ذكر فتح البهنسا وما فيه من الفضائل وما وقع فيه للصحابة رضي الله عنهم

٥٤ فقرة، ج ٢ ص ٢٠٣

الصفحة ٢ من ٢

  1. قال رافع بن أزد الجهني لما رجعنا إلى مكان المعركة وجدنا الأرض قد امتلأت من قتلى الروم والسودان والبجاوة وغيرهم واختلط جماعة من قتلى المسلمين بهم ما عرفناهم من الروم إلا أن الروم كان بايديهم صلبان والمسلمون ليس لهم ذلك فميزناهم منهم بذلك وجمعنا جريد النخل والقصب ووضعنا على كل قتيل جريدة أو

    ج ٢ ص ٢٣٣قصبة وذلك في مكان المعركة ثم جمعناها وحصرناها فإذا الكفار تسعون ألفا وقتل في الجبال والطرقات ما لا يحصى وتفقد المسلمون من قتل منهم فإذا هم خمسمائة وثلاثون رجلا وجمعت المسلمون الغنائم والاموال ثم قسمت وأخرج عمرو منها الخمس وكتب كتابا بالفتح وما جمعه من الخمس واستدعى بالأمير هاشم بن المرقال رضي الله عنه وندب معه ثلاثين رجلا من خيار الجند وأمره بالمسير إلى المدينة وأقام المسلمون بالمرج بعد الوقعة خمسة أيام حتى استراحوا ورجع من كان خلف المنهزمين ثم اجتمعوا إلى عمرو واستأذنوه في المسير إلى الوجه القبلي فأذن لهم وودعهم ودعا لهم وقال يعز علي فراقكم ولو أن أمير المؤمنين لم يأمرني بالمسير ما فارقتكم ثم رجع معه ثلاثة آلاف ومائة وعشرون وكان جملة من قتل ثمانمائة وثمانين ختم الله لهم بالشهادة وقيل ألف وقيل تسعمائة وأربعون على اختلاف الرواة والله أعلم أي ذلك كان.

    قال الراوي: ما أخذت في هذا الكتاب إلا على قاعدة الصدق والمعونة من الله تعالى فلما ملكت المسلمون البلاد وأذلت أهل الشرك والفساد وذلك ببركة الصحابة رضي الله عنهم فهم الرجال الابطال والسادة الاخيار والمهاجرون والانصار وأصحاب محمد المختار الذين فتحوا بسيوفهم الامصار وأذلوا الكفار وأرضوا العزيز الغفار وباعوا نفوسهم لله الواحد القهار بجنات تجري من تحتها الانهار.

    قال الراوي: لما رجعت المنهزمون إلى الملوك والبطارقة وأخبروهم بذلك وقع الرعب في قلوبهم وحاروا في نفوسهم ولم يدروا ما يدبرون وما يصنعون قال فصعب على بطريق اهناس وعلى صاحب البهنسا ما صنع ببطارقتهما وعولوا على الحصار وجمعوا الآلة وصاروا يخرجون ما يحتاجون إليه وتيقنوا أن لا بد للحرب من أرضهم ووطنوا أنفسهم وكذلك بطارقة الصعيد وملوكه وضاقت نفوسهم مما حل بهم.

    قال الراوي: ووصل الكتاب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ففرح بذلك فرحا شديدا وقرأ الكتاب على علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف والعباس بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ففرحوا بذلك فرحا شديدا ثم قسمت الغنائم على أهل المدينة وقسم لنفسه كأحدهم رضي الله عنه وكتب جواب الكتاب ودفعه لهاشم وقال له: قل لعمرو يحث الصحابة ويحرضهم على فتح الصعيد.

    قال الراوي: وأما عمرو بن العاص رضي الله عنه فإنه لم يرجع إلى مصر حتى قسم الغنائم بين الصحابة وفضل أصحاب الولاء وأهل السابقة ورجع إلى مصر بعد أن جهز العساكر إلى الصعيد.

    ج ٢ ص ٢٣٤قال الراوي: ولما فارق عمرو بن العاص خالد بن الوليد والأمراء رضي الله عنهم استشار بعضهم بعضا أي مكان يقصدون فاتفق رايهم أن يسيروا ألف فارس طليعة وأمر عليهم قيس بن الحرث ومعه جماعة من أمرائهم منهم رفاعة بن زهير المحاربي والقعقاع بن عمرو التميمي وعقبة بن عامر الجهني وذو الكلاع الحميري رضي الله عنه وصاروا يسيرون في وسط البلاد وبقية العساكر قريبة منهم فمن أطاعهم وطلب الامان أمنوه وصالحوه ووضعوا عليه الجزية ومن أبى قاتلوه ومن أسلم تركوه وسار خالد ببقية الجيش يريدون أهناس فإنها كانت أعظم مدائن الوجه القبلي بعد الكورة وكانت حصينة آهلة بالخيل والآلة والعدة ولما أحس بطريقها بمجيء الصحابة إليه جمع البطارقة وقد انكسرت جنودهم وخمدت نيرانهم وكلمتهم بانهزام جيوشهم وشاورهم في أمرهم وقال لهم: خذوا أهبتكم وقاتلوا عن حريمكم وأموالكم والا صرتم عبيد للعرب يفعلون بكم ما يختارون وإن شئتم صالحناهم حتى يعلم ما يكون من بطارقته فأجابوه وقالوا: لا نسلم البلاد حتى نغلب ونجمع أموالنا في هذه المدينة الحصينة ونقاتل فإن غلبنا عولنا على الحصار واتفق رأيهم على ذلك فكان الذي أجابهم إلى ذلك خرج بنفسه وأمواله ومن لم يجبهم إلى ذلك أقام وكذلك بطارقة البهنسا منهم من انتقل إلى البهنسا بماله وأولاده ومنهم من أقام ببعض المدائن ممن عولوا على الاقامة والحصار والقتال.

    ج ٢ ص ٢٣٢
  2. وسار خالد بالجيش حتى قرب من اهناس وبين يديه الطلائع والأمراء وهم يشنون الغارات على السواحل والبلاد فمن خرج إليهم وصالحهم وعقد معهم صلحا صالحوه ولهم الميرة والعلوفة الضيافة ومن أبى دعوه إلى الإسلام فإن أبى طلبوا منه الجزية فإن أبوا شنوا عليهم الغارة حتى وصلوا قريبا من اهناس وبلغ الخبر إلى عدو الله فقال: لا بد من لقائهم وقتالهم حتى أنظر ما يكون من أمرهم ثم خرج إلى ظاهر المدينة قريبا من السور ولم يبعد عنها وكان للمدينة أربعة أبواب فأغلق ثلاثة وفتح الباب الشرقي وأخرج الخيام والسرادقات وأكثر من العدة والزينة وقال أن دخلنا المدينة من غير قتال طمعت العرب في جانبنا ثم فرق بطارقته وعرض جيشه فكانت عدتهم خمسين ألفا وقال اثبتوا وقاتلوا عن حريمكم ولا تكونوا أول جند أخذوا وأقاموا يتأهبون للقتال وينتظرون قدوم الصحابة رضي الله عنهم.

    قال الواقدي: وأما خالد فلما قرب من أهناس استدعى بالزبير بن العوام وضم إليه ألف فارس من الأمراء وغيرهم وأمره بالمسير ثم استدعى بالفضل بن العباس وضم إليه ألف فارس وسار على أثره ثم استدعى بميسرة بن مسروق العبسي وضم إليه ألف فارس وسار على أثره

    ج ٢ ص ٢٣٥ثم استدعى بزياد بن أبي سفيان وضم إليه ألف فارس وسار على أثره ثم استدعى بمالك الأشتر النخعي وضم إليه ألف فارس وسار على أثره وسار خالد ببقية الجيش.

    قال: حدثنا عون بن سعيد قال: حدثنا هاشم بن نافع عن رافع بن مالك العلوي قال كنت في خيل الزبير بن العوام رضي الله عنه لما توسطنا البلاد وتعرضنا لاهلها وشننا الغارة على السواد فوجدنا قطيعا من الغنم ومعها رعاة فلما أحسوا بنا تركوها ومضموا فسقناهم ثم سرنا قليلا وإذا بنساء وصبيان مشرفة ونصارى من القبط وغيرهم فلما رأونا فروا وكان معهم عشرون فارسا من العرب المتنصرة من جذام ومعهم بطريق من البطارقة عليه الزينة الفاخرة فلما عاينونا فروا من بين أيدينا فأطلقنا الغارة عليهم فما كان غير بعيد حتى أدركناهم وقبضنا عليهم وسالناهم فأجابوا بأنهم من قرى شتى وانهم يريدون اهناس فعرضنا عليهم الإسلام فامتنعوا فأردنا قتلهم فمنعنا من ذلك الزبير رضي الله عنه وقال: حتى يحضر الأمير خالد ويفعل ما يريد قال: وسرنا حتى قربنا من أهناس ورأينا المضارب والخيام والسرادقات فأعلن الزبير بالتهليل والتكبير وكبر المسلمون حتى ارتجت الأرض لتكبيرهم وخرجت الروم إلى ظاهر خيامهم ينظرون الينا وعدو الله مارنوس بن ميخائيل ينظر الينا والحجاب والنواب وأرباب الدولة من البطارقة حوله وعليهم أقبية الديباج وعلىرؤوسهم التيجان المكللة وبأيديهم العمد المذهبة والسيوف وهم محدقون به عن يمينه وشماله قال فلما أقبلنا عليهم تصايحوا ورطنوا بلغتهم وأعلنوا بكلمة كفرهم واستقلونا في أعينهم ولما قرب الزبير من القوم هز الراية وأنشد يقول:

    أيا أهل أهناس الطغاة الكوافر. ... ويا عصبة الشيطان من كل غادر.

