تاريخ تأليف الكتاب:

٦٣ فقرة، ج ١ ص ٨٩

الصفحة ٢ من ٢

  1. كتاب المعارف:
  2. وبعد فكتاب المعارف موسوعة لتصف بالتنسيق، مختارة أحسن الاختيار، مبوّبة أجمل التبويب. تذكر الأنساب المتشعبة المتفرعة في إيجاز مستوعب، وتلخص التاريخ تلخيصا من غير إخلال، وتسوق الطرف والملح والنوادر على نهج محبب شائق، لا يفلت منها شيء ذو خطر دون أن تشير إليه وتفصله، مع إشارة إلى بعض المراجع فيها قصد، وكنا نحب أن يكون فيها إسراف. وهذا مما يعاب على ابن قتيبة وغيره من المؤرخين، يذكرون الخبر بسنده، ويحرصون على هذا السند، ولو كان حرصهم على ذكر المراجع مقرونا بهذا الحرص لأدّت أمثال هذه الموسوعات نفعها على وجه أوسع وأعم. ولكن لكل عصر أسلوب، وهكذا كان أسلوب المتقدمين، ومنهم ابن قتيبة.

  3. وقد جمعت هذه الموسوعة- أعنى كتاب المعارف- كل ما يعنى الناس أن يعرفوه عن أسلافهم من أخبار، وما ينقل لهم من حديث. والكتاب لا شك لون من ألوان الثقافات في ذلك العصر، يدلك بما فيه على ما كان يحرص الناس أن يعرفوه.

  4. وهو لا يزال مرجعا ذا بال يعتمد عليه ويرجع إليه، يسعف حين تعوز المطوّلات، ويغنى حين لا يحتاج إلى تفصيل.

  5. وقد جمعه ابن قتيبة للناس فأحسن جمعه، وإن كان فاته- وهو الّذي ألّف في الشعر كتابه الجامع: الشعر والشعراء- أن يذكر أسماء الشعراء مع ما يروى لهم

    ج ١ ص ٩٦من شعر، فتراه في بعض المواطن يذكر الشعر دون أن ينسبه إلى صاحبه، ومنه الشعر المشهور المعروف، كأن يذكر بيتا لحسّان ويقول: قال آخر: ويذكر لغير حسان أبياتا ولا يعزوها لأصحابها.

  6. ترى هل نتهم ابن قتيبة كما اتهمه غيرنا فنقول: إنه عدا على كتب غيره فالتهمها وكتب ما كتبوا؟.

  7. أو نقول: إنه لم يعنّ نفسه بشيء من الاستقصاء، حين لا يعوز إلا خفيف الاستقصاء.

  8. ولكنا نغتفر له هذه وأمثالها مع زحمة التأليف وكثرة التصنيف، وإن كان ما نعتذر به له يملى غيره، فالعلم الواسع يصحّح بعضه بعضا، ويفسر ظاهره غامضه.

  9. وبعد. ترى ما اسم الكتاب؟.

  10. يكاد يكون إجماعا بين المؤرخين لابن قتيبة والذاكرى كتبه أن اسم الكتاب «المعارف» معرّفا. وعلى هذه النسخ الخطية كلها لا نستثنى منها إلا المخطوطة التي رمزنا إليها بالحرف (هـ) فتذكره دون تعريف فتقول «معارف ابن قتيبة» «١» .

  11. ثم يكاد إجماعا بين هؤلاء المؤرخين حين يذكرون الكتاب كلمة مفردة لا يزيدون عليها شيئا، لا نستئنى منهم إلا حاجي خليفة حين يقول: المعارف في التاريخ.

  12. وعلى هذا الإجماع جميع المخطوطات التي بين أيدينا لا نستثنى منها إلا المخطوطة التي رمزنا إليها بالحرف (و) فتقول: كتاب المعارف في أخبار العرب وأنسابهم «١» .

