حينا به قد تحلّت
وقيل أن الذي رثى بهذا الشعر البطّال، أحد قوّاد الأموية وفرسانهم؛ مات بدير حنيناء، قافلا مع معاوية بن هشام من غزوة، فأمر معاوية الشعراء برثائه؛ والرواية فى شعر أبى تمام: حبيناء، بالباء المعجمة بواحدة.
-
دير الرّصافة «٢»
-
: بدمشق «٣» . قال أبو الفرج: حدثنى جعفر بن قدامة، قال: حدثنى أبو عبد الله بن حمدون، قال: كنت مع المتوكّل لما خرج إلى الشام، فركب يوما من دمشق يتنزه فى رصافة هشام «٤» ، يزور «٥» قصوره وقصور ولده؛ ثم خرج، فدخل ديرا «٦» هناك قديما، من بناء الرّوم «٧» ، بين أنهار
ج ١ ص ٥٨١ومزارع وأشجار، فبينا هو يدور فيه، إذ بصر برقعة ملصقة، فأمر أن تقلع، فقلعت، فإذا فيها «١» :
أيا منزلّا بالدير أصبح خاليا ... تلاعب فيه شمأل ودبور
كأنك لم يسكنك بيض أوانس ... ولم يتبختر فى فنائك حور
وأبناء أملاك عباشم سادة ... صغيرهم عند الأنام كبير
إذا لبسوا أدراعهم فمنابس ... وإن لبسوا تيجانهم فبدور
على أنهم يوم اللّقاء ضراغم ... وأنهم يوم العطاء بحور
وحولك رايات لهم وعساكر ... وخيل لها بعد الصهيل شخير
ليالى هشام فى الرّصافة قاطن ... وفيك ابنه يا دير وهو أمير
إذ العيش غضّ والخلافة لذّة «٢» ... وأنت طرير والزمان غرير
وروضك مرتاض، ونورك نيّر ... وعيش بنى مروان فيك نضير
بلى، فسقاك الغيث صوب غمامة ... عليك لها بعد الرّواح بكور
تذكرت قومى خاليا فبكيتهم ... بشجو، ومثلى بالبكاء جدير
وعزّيت نفسى وهى نفس إذا جرى ... لها ذكر قومى أنّة وزفير
لعلّ زمانا جار يوما عليهم ... له بالذى تهوى النفوس يدور
فيفرح محزون، وينعم بائس ... ويطلق من ضيق الوثاق أسير
قال: فلما قرأها المتوكل ارتاع لها «٣» وتطيّر، وقال: أعوذ بالله من سوء أقداره «٤» ثم دعا بصاحب الدير، فقال له «٥» : من كتب هذه الرّقعة؟ فأقسم أنه لا يدرى.
ج ١ ص ٥٨٢قال: وأنا مذ نزل أمير المؤمنين هذا الموضع «١» ، لا أملك من أمر هذا الدير شيئا؛ يدخله الجند والشاكرية ويخرجون «٢» ؛ وغاية قدرتى أنى متوار فى قلّايتى.
-
فهمّ بضرب عنقه، وإخراب الدير؛ فكلمه صحبه إلى أن سكن غضبه؛ ثم بان بعد ذلك أن الذي كتب الأبيات رجل من بنى روح بن زنباع الجذامىّ، وأمه من موالى هشام بن عبد الملك.
-
دير زكى «٣»
-
بفتح الزاى، وتشديد الكاف، وإسكان الياء، اسم أعجمىّ. وهو دير على باب الرّها «٤» ، معروف، بإزائه تلّ يقال له: تلّ زفر؛ وهو زفر بن الحارث الكلابىّ، وفيه ضيعة يقال لها الصالحية، فيها بستان موصوف بالحسن «٥» ، وفيه سروتان قديمتان. وقد ذكره الشعراء، وذكروا بهجته «٦» ، وتشوّقوه.
-
وممن ذكره من الملوك الرشيد، فقال فى بعض غزواته، وكان خلّف جارية يحبها هنالك «٧» :
سلام على النازح المغترب ... تحية صبّ به مكتئب «٨»
غزال مراتعه بالبليخ «٩» ... إلى دير زكّى فقصر الخشب «١٠»
ج ١ ص ٥٨٣أيا من أعان على نفسه ... بتخليفه خلفه «١» من أحب
سأستر والسّتر من شيمتى ... هوى من أحب بمن «٢» لا أحب
وقد ذكرنا أنه قال هذا الشعر فى ديرانية مليحة «٣» ، رآها فى دير زكّى، فهويها «٤» .
-
«٥» ومر بهذا الدير عبد الله بن طاهر ومعه أخ له، فنزلا فيه، وشربا أياما، وخرجا إلى مصر، فمات أخوه بمصر، وعاد هو فنزل بهذا الدير، فقال:
أيا سروتى بستان زكّى سلمتما ... ومن لكما أن تسلما بضمان
ويا سروتى بستان زكّى سلمتما ... وغال ابن أمّى نائب الحدثان
«٦» وفى هذا الموضع يقول أشجع، يصف النهر الذي أجراه الرشيد مع القصر
- الأبيض ودير زكى وتلّ زفر يقابله:
-
قصر عليه تحية وسلام ... ألقت عليه جمالها الأيام «١»
بالظّهر حيث يساير البطن الّذى ... فيه منازل حاضر وخيام
أجرى الإمام إليه نهرا مفعما ... أعطى القياد وما عليه زمام
قصر سقوف المزن دون سقوفه ... فيه لأعلام الهدى أعلام
تثنى على أيامك الأيّام ... والشاهدان: الحلّ والإحرام
وعلى عدوّك يا بن عمّ محمد ... رصدان ضوء الصبح والإظلام
فإذا تنبّه رعته، وإذا هدا ... سلّت عليه سيوفك الأحلام
ورواه أبو الفرج: «وإذا غفا» ؛ وهى لغة مردودة، وإنما يقال: أغفى. وفى مختصر العين: أنهما مقولتان.
-
[دير سليمان]
-
: دير بجسر منبج؛ وهو فى «٢» جبل من جبال دلوك «٣» ، وهو من أحسن الجبال. وكان إبراهيم بن المدبّر لما ولّى الثغور الجزرية، خرج فى بعض أيامه إلى دلوك ورعبان «٤» ، وكان أكثر مقامه بمنبج، فنزل هذا الجبل، وشرب فيه، وقال:
أيا ساقيينا عند «٥» دير سليمان ... أديرا كئوسى فانهلانى وعلّانى
وعمّا بها النّدمان والصّحب إنّنى ... تنكّرت «٦» عيشى بعد أهلى «٧» وإخوانى
ج ١ ص ٥٨٥ولا تتركا نفسى تمت بهمومها ... لذكرى حبيب قد شجانى وعنّانى
وفارقته والله يجمع شمله ... بغلة محزون ولوعة حرّان
وكان تخلّف بمنبج جارية كان يتعشّقها، تسمى غادر، اشتراها بسرّمن رأى بمال جسيم.