    أتتكم ليوث الحرب سادات قومها. ... على كل مشكول من الخيل ضامر.

    فإن لم تجيبوا سوف تلقون ذلة. ... ونقتل منكل كل كلب وفاجر.

    قال الراوي: ثم نزلنا قريبا من القوم فلم يكن غير قليل حتى أقبل الفضل بن العباس رضي الله عنه وحوله السادات الاماجد فكبر وكبروا معه وهز الراية وأنشد يقول:

    أيا أهل أهناس الكلاب الطواغيا. ... أتتكم ليوث الحرب فاصغوا مقاليا.

    اقروا بأن الله لا رب غيره. ... والا تروا أمرا عظيما مدانيا.

    اقروا بأن الله أرسل أحمدا. ... نبيا كريما للخلائق هاديا.

    قال الراوي: ثم نزل قريبا من أصحابه فلم تكن إلا ساعة حتى أقبل الأمير ميسرة بن مسروق العبسي وكبر هو والمسلمون فأجابه المسلمون فهز الراية

  3. وأنشد يقول:
  4. أتينا لاهناس بكل غضنفر. ... على كل صاهل من الخيل أجرد.

    فإن هم أطاعونا شكرنا فعالهم. ... والا أبدناهم بكل مهند.

    ونخرب أهناسا ونقتل أهلها. ... إذا خالفوا دين النبي محمد.

    قال الراوي: ونزل قريبا من الفضل ولما كان غروب الشمس أقبل زياد بن أبي سفيان رضي الله عنه بمن معه وكبر هو والمسلمون وهز الراية وأنشد يقول:

    هلموا إلى أهناس يا آل هاشم. ... ويا عصبة المختار نسل الاعاظم.

    ودونكم ضرب السهام وبشدة. ... وقطع رؤوس ثم فلق جماجم.

    لننصر دينا للنبي محمد. ... نبي الهدى المبعوث من آل هاشم.

    قال الراوي: وبات المسلمون رضي الله عنهم يقرءون القرآن ويصلون على النبي صلى الله عليه وسلم وهم يتحارسون حتى لاح الفجر ثم اقبل المقداد رضي الله عنه باصحابه وكبر هو والمسلمون ولما قرب من أصحابه هز الراية وأنشد يقول:

    أنا الفارس المشهور في كل موطن. ... وناصر دين للنبي محمد.

    لعلل ننال الفوز عند الهنا. ... فيافوز من أضحى نزيل المؤيد.

    ونقتل عباد الصليب جميعهم. ... بأسمر خطى وعضب مهند.

    قال الراوي: ونزل بإزء الفضل وتكلم الأمراء المتقدم ذكرهم قال: ولما رأونا ظنوا أن ليس وراءنا أحد وقعدنا ذلك اليوم ولم نكلمهم ولم يكلمونا فلما كان اليوم الثاني عند طلوع الشمس إذا بالغبار قد طلع والقتام قد ارتفع من خيول عادية وعليها فوارس حجازية وكبر المسلمون ورفعوا راياتهم الإسلامية وأعلامهم المحمدية فسمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الصياح فخرج الأمراء إلى لقائهم وإذا في أوائلهم خالد بن الوليد رضي الله عنه والى جانبه غانم بن عياض الاشعري وأبو ذر الغفاري وأبو هريرة الدوسي واسمه عبد الرحمن وبقية الأمراء والمهاجرون والانصار فلما رأت الروم ذلك من قريب دخل الرعب في قلوبهم ونزل اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قريبا من أهناس كل منهم في مركزه وأقاموا ذلك اليوم فلما كان اليوم الثالث جمع خالد الأمراء وأصحاب الرايات واستشارهم فيمن يمضي إلى بطريق أهناس فقال المقداد أنا له فقال له خالد: أنت له فخذ من شئت فأخذ معه ضرار بن الازور وميسرة بن مسروق العبسي وقال لهم خالد: أدعوه إلى الإسلام فإن أبى فالجزية فإن أبى فالقتال واحرصوا على أنفسكم.

    ج ٢ ص ٢٣٧قال الراوي: وساروا إلى القوم حتى قربوا من العسكر وهم يدوسون بخيولهم أطناب الخيام والسرادقات فصاحت بهم الحجاب من تكونون فقالوا: نحن رسل فأعلموا البطريق بذلك فأمر بأحضارهم فلما حضروا بين يديه صاحت بهم الحجاب والنواب أن قبلوا الأرض للملك فلم يلتفتوا إليهم ولم ينزلوا إلا على باب سرادق الملك ووقفوا على الباب فأذن لهم في الدخول فدخلوا وأمسكوا لجم خيولهم فاراد الغلمان أن يمسكوها فامتنعوا من ذلك فأشار إليهم البطريق فتركوهم ثم دخلوا عليه فإذا هو جالس على سرير من الذهب مرصع بالدر والجوهر وحوله البطارقة جلوس والحجاب والنواب وأرباب الدولة قيام وبأيديهم السيوف والاعمدة والرماح فلما رآهم تغير لونه واندهش وأذن لهم بالجلوس فقالوا: لا نجلس على هذا الفرش فإنه حرام علينا فأمر بالبسط الحرير فرفعت ثم فرش أنطاعا من الصوف ثم أشار إليهم فقالوا: لا نجلس حتى تنزل عن سريرك قال فرطنت الروم فأشار إليهم فسكتوا وأرادوا أن ينزعوا منهم سيوفهم فامتنعوا من ذلك فتركوهم وكلمهم الملك فأبوا حتى ينزل عن سريره فنزل وكلمهم بلسان عربي وسألهم عن حالهم فأجابوا أنهم لا يفارقونه حتى يسلم هو وقومه أو يؤدوا الجزية أو القتال فامتنع عن ذلك وقال اذهبوا والموعد غدا للقتال وخرجوا من عنده على ذلك ورجعوا إلى خالد وأعلموه بذلك فتأهب الأمراء للحرب فلما أصبح خالد صلى بأصحابه صلاة الصبح وبادروا للحرب والقتال وصاحوا النصر النصر يا خيل الله اركبي وللجنة اطلبي فركب المسلمون خيولهم وركزوا راياتهم واصطفوا ميمنة وميسرة وقلبا وجناحين وخالد في وسط الجيش وعلى الساقة ميسرة بن مسروق العبسي ومالك الاشتر النخعي في خمسمائة فارس من المهاجرين والانصار.

    قال الراوي: فلم تكن غير ساعة حتى برزت الروم وأظهرت صلبانها.

    قال: حدثنا رافع بن مالك عن عباد بن مازن عن محمد بن مسلمة الانصاري رضي الله عنه قال لما أقبلت رايات القوم عددناها فإذا هي خمسون صليبا تحت كل صليب ألف فارس فكان أول من افتتح الحرب بطريق عليه ديباجة حمراء وعلى رأسه بيضة معصب عليها بعصابة من جوهر فبرز إليه فارس من خثعم يقال له زيد بن هلال: فقتله ثم طلب البراز فبرز إليه عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولم يمهله أن ضربه بالسيف على عاتقه الايمن فخرج يلمع من عاتقه الايسر فانجدل عدو الله يخور في دمه وعجل الله بروحه إلى النار وطلب البراز فبرز إليه فارس من الروم فقتله ثم آخر فقتله وطلب الميمنة وشوش صفوفهم وقتل أبطالهم ثم عاد إلى القلب ثم خرج من بعده شرحبيل بن حسنة وفعل كفعله ثم حمل من بعده الفضل بن العباس ثم حمل من بعده العباس بن مرداس ثم من بعده

    ج ٢ ص ٢٣٨أبو ذر الغفاري ثم تبارد المسلمون بالحملة فلما رأى الروم ذلك ايقظوا أنفسهم في عددهم وعديدهم وتظاهروا البيض والدرع ولم يزل القتال بينهم حتى توسطت الشمس في قبة الفلك.

