باب الألف والصاد

١٣ فقرة، ج ٢ ص ٢٨١

  1. [١٩٠ - الأصبحي]

    ج ٢ ص ٢٨١
  2. بفتح الألف وسكون الصاد المهملة وفتح الباء المنقوطة بنقطة في آخرها حاء مهملة، هذه النسبة إلى أصبح واسمه الحارث ابن عوف بن مالك بن زيد بن سداد بن زرعة (٣) وهو من يعرب بن قحطان وأصبح صارت قبيلة، والمشهور بهذه النسبة امام دار الهجرة أبو عبد اللَّه

    ج ٢ ص ٢٨٢مالك بن انس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غيمان (١) بن جثيل (٢) بن عمرو بن الحارث الأصبحي، أول من انتقى الرجال من الفقهاء بالمدينة وأعرض عمن ليس بثقة في الحديث، ولم يكن يروى الا ما صح ولا يحدث الا عن ثقة مع الفقه والدين والفضل والنسك، ضربه سليمان ابن جعفر بن سليمان بن علي سبعين سوطا وكان على المدينة لفتياه في يمين المكره فمسح مالك ظهره عن الدم ودخل المسجد وصلى وقال: لما ضرب سعيد ابن المسيب فعل مثل ذلك. ويروى عن الزهري ونافع وعبد اللَّه بن دينار، روى عنه شعبة والثوري والأوزاعي والليث بن سعد والحمادان بن زيد وابن سلمة وابن عيينة وعالم لا يحصى، كان مولده سنة ثلاث أو أربع وتسعين، ومات سنة تسع وسبعين ومائة … وأبو أنس مالك بن أبي عامر الأصبحي جد مالك بن انس هو حليف عثمان بن عبيد اللَّه التيمي القرشي من أهل المدينة، يروى عن عمر وعثمان رضي الله عنهما ، روى عنه سليمان ابن يسار وابنه نافع بن مالك وأبو علي ثمامة بن شفى الهمدانيّ الأصبحي (٣) ، يروى عن عقبة بن عامر وفضالة (٤) بن عبيد، عداده في أهل مصر، روى عنه ابن إسحاق وعبد الرحمن بن حرملة … وأبو مالك الربيع بن مالك بن أبي عامر الأصبحي منهم (٤) وهو عم مالك بن انس الفقيه، يروى عن المدنيين

    ج ٢ ص ٢٨٣روى عنه أهلها، وكان قليل الحديث، مات سنة ستين (١) ومائة وكان أكبر ولد مالك بن أبي عامر انس والد (٢) مالك بن انس ثم أويس جد إسماعيل ابن أبي أويس ثم نافع وهو أبو سهيل بن مالك ثم الربيع وابن أخيه الإمام أبو عبد اللَّه مالك بن انس (٢) ذكرته في الورقة الأخرى وأبو أويس عبد اللَّه ابن عبد اللَّه بن أويس بن أبي عامر الأصبحي المدني حليف بنى تميم من قريش، يروى عن الزهري، روى عنه ابنه إسماعيل بن أبي أويس، مات سنة تسع وستين ومائة، كان ممن يخطئ كثيرا لم يفحش خطاؤه حتى استحق الترك ولا هو سالك سنن الثقات فيسلك به مسلكهم، والّذي أرى في إمرة تنكب ما خالف الثقات في اخباره والاحتجاج بما وافق الأثبات منها (٣) ، وكان يحيى بن معين يوثقه مرة ويضعفه مرة وأبو خالد يزيد بن سعيد ابن يزيد الأصبحي الإسكندراني منسوب إلى أصبح، يروى عن الليث ابن سعد ومالك بن انس، روى عنه عمر بن محمد بن بجير (٤) وقال: سمعته يقول: حضرت الليث بن سعد في مؤخر مسجد الجامع بالإسكندرية وهو رافع صوته يقول: لا ينظر اللَّه إلى الذين يأتون النساء في أدبارهن. وكان مولده سنة اثنتين وخمسين ومائة في أولها، ومات وهو ابن قريب من مائة سنة. فأما البجيري فقال: سمعته يقول: انا في سبعة وتسعين سنة وأسأل اللَّه تعالى إتمام نعمته

    ج ٢ ص ٢٨٤[١٩١ - الأصبهاني]

