في ثناء الناس عليه

٦ فقرات، ج ١ ص ١٨٨

  1. قال الشافعي رضي الله عنه: ما في الأرض كتاب من العلم أكثر صواباً من موطأ مالك بن أنس١.

    ج ١ ص ١٨٨
  2. أول كتاب صنف في الإسلام كتاب ابن جريج في التفسير، وهو عبد الملك بن عبد العزيز٢، ثم كتاب معمر بن راشد الصنعاني إمام أهل اليمن، أصله بصري يكنى أبا عروة، ثم موطأ مالك بن أنس الأصبحي إمام دار الهجرة يكنى أبا عبد الله صنف في الفقه والسنة وبوَّب.

    قال الشافعي: ليس في الأرض كتاب بعد القرآن أصح من موطأ مالك٣.

  3. وقرأه عليه الشافعي حفظا، وصار الموطأ لتواطؤ أهل الحرمين على صحته، ثم تصنيف السفيانين ابن عيينة بمكة والثوري بالكوفة، ثم صنف بعد ذلك صاحبا مالك بن أنس، عبد الله بن المبارك بالمشرق، وعبد الله بن وهب بالمغرب، فأكثرا وأحسنا.

  4. قيل: لما حج الرشيد دخل المدينة فقيل له] /١١٧ب [: قد صنف مالك بن أنس كتابا في الشرائع والآثار، فأنفذ إليه يستحضره الكتاب، فقال مالك: هذا كتاب قد جمعت فيه السنن والآثار ثم يسومني حمله إليه، لا فعلت ذلك. فقيل له: إنه جبار ولا نأمنه عليك. قال: فإذا أذل نفسي ولا أذل علمي، فقام إليه، فقال: يا أمير المؤمنين حدثني نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "العلم يؤتى ولا يأتي" ١، ونزل عليه جبريل وعنده ابن أم مكتوم، بقوله تعالى: {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ٢فرأى الكآبة في ابن أم مكتوم، وعرج ثم هبط في أسرع من طرفة عين بقوله تعالى: {غَيْرُ أُولِي الضَّرَر} ِ٣فهذا جبريل قطع هذه المسافة لهذا الحرف، وأنت تسومني أن أحمل كتابا جمعت فيه سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم والآثار؟ ! فقال: لا يا أبا عبد الله، بل نأتيك في بيتك فنسمعه منك.

    ج ١ ص ١٨٩
  5. وأمر أن تسرج الدواب فقال: يا أمير المؤمنين حدثني نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع" ٤

    ج ١ ص ١٩٠أفتؤثر ظهور الدواب على أجنحة الملائكة؟ ! فقال: لا يا أبا عبد الله بل نمشي معك مشيا، وقام فسايره إلى داره، وجلس على السرير، وقال: هات يا أبا عبد الله. فقال: يا أمير المؤمنين حدثني نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن العالم إذا اختص بعلمه الخاص دون العام، لم ينتفع بعلمه الخاص ولا العام" ١ فتأذن بإقامة النداء بحضور الناس لسماعه معك، فأمر بإقامة النداء من أحب أن يستمع كتاب مالك ابن أنس مع أمير المؤمنين فليحضر، فلما حضر الناس قال: هات يا أبا عبد الله. فقال: يا أمير المؤمنين حدثني نافع عن ابن عمر أن رسول الله /١١٨] أ [صلى الله عليه وسلم قال: "من تواضع للعلم رفعه الله" ٢وإني أشتهي أن تستوي مع الناس. فنزل عن السرير واستوى معهم ثم قرأ الكتاب عليهم، فلما فرغ قال: إني أعلق هذا الكتاب على أستار الكعبة، وأنادي من حاد عنه جلدته جلد المفتري. فقال: يا أمير المؤمنين إني قد قلت فيه برأيي واجتهدت، ولا أبريء نفسي من الخطأ والغلط، فدع الناس واجتهادهم. فقال: بماذا سميته؟ قال: بل

    ج ١ ص ١٩١أنت أولى به. فقال: أسميه بفعل أمير المؤمنين وتوطيته للخلق، هو كتاب الموطأ توطأت فيه للعلم والرعايا١.

  6. جاء رجل إلى المزني فسأله عن شيء من الكلام فقال: إني أكره هذا، بل أنهى عنه كما نهى عنه الشافعي، لقد سمعت الشافعي رضي الله عنه يقول: سئل مالك عن الكلام والتوحيد فقال مالك: محال أن يظن بالنبي صلى الله عليه وسلم أنه علَّم أمته الاستنجاء ولم يعلمهم التوحيد، التوحيد ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" ٢، فما عُصم به المال والدم حقيقة التوحيد"٣.

    قال أبو المعافي بن أبي رافع المزني رحمه الله:

    ألا إن فقد الحلم في فقد مالك ... ولا زال فينا صالح الحال مالك

    يقيم طريق الحق والحق واضح ... ويهدي كما تهدي النجوم الشوابك

    فلولاه ما قامت حقوق كثيرة ... ولولاه لانسدت علينا المسالك

    عشونا إليه نبتغي فضل رأيه ... وقد لزم الغي اللجوج المماحك

    فجاء برأي مثله يقتدي به ... كنظم جمان زينتها السبائك٤

    ج ١ ص ١٩٢وكتب إلي الشيخ الإمام أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي على يد والدي رحمه الله من بغداد /١١٨] ب [لنفسه:

    إذا قيل من نجم الحديث وأهله ... أشار ذوو الألباب يعنون مالكا

    إليه تناهى علم دين محمد ... فوطأ فيه للرواة المسالكا

    ونظم بالتصنيف أشتات نثره ... وأوضح ما قد كان لولاه حالكا

    ووقت درس العلم شرقا ومغربا ... تقدم في تلك المسالك سالكا

    وقد جاء في الآثار من ذلك شاهد ... على أنه في العلم خص بذلكا

    فمن كان ذا طعن على علم مالك ... ولم يقتبس من نوره كان هالكاً

    وأنشد أبو الحسن عمران بن موسى المغربي الطولقي لنفسه من قصيدة:

    حتى إذا ختموا منها بعالمها ... أضاء للعلم نجم غير منكدر

    بمالك وضحت سبل العلوم لنا ... فلاح غامضها كالشمس للبصر

    هو الإمام الذي اخترت مذهبه ... وما تخيرته إلا على خبر

    ذكر محنة مالك رضي الله عنه

    سُعي بمالك إلى جعفر بن سليمان وقالوا: إنه لا يرى أيمان بيعتكم بشيء. فغضب جعفر فدعا به وجرده فضربه بالسياط، ومدت يده حتى انخلع كتفه، وارتكب منه أمرا عظيما، فلم يزل بعد ذلك الضرب في علو ورفعة، وكأنما كانت السياط حُلِياًّ حُلِّي به١.

    ج ١ ص ١٩٣قال ابن وهب: ضرب جعفر بن سليمان مالكَ بن أنس في طلاق المكره فلما ضرب حُلِقَ وَهُلَّ على بعير فقيل له: نادِ على نفسك. فقال: ألا من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي، وأنا أقول طلاق المكره ليس بشيء. فبلغ جعفر بن سليمان أنه ينادي على نفسه بذلك فقال: أدركوه، اتركوه١.