  5. قال الراوي: فعندها حمل خالد بن الوليد وغاص في الميمنة فقلبها على الميسرة وغاص في الميسرة فقلبها على الميمنة وقاتلت العرب قتالا شديدا حتى جاء الليل وحجز بين الفريقين وبات المسلمون يتحارسون وتفقد المسلمون بعضهم بعضا فإذا قد قتل منهم اثنان وأربعون رجلا ختم الله لهم بالشهادة الاعيان منهم ربيعة بن عامة الداودي وزيد بن ربيعة المحاربي وغانم بن نوفل المحاربي وصفوان بن مرة اليربوعي والبقية من أخلاط الناس وقتل من أعداء الله ألف وثلثمائة وأزيد ولما خلا عدو الله بأصحابه تذاكروا ما وقع في الحرب وصعب عليهم ما لقوه من العرب فأراد الملك الصلح فغلب البطارقة عليه وأعدوا للحرب والقتال فلما أصبح الله الصباح وبارق الفجر لاح صلى المسلمون صلاة الصبح ثم اصطفوا على ظهور خيولهم واصطفت الروم وبرزت البطارقة وأظهروا زينتهم وبرز بطريق عظيم يقال له صاحب طنسا: وعليه لامة حربه وطلب البراز فبرز إليه الفضل بن العباس فتجاولا وتعاركا وتخالفا بضربتين فكان السابق بالضربة الفضل بن العباس فضربه بالسيف على رأسه فوصل إلى أضراسه فانجدل صريعا يخور في دمه وعجل الله بروحه إلى النار وبئس القرار وبرز بطريق ثان فقتله ولم يزل كذلك حتى قتل أربعة من خيارهم فحملت الروم حملة واحدة وحمل المسلمون وحمل ضرار بن الازور رضي الله عنه وأظهر شجاعته وحمل مذعور بن غانم الاشعري والفضل بن العباس ومحمد بن عقبة بن أبي معيط ومسلم وجعفر وعلي أبناء عقيل وعبد الله بن جعفر وسليمان ابن خالد وعبد الرحمن بن أبي بكر وتجاهرت الأمراء وعظم الخطب وكثر الطعن والضرب وثار القتام حتىصار النهار كالظلام وتراشقوا بالنبال واشتد القتال وقطعت المعاصم وطارب الجماجم فما كنت ترى إلا جوادا غائرا ودما فائرا واشتد الكرب وكثر الطعن والضرب وسال العرق واحمرت الحدق وجال خالد كالاسد وأرغى وأزبد فعند ذلك رفع غانم بن عياض طرفه إلى السمار وقال: يا عظيم العظماء أنزل علينا نصرك كما أنزلته علينا في مواطن كثيرة وانصرنا على القوم الكافرين فامنت جماعة من الأمراء على دعائه فما كان غير بعيد حتى رأيت الرجال الكفار يتساقطون لا ندري بماذا يقتلون فلما رأى الروم ذلك فروا إلى الباب وتبعتهم المسلمون يقتلون ويأسرون وينهبون والحجارة تأخذهم من أعلى السور وهم لا يلتفتون إلى ذلك ودخلوا إلى الأبواب ودخل اللعين وصال عليهم خالد وجماعة من الأمراء واقتطعوا قطعة من الروم نحو خمسة آلاف وكان المسلمون قريبين من اللعين فاقتتلوا عند الباب ورموهم بالحجارة فقتلوا منهم نحو من ثلاثة آلاف وخرج

    ج ٢ ص ٢٣٩من الباب نحو من ألف فارس وحملوا ودخل الباقون وأغلقوا بابهم وطلعوا على الاسوار واشتد القتال والحصار ورموا بالحجارة والنبال حتى فرق الليل بينهم.

    قال الراوي: وأقام المسلمون على حصار أهناس ثلاثة أشهر وفي كل يوم يناوشونهم بالقتال والاسوار رفيعة والأبواب منيعة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كل يوم يشنون الغارات حتى يصلوا إلى أطراف الكورة.

    قال الراوي: واقام المسلمون على حصار اهناس ثلاثة أشهر وفي كل عنهم المدد وضاقت أنفسهم وطمعت فيهم الصحابة ثم أن خالدا استشار اصحابه ماذا يصنعون وقد أعياه فتح الباب فقال له المرزبان رضي الله عنه: وكان من مرازبة كسرى وقد أسلم وخرج إلى الجهاد وحبس نفسه لله عز وجل وهو المقتول بالبهنسا قريبا من البلد شرقي البحر اليوسفي في وقعة صاحب طنجة ذات الاعمدة وسيأتي ذكر ذلك في موضعه أن شاء الله تعالى فقال المرزبان اننا كنا في بلاد الفرس إذا حاصرنا مدينة ولم نقدر على فتحها أخذنا زيتا وكبريتا ووضعناه في صناديق من خشب وجعلنا لها أعوادا تحملها رجال ورجال يذبون عنهم إلى أن يصلوا إلى الباب أو إلى قريب منه ويجعلون في الصناديق نارا ويولون فتعلق النار في الأبواب ويذوب الحديد فتفتح الأبواب وتعلق النار في الحطب والخشب والحجارة فتهدمها فقال خالد: نفعلها أن شاء الله تعالى فلما أصبحوا فعلوا ذلك وأسرعوا في جمع ما ذكرنا ووضعوه في صناديق وجعلوا في أطرافها أعوادا طوالا من أسفلها وحملتها الرجال وخرج خلفهم الفرسان يقاتلون والمرزبان أمامهم يعلمهم كيف يصنعون وهم مستترون بالدرق والحجف والحجارة والنبال تتساقط عليهم من أعلى السور حتى وصلوا إلى أول باب من أبواب المدينة وهو الباب الشرقي وهو أعظم أبوابها.

  6. فلما قربوا من الباب رفعوا الصناديق على الباب وألقوا النار في الزيت والكبريت ووضعوها وانقلبوا فلم يكن أسرع من لحظة حتى تعلقت النار بحجارة الباب والاخشاب والحديد وثارت النار إلى أعلى السور حتى وصلت إلى البرج فسقط البرج بمن فيه من الروم وهلك منهم جماعة كثيرة وتبادرت المسلمون إلى الباب وملئوا قرب الماء وأطفئوا تلك النار ودخلوا من الباب وقصدوا قصر الملك وكان حصينا على أعمدة من الحجارة المنحوتة وكانوا أغلقوا أبوابه ففعلوا به كما ذكرنا ولما رأى الملعون ذلك لم يطق أن يصبر وأمر بفتح الباب وصاح الامان ومعه جماعة من حشمه وخدمه وبطارقته فعرضوا عليهم الإسلام فابوا فأمر خالد بضرب أعناقهم فمن أسلم تركوه ومن أبى قتلوه واستغاثت بهم السوقة والرعية وقالوا: مغلوبون فمن أسلم تركوه ومن بقى على دينه ضربوا عليه الجزية وهدموا دورا وأماكن حتى صارت تلالا وغنم المسلمون أموالا كثيرة من أواني الذهب والفضة والفرش الفاخرة ووضعوا فيها عبادة بن قيس قيما ومعه ثلثمائة

    ج ٢ ص ٢٤٠من المسلمين وخرجوا بظاهر المدينة ولم يبق إلا من أسلم ومن وضعت عليه الجزية وعمروا بها مسجدا ولما فرغ خالد من ذلك جمع الغنائم وأخرج خمسها وأرسله إلى عمرو بن العاص يرسله إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه في المدينة وأرسل لعمرو بن العاص سهمه ولاصحابه المؤمنين المقيمين بمصر ونواحيها وأقام خالد بعد ذلك باهناس هو وجماعته من الأمراء اربعين يوما واستدعى خالد بعدي بن حاتم الطائي رضي الله عنه وأضاف إليه ميمون بن مهران وضم إليه ألف فارس وأمرهم أن ينازلوا أول بلاد البطليموس لعنه الله وينازلوا أهل الكورة وإذا وصل إلى قيس ابن الحرث يأمره بالمسير إلى قريب البهنسا ويقاتل من يقاتله ويسالم من يسالمه ويصالح من يصالحه حتى يأتيه المدد ثم أرسل في أثره غانم بن عياض الاشعري رضي الله عنه وضم إليه ألف فارس فيهم الفضل بن العباس والمسيب بن نجيبة الفزاري وأبو ذر الغفاري والمرزبان الفارسي وكذلك جعفر ومسلم وعلي وعبد الله بن المقداد وولد خالد سليمان ومحمد بن طلحة وعمرو بن سعد بن أبي وقاص وشرحبيل بن حسنة كاتب وحي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لهم خالد: سيروا حتى تصلوا إلى مدينة البهنسا وأنا في أثركم ما لم يحصل لي ولاصحابي مانع وادعوا القوم إلى الإسلام فإن أجابوكم فلهم ما لنا وعليهم ما علينا ومن أبي فالجزية ومن أبى فالحرب والقتال ونازلوا المدائن وأقرنوا المواكب ولا تسيروا إلا يدا واحدة وفرقوا الكتائب وكونوا قريبين بعضكم من بعض غير متباعدين فإذا وقعت كتيبة منكم بما لا طاقة لها به تبعت النفير وثبتوا هممكم وأخلصوا نياتكم وقووا عزائمكم فإذا وصلتم إلى البهنسا التي هي دار ملكهم ومحل ولايتهم فأرسلوا إلى الملك وادعوه إلى الإسلام فإن اطاع فاتركوه في ملكه وإن أبى فالجزية عن يد وهم صاغرون وإن ابى فالسيف حكم حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين وبلغني أنها مدينة كثير أهلها وإنها كثيرة الخيل وحولها مدائن وبلاد وقرى ورساتيق فمن سالمكم وصالحكم فصالحوه ومن قاتلكم فقاتلوه وعليكم بالحزم واخلاص النية وصدق العزيمة قال الله تعالى في كتابه المكنون: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران:٢٠٠] ثم استدعى بالمغيرة بن شعبة رضي الله عنه وكان معه زياد الاكبر أبو المغيرة جد زياد الذي هو بقرية ديروط بقرب طنبدا وسيأتي ذكر زياد بن المغيرة وأصحابه هناك أن شاء الله تعالى عند وقعة الدير واستدعى بسعيد ابن زيد أحد العشرة رضي الله عنهم وأبان بن عثمان بن عفان وجدد عليهم الوصية وودعهم.