    ج ١ ص ٩٧
  13. ولو عدنا إلى كتب ابن قتيبة نستقرئ أسماءها نجد أنها كلها لا تحمل زيادات مفسرة أو شارحة. وهذا ما يجعلنا نميل إلى أن هذه الزيادة أو تلك جاءت من وضع واضع، إما تأثرا برأي من قال إن ابن قتيبة حذا حذو أبى حنيفة في تاريخه، ومن هنا جاءت زيادة حاجي خليفة وإما تأثرا بالأبواب الأولى من الكتاب، فجاءت إضافة تلك الخطية.

  14. ولكنا لا نخلص من هذا حتى نواجه شيئا جديدا، فنجد المخطوطة التي رمزنا إليها بالحرف (ل) تحمل هذا العنوان «كتاب عوارف المعارف» «٢» . ولا نعرف كتابا بهذا الاسم إلا للسّهروردى أبى حفص عمر (٦٣٢ هـ) .

  15. وكأن قارئا للنسخة ذكر اسمه في هذه الصفحة الأخيرة وهو- أحمد بن عمر ابن أبى بكر- وكان ذلك سنة (٧٤٣ هـ) - لفته هذا العنوان، وذكر أنه للسهروردي، ورجع إلى ابن خلكان (٦٨١ هـ) يتلمس ترجمته، فإذا هو يقع على ترجمة لسهروردي آخر، فيورد منها شيئا نقلا عن ابن خلكان، ويختمها بهذه العبارة: «وليس هو صاحب عوارف المعارف وإنما هو غيره» .

  16. فهذا النقل يفيدنا شيئا لا شك، هو ما ذكرناه من تقبّل هذا القارئ اسم الكتاب على غير يقين وتثبت، ولكنه لم يقض فيه برأي، وترك ما نقل للقارئين بعده يصور لهم تردده، ويترك لهم بقية الحكم.

    ج ١ ص ٩٨والظريف أن هذه الخطية التي حملت هذا العنوان الجديد تختم الكتاب بهذه العبارة: «تم كتاب المعارف بحمد الله ... إلخ» «١» .

  17. ولقد كان الفراغ من كتابة هذه النسخة سنة عشر وسبعمائة. وكانت قراءة هذا القارئ- الّذي هو أحمد بن عمر- سنة (٧٤٣ هـ) كما قدمنا، أي كان بين نسخها وقراءته لها نحو من ثلاثين عاما.

    ج ١ ص ٩٩
  18. وعبارات التمليك التي على الصفحة الأولى التي بها العنوان هي بين سنتي (٩٩٩ هـ) وسنة (١٠٢٣ هـ) .

  19. ترى هل دسّت الصفحة الأولى على الكتاب، ويكاد خطها بما فيه من مغايرة قليلة يملى شيئا من هذا؟ ولكن تلك الزيادة التي زادها هذا القارئ بخطه، والتي تتصل بعنوان الكتاب، تدفع هذا وتجعل الصفحة الأولى من الكتاب ومن تلك المخطوطة منذ نشأتها.

  20. إذن فالكتاب كان يحمل اسما آخر، وأن هذا الاسم يرجع إلى أوائل القرن الثامن الهجريّ. أي بعد وفاة المؤلف بنحو من أربعمائة سنة.

  21. ولكنّا لا نملك دليلا على أنها سبقت تسمية «السهروردي» وإلا لتغير موقفنا من اسم الكتاب، وكان لهذه التسمية الجديدة وضع آخر.

  22. ونكاد نميل إلى أن هذه التسمية جاءت متأخرة أي بعد «السهروردي» وكانت تسمية «السهروردي» جديدة قد شاعت، وتسمية ابن قتيبة قديمة قد اختفت، وكان بين التسميتين نوع من المشاركة، فغلبت تسمية السهروردي.

  23. وكانت النسخة لا تحمل عنوانا فحملها الكاتب هذا العنوان من عنده، ولم يفطن لما جاء في ختامها من التسمية الصحيحة، وكانت هذه التسمية الجديدة.