    قال الراوي: وسار عدي بن حاتم الطائي وميمون حتى وصلا ميدوم وما حولها فوجدوا قيس بن الحرث قد صالح أهل تلك الأرض وعقد لهم صلحا وأقرهم بالجزية ما عدا جماعة وكذلك أهل برنشت بعد قتل بطريقهم وكذلك أهل تلك البلاد إلى دهشور

    ج ٢ ص ٢٤١ونادى في ذلك الاقليم بالامان وجبوا له أموالا عظيمة على الصلح والجزية وعبر جماعة من المسلمين إلى البر الشرقي وهم رفاعة بن زهير المحاربي وعقبة بن عامر الجهني وذو الكلاع الحميري وألف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وشنوا الغارات من العقبة التي هي قريب من قبلي حلوان على تلك القرى والبلاد فمن صالحهم صحالحوه ومن أبى قاتلوه حتى وصلوا إلى اطفيح ثم إلى البرنيل وكان هناك بطريق يعرف بصول فخرج إليهم اهلها فصالحوهم على الجزية وعبروا من هناك وسار عدي بن حاتم حتى اجتمع بقيس بن الحرث قريبا من القرية المعروفة بقمن ونزل ميمون هو وجماعته بالقرية المعروفة بالميمون فقال له قيس بن الحرث: لا تنزل هنا حتى يفتح لنا ما حولها من البلاد ويأتي خبر من الأمير خالد بن الوليد ويأذن لنا بما يريد فأجاب الىذلك ونزل عدي بأصحابه بالقرية المعروفة ببني عدي ثم سار وترك ابنه حاتما واخوته وأحاطوا بالقرية وسار قيس واصحابه حتى وصلوا إلى القرية المعروفة بنوس والبلد المعروف بدلاص فخرج إليهم أهلها بعد قتل بطريقهم وصالحوهم وتوسطوا البلاد على ساحل البحر حتى نزلوا ببا الكبرى وغانم بن عياض على أثرهم وكان بها دير عظيم يعرف بدير أبي جرجا وكان له عيد عظيم يجتمعون إليه من سائر البلاد فوافق قدوم الصحابة قريبا من عيدهم فجاءهم رجل من المعاهدين وأعلمهم بذلك فانتدب قيس ابن الحرث رضي الله عنه عنه ومعه جماعة من أصحابه خمسمائة فأمر عليهم رفاعة بن زهير المحاربي وأمرهم أن يشنوا الغارة على الدير قال: وكان جماعة من رؤساء الكورة من الروم والقبط والخيول المسومة حول الدير يحرسونهم وهم في أكلهم وشربهم وزينتهم وبيعهم وشرائهم فما احسوا إلا والخيل على رؤوسهم فما قاتلوا إلا قليلا وانهزموا ونهب أصحابه جميع ما في السوق من أثاث وغيره وساقوا الغنائم وأحاطوا بالدير فقاتلوا من على الدير فقطعوا السلاسل والاقفال وتعلق جماعة من الصحابة على الحيطان ودخلوا الدير واخذوا منه أمتعة وأثاثا وأواني من ذهب وفضة وأسروا مائة اسير وساروا حتى توسطوا البلاد وكان بالقرب من البحر اليوسفي قرى كثيرة وبلدان وكان فيها مدينة تعرف بسحاق وكان بها بطريق من عظماء بطارقة البطليوس فلما بلغه قدوم الصحابة جمع جنوده إلى البلد المعروف بأقفهس والى البلدين المعروفين بشمسطا واليسلقون والى البلد المعروفة بنشابه فلما بلغه قدوم الصحابة جمع الخيل والروم والفلاحين والنصارى ستة آلاف وخرج يكشف بهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيس بن الحرث خرج إليه أهل ببا الكبرى وما حولها من السواد وكذلك أهل هوريت وعقد لهم صلحا وساروا فلما قربوا من القرية المعرفة الآن ببني صالح فبينما هم سائرون إذا بالغبار قد طلع وانكشف عن ستة صلبان تحت كل صليب ألف فلما رآهم المسلمون لم يمهلوهم دون أن حملوا عليهم واقتتلوا قتالا شديدا وثار

  7. الغبار وقدحت حوافر الخيل الشرار والتقى الجمعان واصطدم الفريقان فلله در رفاعة بن زهير المحاربي وعقبة بن عامر الجهنى وعمار بن ياسر العبسي وميسرة بن مسروق العبسي.

    قال الراوي: وقاتلت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قتالا شديدا وصبروا صبر الكرام وكان عدو الله لاوي بن أرمياء صاحب شيزا فارسا شديدا وبطلا صنديدا فجال وصال وقتل الرجال فعندها برز إليه فارس من المسلمين يسمى سنان بن نوفل الدوسي فقتله فخرج إليه عمار بن ياسر العبسي فتجاولا وتعاركا وتضاربا وتطاعنا ووقع بينهما ضربتان وكان السابق بالضربة عمار فطعنه بالرمح في صدره فاطلع السنان يلمع من ظهره فانجدل عدو الله يخور في دمه وعجل الله بروحه إلى النار فعندها غضب الروم لأجل قتل صاحبهم وحملوا على عمار في كبكبة من الخيل فعقروا الجواد من تحته وتكاثروا عليه فقتلوه وقتل من المسلمين خمسة عشر رجلا.

    قال: حدثنا سنان بن نوفل عن مالك عن غانم اليربوعي وكان في خيل رفاعة بن زهير المحاربي قال نحن في القتال وقد عظم النزال ووطنا أنفسنا على الموت ورفاعة يحرض الناس على القتال وهو ينشد ويقول:

    يا معشر الناس والسادات والهمم. ... ويا أهيل الصفا يا معدن الكرم.

    فسددوا العزم لا تبغوا به فشلا. ... ومكنوا الضرب في الهامات والقمم.

    وخلفوا القوم في البيداء مطرحة. ... على الثري خمشا بالذل والنقم.

    قال الواقدي: وجعل يحرضهم ويقول يا معشر السادات والاقيال ابشروا فإن الروم لم تقم لهم أبدا وأبشروا بالحور والولدان في غرفات الحنان وإن الجنة تحت ظلال سيوفكم قال رفاعة فبينما نحن في أشد القتال إذا بغبرة قد لاحت وانقشعت وانكشف الغبار عن ألف فارس في الحديد غواطس عليهم الدروع الداودية وعلى رؤوسهم البيض العادية المجلية معتقلين بالرماح الخطية راكبين الخيول العربية فتأملناهم فإذا هم سليمان بن خالد بن الوليد وعبد الله بن المقداد وعبد الله بن طلحة وأخوه محمد وزياد بن المغيرة والوليد ومحمد بن عتبة ومحمد ابن أبي هريرة وجماعة من الصحابة والأمراء وأبناؤهم رضي الله عنهم وكان غانم بن عياض الاشعري جهزهم طليعة قدامه فلما رأونا كبروا وكبرنا لتكبيرهم وخاضوا في أوساطنا وطلب كل واحد منهم بطريقا من البطارقة فقتله فلما رأت الروم ذلك ولوا الادبار وركبوا إلى الفرار وتبعهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتلون وينهبون ويأسرون إلى بلدة سبزا وما حولها من السواد إلى سلقوس فأسروا منهم نحو خمسمائة أسير وقتل منهم ثلاثة آلاف وهرب الباقون إلى

    ج ٢ ص ٢٤٣القرى والبلاد ولما قتل بطريق شندا خرج إليهم أهلها من النصارى والسوقة وعقدوا معهم صلحا واتفقوا على أداء الجزية وكذا من حولهم من القرى ونزل هناك عمرو بن الزبير وجماعة من المسلمين وسار قيس بن الحرث أمام القوم حتى نزل قريبا من طنبدا والبلد المعروف باسنا وكان بها بطريق يسمى بولياص بن بطرس وكان كافرا لعينا فخرج إلى لقاء المسلمين هو وجماعته ومعه ميرة وعلوفة فكان ذلك مكيدة منه وعقد مع المسلمين صلحا ووافقهم على أداء الجزية عن بلده وعن اسنا وكانت تحت حكمه وارتحل قيس بن الحرث ومن معه وتأخر زياد بن المغيرة ونزل بالقرية المعروفة بدهروط فعقد مع أهلها صلحا ونزل سليمان بن خالد وعبد الله بن المقداد وجماعة قريبا من البلد ومنهم من نزل عند القرية المعروفة بأطينة وصار جماعة يدخلون البلد ليلا ثم يعودون خوفا من المكيدة ولا حذر من قدر الله عز وجل.

    قال الواقدي: وكان المتخلفون خمسمائة فارس فجعلوا يسيرون على جانب البحر ويشنون أي يغيرون على أهل السواد فمن صالحهم صالحوه ومن أسلم تركوه وسار قيس ابن الحرث حتى نزل بالبلد المعروف الآن بالقيس وبه سميت وكان فيها بطريق من بطارقة البطليوس وكان من بني عمه اسمه شكور بن ميخائيل والله أعلم باسمه فدخل أهل السواد كلهم البلد وحاصروها حصارا شديدا نحو شهرين ثم أعانهم الله تعالى وحرقوا بابا من أبوابها ففتحت ودخلوا اليها وكان ذلك بعد وقعة جرت بينهم في مكان يعرف بكوم الانصار فهزموهم هناك وحاصروهم وفتحوا المدينة وقتلوا البطريق ونهبوا الاموال وأخذوا جميع ما فيها بعد أن دعوهم إلى الإسلام فامتنعوا من ذلك ثم شنوا الغارات على ما حولها من البلدان والبلد المعروف بماطي ثم إلى الكفور فخرج إليهم بطريق كان ابن عم المقتول بدهشور لعنه الله وأخوه بطرس وعقدوا مع المسلمين عقدا على الصلح وأعطوا الجزية وسارت العرب إلى البلد المعروف بالدير وسملوط وما حولها من القرى ونزل زهير وجماعة من العرب بالمكان الذي يعرف بزهرة وأما بقية السواد الذي حول البهنسا شرقا وغربا فلما تحققوا مجيء العرب هربوا إلى البهنسا بأموالهم ونسائهم وذراريهم وتركوا البلاد جميعها خرابا وكان البطليوس لعنه الله أرسل إليهم بطارقته فحملوهم إلى البهنسا واستعد للحصار وجمع عنده ما يحتاج إليه مدة الحصار.

    قال الواقدي: هذا ما جرى لهؤلاء وأما عدو الله بولياص صاحب طنبدا فإنه كاتب البطليوس يقول اين ما صالحت العرب إلا مكيدة وإني أريد الغدر بهم فجهز لي جيشا من البطارقة على أن أظفر بجماعة من أبطال المسلمين ونأخذ بثأر من قتل منكم قريبا قال: وكان عدو الله كل يوم تأتيه الاخبار من العرب المتنصرة ومن غيرهم من أهل البلاد

    ج ٢ ص ٢٤٢
  8. والسواد بما جرى للعرب وبأخبار من قتل من البطارقة وأخذ البلاد والاموال فحمل هما عظيما ولم يظهر ذلك لاحد من بطارقته وإنما كان يطيب قلوبهم ويقول بلدنا حصينة وإن قاتلونا قاتلناهم وإن غلبونا دخلنا بلدنا فلو جاءنا أهل الحجاز جيمعهم ما وصلوا الينا ولو أقاموا عشرين سنة والله غالب على أمره وناصر دين الإسلام ومذل الكفرة اللئام فلما بلغ البطليوس مكاتبة عدو الله بولياص فرح بذلك فرحا شديدا قال: واستدعى ببطريق من بطارقته يسمى روماس وضم إليه خمسة آلاف فارس من الروم والنصارى وغيرهم من أهل القرى وأمرهم أن يسيروا تحت ظلام الليل فما جاء نصف الليل حتى وصلوا إلى طنبدا ودخلوا إلى بولياص ففرح بذلك فرحا شديدا واستعدوا للهجمة على المسلمين قال: وأصبح المسلمون وقد صلوا صلاة الصبح وإذا بالخيل قد أقبلت إليهم فنادوا النفير هاجمونا وغدرونا فركب المسلمون خيولهم وساروا إلى قريب الدير وإذا بالروم مقبلين في عشرة آلاف فارس وكان أعداء الله قد كمنوا كمينا قريبا من قناطر كانت هناك ونهر يجري فيه الماء من النيل في أوانه عميق غربي الدير قريب من البلد.

    قال الواقدي: ولما رأى المسلمون لمعان الاسنة والبيض وخفقان الاعلام وبريق الصلبان الذهب والفضة تبادروا إلى خيولهم فركبوا وأعلنوا بالتهليل والتكبير والصلاة على البشير النذير وأقبلوا مسرعين نحوهم ولم يفزعوا من كثرتهم وحرض بعضهم بعضا على القتال وكانوا قد سبقوا إلى شرذمة من المسلمين كانوا نزولا قريبا من الدير ووضعوا فيهم السيف وأحاطوا بهم وجالوا واتسع المجال إلى قريب من دهروط فخرج سليمان بن خالد بن الوليد وعبد الله بن المقداد وعامر بن عقبة بن عامر وشداد بن أوس وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم واشتد القتال وعظم النزال وعميت الابصار وقدحت حوافر الخيل الشرار ولمعت الاسنة وقرعت الاعنة ودهشت الانظار وحارت الافكار وأحاطوا بالمسلمين من كل جانب فلله در سليمان بن خالد بن الوليد وعبد الله بن المقداد لقد قاتلا قتالا شديدا وأبليا بلاء حسنا ولله در زياد بن المغيرة لقد كان يقاتل تارة في الميمنة وتارة في الميسرة وتارة في القلب وأحاط بهم أعداء الله من كل جانب وقد صار المسلمون بينهم كالشامة البيضاء في جلد البعير الاسود وصبروا لهم صبر الكرام وكان أكثر المسلمين قد أثخن بالجراح واشتد الكفار هذا والمسلمون قد انتدبوا أبطالا وجعلوها خلف ظهورهم وقاتلوهم قتالا عظيما هذا وأعداء الله قد أحاطوا بهم وحجزوا بينهم وبين البلد وقاتل سليمان وأصحابه قتالا شديدا ووطنوا أنفسهم على الموت وشجع بعضهم بعضا وصار سليمان بن خالد يقول الله الله الجنة تحت ظلال السيوف والموعد عند حوض النبي صلى الله عليه وسلم وقاتل قتالا شديدا حتى أثخن بالجراح وقتل من المسلمين نحو مائتين وعشرين قريبا من التل الذي هو غرب البلد المذكور وما قتل الواحد منهم حتى قتل من أعداء الله خلقا كثيرا.

    ج ٢ ص ٢٤٥قال الواقدي: ولما رأى المسلمون وسليمان بن خالد ما حل بأصحابه صار تارة يكر في الميسرة وتارة يكر في الميمنة وأعانه بالحملة عبد الله بن المقداد وبقية الصحابة وتقدم سليمان بن خالد وطعن بطريق اسنا طعنة صادقة فأرداه عن جواده وغاص في القلب.

    قال: حدثنا أوس بن شداد عن علقمة بن سنان عن زيد بن رافع قال كنت في الخيل صحبة سليمان بن خالد وقد حجزنا المشركين وتقهقروا من بين أيدينا ولم نشعر أن لهم كمينا إذ خرج الكمين علينا وقاتلناهم قتال الموت وقتل منهم جماعة نحو ألفي فارس وقتل سليمان بن خالد من الصناديد والبطارقة من خيارهم نحو ثلاثين فارسا وكذلك عبد الله بن المقداد فأحاط بسليمان بن خالد رضي الله عنه كردوس نحو الفي فارس وعقروا جواده من تحته فضرب بالسيف فيهم حتى قطعت يده اليمنى فتناول السيف بيده اليسرى فضرب بها حتى قطعت فأحاطوا به فلما تيقن بالقتل التفلت وقال يعز عليك يا خالد بن الوليد ما حل بولدك هذا في رضا الله عز وجل وكان قد طعن في صدره نحو عشرين طعنة حتى قل حيله وسقط إلى الأرض ثم تنفس وقال الساعة نلقي الأحبة ولما رآه عبد الله بن المقداد على ذلك المصرع صاح لا حياة بعدك يا أبا محمد والملتقى في جنات عدن ثم غاص يقاتل فأحاطوا به واشتبكت عليه الاسنة وضرب ضربات كثيرة في وجهه وهو يقطع الرماح ويمسح الدم عن وجهه حتى سقط به الجواد وصاح واشوقاه اليك يا مقداد ثم تبسم وقال مرحبا ثم مات وايقنا كلنا بالموت وإن القيامة هناك وإذا بغبرة قد لاحت وانكشفت عن رايات إسلامية وعصائب محمدية وفي أوائل القوم القعقاع بن عمرو التميمي والمسيب بن نجيبة الفزاري وسمرة بن جندب والفضل بن العباس وزياد بن أبي سفيان وبنو هاشم وبنو عبد المطلب وسادات الأوس والخزرج وغانم بن عياض الاشعري ومن معه من الأمراء والسادات فلم يمهلوهم دون أن حملوا عليهم حملة رجل واحد حتى أجلوهم وقتل البطريق بولياص لعنه الله ومعه بطريق البطليوس وانهزمت الروم واتبعتهم المسلمون يقتلون ويأسرون وينهبون حتى بلغت الهزيمة إلى البحر اليوسفي ورموهم في البحر وغرق منهم جماعة كثيرة وقتل منهم في المعركة نحو أربعة آلاف واسروا نحو الف ومائتي أسير وهرب منهم إلى البطليوس جماعة واختفوا إلى الليل ودخلوا لبطليوس وأعلموه بذلك فضاقت عليه الدنيا وضاق صدره وحار في أمره واستعد للقاء المسلمين.

    ج ٢ ص ٢٤٤
  9. قال الواقدي: هذا ما جرى لهؤلاء وأما أهل طنبدا وأهل اسنا وكانوا لم يخرجوا ولم يقاتلوا فإنهم لما وردت عليهم الاخبار ومعهم البطارقة سألوا بطريقهم القتال وكان

    ج ٢ ص ٢٤٦نصرانيا ولم يكن روميا وكان اسمه لوص وبه سميت البلد فأبى فلما انهزم البطارقة وخرج أهل طنبدا وأهل اسنا من السوقة والرعية وأولادهم وغيرهم وبكوا في وجوههم وقالوا: نحن قوم رعية وكنا مغلوبين على أمرنا فانا أهل ذمتكم ورعيتكم قالوا: بشرط أن تدلونا على من هربوا اليكم فأجابوهم إلى ذلك وصاروا يأخذون المسلمين ويدخلون الدور والمساكن ويقبضون على الروم ويسلمونهم إلى المسلمين وكان النصراني يقبض على الرومي ويأتي به إلى المسلمين حتى قبضوا من طنبدا واسنا نحو من ألف وخمسمائة رجل من المطأمير والابيار التي كانوا يحبسون فيها الاسارى من المسلمين وغيرهم ولما اجتمعت الاسارى من الروم والنصارى أمر غانم بن عياض بضرب رقابهم على تل هناك يعرف بالكوم ورجعت المسلمون إلى مكان المعركة فلما عاينوا القتلى ورأوا سليمان بن خالد وعبد الله بن المقداد وعبيدين الداري بكوا عليهم وعلى من قتل معهم من الأمراء رضي الله عنهم وحزنوا عليهم حزنا شديدا وأنشد عمار بن ياسر ينعي سليمان بن خالد وعبد الله بن المقداد ومن معهما بقوله:

    يا عين أذري الدمع منك الصبيب. ... ثم اندبي يا عين فقد الحبيب.

    وانعي لمقتول غدا في الفلا. ... مجندلا وسط الفيافي غريب.

    وابكي سليمان ولا تغفلي. ... فأمره والله أمر عجيب.

    قد كان لا يفكر كل العدا. ... أن سل من غمد لسيف قضيب.

    وتحذر الاعداء من بأسه. ... لو أنهم أعداء رمل الكثيب.

    فيا حمام الأيك نوحي إذا. ... على فتى قد كان غصنا رطيب.

    وأعلمي بما جرى خالدا. ... لعله يبكي بدمع صبيب.

    وأخبري المقداد من بعده. ... بأن عبد الله أضحى سليب.

    بل واندبي الاخيار من بعدهم. ... وكل قرم للمعالي مصيب.

    لا يلتقي البطليوس خيرا ولا. ... أجناده أبناء أهل الصليب.

    قد كمنوا جيشا لنا عامدا. ... يوم الوغى من كل كلب مريب.

    وحق من أعطى لنا نصره. ... في كل واد ثم فتحا قريب.

    لنأخذن الثأر من جمعهم. ... جهرا ونطفي من فؤاد لهيب.

    قال الواقدي: وإن غانما رضي الله عنه جمع الشهداء ودفنهم في ثيابهم ودروعهم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "يحشر الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله يوم القيامة وجراحاتهم تقطر دماء اللون لون الدم والريح ريح المسك" .

    ج ٢ ص ٢٤٧قال الواقدي: وأقام غانم رضي الله عنه بعد أن دفن الشهداء قريبا من التل والأمراء يشنون الغارات على السواحل وعدى بن جابر بن عبد الله الانصاري وأبو أيوب والمسيب بن نجيبة الفزاري في ألف فارس فأغاروا على أهل شرونة فخرج إليهم بطريق يعرف بصندراس الجاهل وبطريق أهريست في خمسة آلاف فارس واقتتلوا قتالا شديدا عند سفح الجبل فبلغ الخبر غانم بن عياض الاشعري فأرسل إليهم كتيبة أخرى صحبة بن المنذر والفضل بن العباس والمرزبان في ألف فارس فلما رأى الروم ذلك وقع الرعب في قلوبهم وكان بينهم حروب عظيمة ثم أن الفضل بن العباس قصد البطريق الجاهل وضربه ضربة هاشمية على رأسه فقطع الخودة والبيضة والرفادة إلى أن سمع خشخشة السيف في أضراسه فكبر وكبرت المسلمون لتكبيره فسقط عدو الله يخور في دمه وعجل الله بروحه إلى النار وبئس القرار وكان الفضل بن العباس فارسا شديدا وبطلا صنديدا فغاص في وسط المشركين وفتك فيهم والمرزبان حمل على بطريق شرونة فقتله وحمل ابن المنذر على بطريق أهريت فقتله فلما رأى الروم ذلك ولوا الادبار وركنوا إلى الفرار وتبعتهم المسلمون يقتلون ويأسرون ينهبون إلى المكان المعروف بالدير وأهريت وغرق منهم خلق كثير وقتل منهم ألف وخمسمائة فارس وأسر منهم ألف وخمسمائة وتحصن منهم جماعة من الروم والنصارى في مدينة الجاهل وكانت حصينة فحاصرها المسلمون سبعة ايام وحرقوا الأبواب وهدموا الجدران وأخرجوهم من البيوت وأخرجوا تلك المدينة إلى يومنا وخرج إلى المسلمين نصارى من شرونة وأهرينت وعقدوا مع المسلمين صلحا وأعطوا الجزية وأنزلوا مرة الكلبى في مائتين من أصحابه وغيرهم وابن عمرو بن العاص في المكان المعروف ببناء خالد في مائتي فارس وعبر المسلمين البحر ونزل عامر بالعرب في مائتي فارس قريبا من طنبدا واسنا وببا القرية وارتحل غانم بن عياض رضي الله عنه ببقية الجيش ولما تكاملت المسلمون أرسل بين يديه المسيب بن نجيبة الفزاري والعباس بن مرداس السلمي والفضل بن العباس الهاشمي وعامر بن عقبة الجهني وزياد بن أبي سفيان بن الحرث في ألف وخمسمائة فارس فساروا إلى مكان يعرف بالجرنوس وكان هناك قلعة مرج للملك البطليوس وكان في زمن الربيع ينزل هناك بالخيام والمضارب حول القلعة وتجتمع عنده البطارقة ويقيم أشهرا ثم ينزل على الاقليم ثم يعود إلى البهنسا.

    قال الواقدي: وأرسل لوص إلى البطليوس يطلب منه جيشا صحبته بطريق من بطارقته فأرسل إليه بطريقا كافرا لعينا اسمه شلقم وبه سميت البلد التي هي قريب من البهنسا وكان الجيش عشرة آلاف فارس والله أعلم.

  10. قال: حدثنا مسلم بن سالم اليربوعي عن شداد بن مازن عن طارق بن هلال أنه كان في خيل العباس بن مرداس السلمي قال بينما نحن نسير إذ راينا غبرة قد ثارت وكان ذلك وقت الضحى فتأملناها فانكشف عن عشرة أعلام وعشرة صلبان من الذهب الأحمر كل صليب يلمع كأنه كوكب فتأهبنا للحملة وتأهبوا لنا فلم يمهلونا دون أن حملوا علينا وحملنا عليهم وأحاطوا بنا وقاتلت الروم قتالا شديدا ورطنوا بلغتهم وأعلنوا بكلمة كفرهم وصبرنا لهم صبر الكرام وقاتلنا قتال الموت فلله در غانم بن عقبة والمسيب بن نجيبة الفزاري والفضل بن أبي سفيان لقد قاتلوا قتالا شديدا وعصب الفضل رأسه بعصابة حمراء وكذلك فعل زياد بن أبي سفيان بن الحرث كما كان يصنع عمهما حمزة وقاتلا قتال الموت فلم تكن إلا ساعة وقد قوي الحرب والقتال حتى أشرف علينا الأمير غانم بن عياض الاشعري مع بقية الجيش فقوي قلبنا وكبرنا فأجابونا بالتهليل والتكبير فتقدم الفضل بن العباس إلى بطريق شلقم وكان فارسا شديدا وعليه ديباجة مفصصة بالذهب وفي وسطه منطقة بالذهب مرصعة بالجواهر وقد عصب رأسه بعصابة من الجواهر وبيده عمود من الذهب طوله ثلاثة أشبار وأزيد وهو تارة يضرب بالسيف وتارة يضرب بالعمود فلما رآه الفضل ظن أنه يريده فحمل عليه الفضل وهو ينشد ويقول:

    يا أيها الكلب اللعين الطاغيا. ... ومن أتى لجيشنا معاديا.

    أبشر لقد وافاك ليث ضاريا. ... بحد سيف في عداه ماضيا.

    كان له الرب العظيم واقيا. ... من كل كلب إذ يكون طاغيا.

    ج ٢ ص ٢٤٨
  11. قال فلم يفهم ما يقول الفضل وحمل عليه وتعاركا وتجاولا وضرب الفضل رضي الله عنه فحاد عنها وعطف عليه وانتزع العمود من يده وضربه ضربة هاشمية قرشية أبان بها رأسه عن بدنه ونظر إليه لم يسقط فعاد عليه وهو جثة بلا رأس فتلقاه فارس من المسلمين اسمه زهير فوجده مكلبا بكلاليب في سرجه فنزع الكلاليب فسقط عدو الله كالطود بعد أن تضمخ تاجه ومنطقته دماء فقال له الفضل: أن السلب لي فخذه لك فقد وهبتك إياه فقال: لا أعدمنا الله مكاركم يا بني هاشم وعطف على لوص فقتله وقتل كل أمير بطريقا غيره وحملت المسلمون حملة رجل واحد فبددوا شملهم فولوا منهزمين بين أيديهم واتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون وينهبون إلى أن وصلوا إلى البحر اليوسفي وألقوهم في مكان قريب من شاقولة فسميت القرية بذلك وتحصنت جماعة بقلعة المرج فأحاط بها المسلمون وحرقوا الأبواب وهدموا الجدران وأستخرجوا ما هناك وقتلوا من الروم مقتلة غظيمة نحوا من ثلاثة آلاف وأسروا نحوا من ألف وقتل من المسلمين ثمانية وأربعون رجلا من أعيانهم سيف الانصاري رضي الله عنهم أجمعين ودفن هو وأصحابه

    ج ٢ ص ٢٤٩بمكان الوقعة وكان زياد بن المغيرة وجماعته نزولا في أماكنهم قريبا من طنبدا كما ذكرنا حول البلد المعروف بدهروط وكان زياد صديقا للأمير سليمان بن خالد بن الوليد فكتب كتابا للأمير خالد بن الوليد يعزيه في ولده سليمان ويقول:

    يا خالد أن هذا الدهر فجعنا. ... في سيد كان يوم الحرب مقداما.

    مجندل الفرس في الهيجا إذا اجتمعت. ... وللصناديد يوم الحرب خصاما.

    لا يملك الضد من أبطالنا أملا. ... أن حاز ساعده القصاص صمصاما.

    يا طول ما هزم الاعدا بصارمه. ... أنالهم منه تنكيسا وارغاما.

    كأنه الليث وسط الغاب إذ وردت. ... له العدا وعلى الاشبال قد حامى.

    يا عين جودي بفيض الدمع منك دما. ... بل واندبي فارسا قد كان ضرغاما.

    والسيد الفرد عبد الله قد حكمت. ... به المنايا وحكم الله قد داما.

    نحم الفتى العلم المقداد خير فتى. ... قد كان في ملتقى الاعداء هجاما.

    قال الواقدي: فلما وصل الكتاب إلى خالد بن الوليد كان قريبا من الدير ببقية الجيش وهو ينفذ السرايا وأهل البلاد يأتونه بما صالحوه عليه من المال وغيره وقد جهز عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وعبد الله بن عمر بن الخطاب وعقبة بن نافع الفهري والزبير رضي الله عنهم بألف فارس إلى الفيوم وسيأتي ذكر ذلك في موضعه أن شاء الله تعالى فلما ورد الكتاب على خالد سقط إلى الأرض وخر مغشيا عليه ثم أفاق واسترجع وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: ١٥٦] ثم قال: اللهم أني احتسبت سليمان اليك اللهم اجعله فرطا وذخرا وأعقبني عليه صبرا وأعظم لي بذلك أجرا ولا تحرمني الثواب برحمتك يا أرحم الراحمين ثم قال: والله لآخذن فيه ألف سيد من ساداتهم ولأقطعن ساداتهم وفرسانهم وانني أرجو أن آخذ بثأره إن شاء الله تعالى ولأقتلن البطليوس شر قتلة لعلي أشفي بذلك غليل صدري وحرارة كبدي وليكونن على يدي خراب دياره وانهزام جيوشه وزوال ملكه وهطلت مدامعه على وجنته أحر من الجمر ثم جعل يسترجع ويقول:

    جرى مدمعي فوق المحاجر منهمل. ... وحر فؤادي من جوى البين يشتعل.

    وهام فؤادي حين أخبرت نعيه. ... فليت بشير البين لا كان قد وصل.

    لقد ذوب الاحشاء وأجرى مدامعي. ... صبيبا وعن نار الفؤاد فلا تسل.

    سأبكي عليه كلما أقبل المسا. ... وما ابتسم الصبح المنبر وما استهل.

    ج ٢ ص ٢٥٠وكان كريم العم والخال سيدا. ... إذا قام سوق الحرب لا يعرف الوجل.

    أحاطت به خيل اللئام بأسرهم. ... وقد مكنوا منه المهند والأسل.

    وعيشك تلقاهم صراعا على الثرى. ... عليهم يسوق الوحش والطير محتفل.

    فوا أسفا لو أنني كنت حاضرا. ... بأبيض ماضي الحد في الحرب مكتمل.

    وحق الذي حجت قريش لبيته. ... وأرسل طه المصطفى غاية الأمل.

    لأقتل منهم في الوغى ألف سيد. ... إذا سلم الرحمن واتسع الأجل.

    قال الواقدي: وأقبلت الأمراء يعزون خالدا ومدامعهم تفيض من عيونهم ويقولن أعظم الله لك أجرا وأعقبك عليه صبرا وجعله لك غدا في المعاد ذخرا والله لقد عدمنا القوى وقد أبيد القلب من حشاشتنا واكتوى ونحن لقتله ذاهلون: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: ١٥٦] وكذلك يعزون المقداد في ولده عبد الله وبلغ الخبر عمرو بن العاص بمصر وهو مقيم بها فكتب لهما كتابا بالتعزية وبلغ الخبر المدينة لعمر بن الخطاب فاسترجع هو وبقية الصحابة مثل علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله ومن كان حاضرا من الصحابة بالمدينة الطيبة رضي الله عنهم وكتبوا إلى خالد والمقداد كتابا يعزونهما فلما وصل الكتاب إلى خالد والمقداد اطمأنا لما عليهما من الصبر وما لهما من الاجر والثواب.

    قال الواقدي: هذا ما جرى لهؤلاء وأما البطليوس لعنه الله فإنه لما تحقق مجيء العرب إلى مدينة البهنسا فتح خزائن الاموال وفرق المال والسلاح والعدة من الملبوس والدروع وغير ذلك وفرق على البطارقة وعلى غيرهم من الجند وكان هناك بيت مقفل كما ذكرنا فيه صفة العرب وأسماؤهم فأمر بفتحه وهو يظن أن فيه مالا مدخرا فمنعه القسوس والرهبان من ذلك فأبى ففتحه فلم يجد فيه إلا صفة العرب وأسماءهم كما ذكرنا أول الكتاب فنظر لذلك ودخل الكنيسة وجلس على سريره وجمع حوله البطارقة فاستشارهم في أمره فقام شيخ كبير راهب وكان مطاعا عنده مسموع الكلام كبير السن وكان عمره مائة وعشرين سنة فقام وعليه جبة سوداء وعلى رأسه قلنسوة وفي يده عكازه من الآبنوس ملبسة بالعاج والذهب فقرب من الهيكل وتكلم بكلام لا يفهم ثم قال بعد ذلك يا أهل دين النصرانية وبني ماء المعمودية قد كانت دولتكم قائمة وكلمتكم مسموعة ما دمتم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتعدلون في الرعية وتأخذون للمظلوم من الظالم وتنصفون الضعيف من القوي وتواسون الفقير ولا تمدون أيديكم إلى شيء من أموال الناس وتهابون الزنا وكانت الدولة لكم وقلوب الرعية منجذبة إليكم وداعية لكم وكان الملك فيكم ولما لم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر وظلمتم الرعية وجرتم في الاحكام وحكمتم بغير الحق ولا تأخذون للضعيف حقه من

  12. القوي ومددتم أيديكم إلى أموال الرعية وفشت فيكم المعاصي فتغيرت قلوب الرعية ومدوا ايديهم بالدعاء عليكم ودعاء المظلوم مستجاب وكثرة الظلم خراب فيوشك أن تنزع هذه النعمة من أيديكم وتعود إلى غيركم بكثرة ذنوبكم وشؤم معاصيكم وبدعاء المظلومين عليكم فلأجل ذلك سلطت عليكم العرب فملكوا بلادكم وقتلوا رجالكم ونهبوا أموالكم وسكنوا منازلكم واستولوا على معاقلكم فتيقظوا من غفلتكم وذبوا عن حريمكم وأموالكم ولا تمكنوا العرب من جانبكم وهذه مقالتي لكم جميعا فلما سمع البطليوس لعنه الله كلام القس وما تكلم به التفت إلى بطارقته وجماعته ونوابه وقال هل سمعتم ما قال أبوكم.

    قالوا: سمعنا قال فما عندكم من الرأي قالوا: نحن معك وبين يديك ونقاتل العرب ولا نطمعهم فينا كما طمعوا في غيرنا وإن غلبونا استعددنا للحصار وعندنا من الميرة والعلوفة ما يكفينا عشر سنين وأزيد وبلدنا حصين ولا نسلم أنفسنا وإلا يكون علينا عارا عند الملوك قال فشكرهم البطليوس على ذلك ووثب قس اخر وكان يناظر ذلك القس في المعرفة واستخرج كتابا معلقا كان عنده في صندوق من الآبنوس مقفل باقفال من الفولاذ وقال: يا أهل دين النصرانية وبني ماء المعمودية اسمعوا ما نعته لكم العلماء والكهان والحكماء أنه يبعث نبي في آخر الزمان يسمى محمد بن عبد الله من بني عدنان يموت ابوه وأمه ويكفله جده وعمه يبعثه الله نبيا إلى جميع البشر مولده بمكة ودار هجرته طيبة ثم يقيم اعواما ويتوفاه الله تعالى ثم يتولى الأمر من بعده رجل يسمى أبا بكر وتزداد العرب به فخرا ويجهز العساكر إلى الشام ثم لم يلبث إلا أياما قلائل ويتوفاه الله تعالى ويتولى الامر من بعده الرجل الاصلع الاحور المسمى بعمر وهو صاحب الفتوح ومصبح الاعداء بأشأم صبوح تفتح على يديه الامصار وبيعث سراياه إلى سائر الاقطار وانا نجد في الكتب القديمة أن هذه المدينة تفتح على يد رجل أسمر شجاع غضنفر فارس شديد وبطل صنديد يسمى خالد بن الوليد فإن سمعتم قولي وقبلتم فاعقدوا مع العرب صلحا فإن الدولة لهم ودينهم الحق ولو قاتلهم أهل المشرق والمغرب غلبوهم ببركة الله وببركة نبيهم محمد.

    ج ٢ ص ٢٥١
  13. قال فلما سمع البطارقة كلامه غضبوا غضبا شديدا وأرادوا قتله فمنعهم البطليوس من ذلك وقال له: كأنك خفت من سيوف العرب وأنا أعلم أن الرهبان والقسوس لا قلوب لهم لانهم ليس لهم أكل إلا العدس والزيت والليمون والاشياء الرديئة ولا يعرفون اللحم فلأجل ذلك ضعفت قلوبهم فلولا مقامك من قديم الزمان ورؤيتك للملوك القدماء لبطشت بك ولئن عدت إلى مقالتك هذه لأقتلنك شر قتلة قال فسكت القس الراهب وخرج البطليوس من وقته وساعته وجلس في قصره ذي الاعمدة ثم استدعى ببطارقته وخلع عليهم ورفع لهم الاعلام والصلبان وعرض عليه جيشه فإذا هم ثمانون ألفا غير السوقة المشاة فسر بذلك سرورا عظيما ثم استدعى ببطريق من بطارقته

    ج ٢ ص ٢٥٢وخلع عليهم ورفع لهم الأعلام والصلبان وعرض عليه فإذا هم ألفاً غير السوقة والمشاة فسر بذلك سروراً عظيماً. ثم استدعى ببطريق من بطارقتته يدعى قابيل وكان لا يقطع أمرا دونه فخلع عليه ودفع له الثمانين ألفا وأمره بملاقاة العرب ثم استشار خواص مملكته في الاقامة في البلد أو الخروج إلى ظاهرها فقال له ذوو الرأي من بطارقته: أيها الملك إنك إذا أقمت في البلد استضعفوا رأينا وأمرنا وإذا كنت بجانب المدينة لا تجد العرب أن تصل الينا ونجعل البلد خلف ظهرنا ونقاتل من خارج الأبواب ويساعدنا من فوق الابراج فإذا عظم الامر فلا ندخل المدينة إلا من أمر عظيم فاستصوب رأيهم ثم إنه أمر الفراشين أن يخرجوا الخيام والسرادقات والقباب بظاهر المدينة وأخرجوا له سرادقا عظيما سعته سبعون ذراعا وارتفاعه مثل ذلك على أعمدة من الخشب المصفح بالذهب والفضة وهو من الحرير الملون الازرق والأحمر والاخضر والابيض والاصفر والاسود ومقضب بقضبان الذهب والفضة مرصع باللؤلؤ وفيه تصاوير من داخله ومن خارجه من جميع أجناس الطير والوحوش والكواكب وفرش فيه من الفرش وبسط الحرير الملون ووضع فيه المساند والوسائد والانطاع وأطناب السرادقات حرير ملون بأوتاد من عاج وآبنوس في حلق من ذهب وفضة وعلق فيه قناديل وسلاسل من ذهب وفضة ووضع فيه سريرا من خشب الساج المنقوش المصفح بالذهب الوهاج على قوائم بزمامين من ذهب وفضة طوله سبعة أذرع وعرضه مثل ذلك وارتفاعه مثل ذلك يصعد إليه بدرج من خشب مصفح بصفائح من ذهب وفضة وعليه فرش من حرير ووسائد ومساند ونمارق وحوله ثمانين كرسيا مصفحة بالخشب الآبنوس يجلس عليها أرباب الدولة وأصحاب الصولة وضرب حوله من الخيام والسرادقات ما لا يوصف له عد.

    قال الراوي: حدثنا جماعة من الصحابة ممن شهد الفتح وعاين السرادقات أنه لما هرب الملعون ودخل المدينة وكان السرادق منصوبا مقابل الباب البحري المعروف بباب قندوس أمر بطريقا من بطارقته أسمه سمعان أن ينصب سرادقه الذي وهبه له عند باب توما وهو الباب القبلي وأمر بطريقا اسمه اصطافين أن ينزل في الجانب الشرقي قريبا من القناطر على ساباط معقود على أعمدة من الحجارة فأمره أن ينزل ومعه عشرة آلاف فارس حول القلعة قال هبار بن أبي سفيان أو سلمة بن هاشم المخزومي ما نزلنا على مدينة من مدائن الشام ولا رأينا أكثر عددا ولا أكثر زينة من مدينة البهنسا ولا أقوى قلوبا منهم وأكثروا من الصلبان ونصبوا السرادقات والمنجنيقات على الاسوار وأسبلوا على الاسوار جلود الفيلة المصفحة بصفائح الفولاذ ورتبوا الرماة والمجانيق والسهام وغير ذلك.

    ج ٢ ص ٢٥٣قال الراوي: هذا ما جرى لهؤلاء وأما الأمير عياض بن غانم الاشعري رضي الله عنه فإنه لما قرب من البهنسا استشار أصحابه مثل أبي ذر الغفاري وأبي هريرة الدوسي ومعاذ بن جبل وسلمة بن هاشم المخزومي ومالك الاشتر النخعي وذي الكلاع الحميري رضي الله عنهم ومعهم ألفان من أصحابهم وأمرهم بالنزول في الجهة الشرقية وقال لهم: أن قاتلوكم قاتلوهم ونازلوا القلعة حتى تأخذوها وعبر الأمير عياض من الجهة البحرية ومعه أصحاب الرايات والأمراء والطليعة من هؤلاء السادات وهم الفضل بن العباس وأخوه عبيد الله بن العباس وشقران وصهيب ومسلم وجعفر وعلى أولاد عقيل بن أبي طالب وعبد الله بن جعفر وزياد بن أبي سفيان وتتابعت خلفهم السادات وأصحاب المروءات مثل نعيم بن هاشم بن العاص وهبار بن أبي سفيان وعبد الله بن عمرو الدوسي وسعيد بن زبير الدوسي وحسان بن نصر الطائي وجرير بن نعيم الحيري وسالم بن فرقد اليربوعي وسيف بن أسلم الطائفي ومعمر بن خويلدة السبكي وسنان بن أوس الانصاري ومخلد بن عون الكندي وابن زيد الخيل ومثل هؤلاء السادات اصحاب الرايات رضي الله عنهم وتتابعت الكتائب يتلو بعضها بعضا وعبروا إلى الجانب الغربي فبينما هم سائرون وإذا بعدو الله قابيل قد أقبل بالبطارقة المتقدم ذكرهم فلما التقى الجمعان عند سفح الجبل تحت المغارة اشار إلى أصحابه فأمسكوا عن المسير وتقدم إلى رابية عالية والى جانبه رجل من العرب المتنصرة وأمره بأن ينادي برفيع صوته قربوا إلى البطريق رجلا منكم ذا خبرة بكلمة فوثب إليه جرير الحيري وأتى إلى عياض وقال: أيها الأمير أتأذن لي أن أكلمه قال: نعم أن طلبوا الصلح ورفعوا القتال صالحناهم حتى يحضر الأمير خالد بن الوليد ويفعل أمره وإن أرادوا القتال قاتلناهم واستعنا بالله تعالى عليهم وهو حسبنا ونعم الوكيل.

  14. قال الراوي: فعندها سار حتى وقف بازاء البطريق وقال له: سل حاجتك فقال له: أأنت أمير القوم قال: لا ولكني متكلم عن الأمير فقال له: لم تركتم بلاد الشام والنعم العظام وأتيتم إلى هذه البلاد وكنتم في بلاد الحجاز تقاسون جوعا وعريا فذقتم فواكه الشام وثمار الحجاز وخيرات اليمن فلم يكفكم ذلك حتى أتيتم إلى مصر وقهرتم القبط وأتيتم إلى بلاد الفرس وقهرتم ملوكها ولم تكتفوا حتى أتيتم الينا وهجمتم علينا في بلادنا وقتلتم ابطالنا ونهبتم أموالنا ونحن نتغافل عنكم ونهمل أمركم حتى غلظت شوكتكم وقصدتم مدينتنا التي هي دار ملكنا ومحل ولايتنا ولقد طلبها من قبلكم من الفراعنه والجبابرة والقبط والقياصرة والاكاسرة والجرامقة ورجعوا خائبين وأنتم هجمتم علينا وقتلتم رجالنا فقولوا لنا ما الذي تريدون منا فإن كنتم تريدون مالا وترجعون عنا قمت أنا عن الملك بذلك وترحلون عنا وتردون لنا ما ملكتم من بلادنا وإن الملك لا

    ج ٢ ص ٢٥٤يخالف لي أمرا فاخبروني ما الذي تريدون وما الذي تطلبون فقال له جرير: أفرغت من كلامك فقال له: نعم قال له جرير: خذ جوابك أما قولك كنا في ضيق حال فهو كما ذكرت ولكن أنعم الله علينا بالإسلام وهو أول نعمة أمرنا بالجهاد وإن الله تعالى أباح لنا أموال المشركين ما داموا محاربين وأمرنا أن نجاهدكم حتى تؤدوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون أو تسلموا أو تقاتلوا: {حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} [يونس: ١٠٩] وأما قولك المال فليس هو غرضنا ولا متاع الدنيا شهواتنا وإن بلادكم عن قريب تكون لنا وأموالكم غنيمة لنا نتقاسمها.

    قال الواقدي: فلما سمع البطريق الكلام غضب غضبا شديدا وقال أنا كفء لكم دون الملك ثم أمر أصحابه بالحملة على جرير قال فما لويت عنان جوادي إلا والخيل قد ركبتني فعندها تواثب المسلمون واقتتلوا قتالا شديدا وتبادرت الرجال وزمجرت الابطال وزحفت الافيال وتراشقوا بالنبال وتضاربوا بالنصال وتطاعنوا بالعوال والتقى الجمعان واصطدم الفريقان واشتد النزال وكثرت الاهوال وتقاتلت الفرسان وولى الجبان حيران فلله در المغيرة بن شعبة وعون بن ساعدة وعبادة بن تميم والفضل بن العباس رضي الله عنه لقد قاتلوا قتالا شديدا وأبلوا بلاء حسنا ولم يزل القتال يشتد من ارتفاع الشمس إلى الغروب فعندها وثب عبد الله بن جعفر إلى قابيل وضربه ضربة فحاد عنها عدو الله وولى هاربا وحمته جماعة نحو ثلثمائة فارس ولم يزل الفريقان في قتال ونزال إلى أن غابت الشمس وافترق الجمعان وقد قتل من المسلمين نحو خمسين رجلا ختم الله لهم بالشهادة وقتل من الروم نحو ألفي فارس قال: واجتمعت الروم حول قابيل حين ولى هاربا إلى أن وصل إلى البطليوس فلما رآهم وبخهم وقال لهم: بأي وجه تفرون من العرب ولم تصبروا لهم وقد فشلتم وجزعتم فقال له قابيل: أيها الملك ليس الخبر كالعيان وهؤلاء ليسوا بأنس وإنما هم جن في القتال ولولا الاجل حصين ما عدت اليك فغضب الملك وقال اسكت قد تمكن رعب العرب من قلبك وستنظر ما يكون من أمرهم ثم بات في قلق شديد حتى أصبح الصبح ولم يأمر قومه بالركوب وقال امهلوا حتى أنظر ما يكون من أمرهم.