  3. بكسر الألف أو فتحها وسكون الصاد المهملة وفتح الباء الموحدة (١) والهاء وفي آخرها النون بعد الألف، هذه النسبة إلى أشهر بلدة بالجبال، وإنما قيل له بهذا الاسم على ما سمعت بعضهم انها تسمى بالعجمية سباهان وسباه العسكر وهان الجمع وكان جموع عساكر الأكاسرة تجتمع إذا وقعت لهم واقعة في هذا الموضع مثل عسكر فارس وكرمان وكور الأهواز والجبال فغرب وقيل أصبهان، خرج منها جماعة من العلماء في كل فن قديما وحديثا وصنف في تاريخها كتب عدة قديما وحديثا، والمشهور من هذه البلدة داود بن علي الأصبهاني صاحب أصحاب الظاهر وسأذكره في الظاء ان شاء اللَّه وعبد الرحمن بن عبد اللَّه بن الأصبهاني ليس من أهل أصبهان ونسب إليها (٢) وهو من أهل الكوفة مولى لجديلة بن قيس، عداده في أهل الكوفة، يروى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى،/ روى عنه شعبة بن الحجاج، مات في إمارة خالد على العراق … وأبو عبد اللَّه حمزة ابن الحسين (٣) المؤدب الأصبهاني يقال له حمزة الأصبهاني، كان من فضلاء الأدباء وكان صاحب التاريخ الكبير لأصبهان، وله مصنفات في اللغة والأخبار، يروى عن محمود بن محمد الواسطي وعبدان بن (٤) احمد الجواليقيّ وعبد اللَّه (٤) بن قحطبة الصالحي (٥) وغيرهم، روى عنه أبو بكر بن مردويه

    ج ٢ ص ٢٨٥الحافظ، وتوفى قبل الستين والثلاثمائة … ومن مشاهير المحدثين بها أبو محمد عبد اللَّه بن جعفر بن أحمد بن فارس بن الفرج الأصبهاني، كان من الثقات المعمرين المكثرين، سمع هارون بن سليمان الخزاز (١) وأبا مسعود أحمد بن الفرات (٢) الرازيّ ومحمد بن عاصم ويونس بن حبيب والخليل بن محمد وأحمد ابن عصام وأحمد بن يونس، روى عنه أبو بكر ابن المقرئ وأبو بكر بن مردويه وأبو نعيم الحافظ وغيرهم، وقال ابن المقرئ: رأيت عبد اللَّه بن جعفر سنة سبع وثلاثمائة بمكة يحدث والمفضل الجندي وإسحاق الخزاعي حيان. وحكى أبو جعفر الخياط المذكر قال: حضر (٣) موت عبد اللَّه بن جعفر ونحن جلوس عنده فقال: هذا ملك الموت قد جاء، فقال بالفارسية:

    اقبض روحي كما تقبض روح رجل يقول تسعين سنة أشهد ان لا إله الا اللَّه وأن محمدا رسول اللَّه. وكانت ولادته سنة ثمان وأربعين ومائتين، وتوفى سنة ست وأربعين وثلاثمائة *

    [١٩٢ - الإصطخري]

  4. بكسر الألف وسكون الصاد وفتح الطاء المهملتين وسكون الخاء المعجمة وفي آخرها الراء، هذه النسبة إلى إصطخر وهي من كور فارس والقلعة التي بها معروفة، وكان للأكاسرة بها آثار وأموال في أيام ملكهم ولها ذكر في الفتوح، والمشهور بالانتساب إليها أبو سعيد عبد الكريم بن ثابت (٤) الإصطخري ثم الجزري مولى بنى أمية

    ج ٢ ص ٢٨٦وهو ابن خصيف (١) ، أصله من إصطخر سكن حران، يروى عن سعيد بن جبير ومجاهد، روى عنه الثوري ومالك وأهل بلده، مات سنة سبع وعشرين ومائة، كان صدوقا ولكنه كان يتفرد عن الثقات بالأشياء المناكير فلا يعجبني الاحتجاج بما انفرد من الأخبار وإن اعتبر معتبر بما وافق الثقات من حديثه فلا ضير وهو ممن أستخير اللَّه فيه - قاله أبو حاتم ابن حبان وأبو سعيد الحسن بن أحمد بن يزيد بن عيسى بن الفضل بن يسار (٢) بن عبد الحميد بن عبد اللَّه بن هاني بن قبيصة بن عمرو (٣) بن عامر (٣) الإصطخري قاضى قم، يروى عن سعدان بن نصر وابن أبي غرزة (٤) وحنبل ابن إسحاق، وكان دينا فاضلا ورعا متقللا، وكان أحد الأئمة المذكورين من شيوخ الفقهاء الشافعيين ويدل كتابه الّذي ألفه على سعة فقهه ومعرفته، حدث بشيء يسير عمن ذكرنا وعن أحمد بن منصور الرمادي وعباس ابن محمد الدوري وأحمد بن سعد الزهري وغيرهم، روى عنه أبو الحسين (٥) محمد بن المظفر الحافظ وأبو الحسن (٦) [علي بن عمر الدارقطني، وأبو حفص عمر بن أحمد بن شاهين وأبو الفتح يوسف بن عمر القواس وأبو الحسن (٧) ]

  5. أحمد بن محمد بن الجندي، وكان أبو إسحاق المروزي لا يفتى بحضرة أبى سعيد الإصطخري الا باذنه، وكانت ولادته في سنة اربع وأربعين ومائتين، ووفاته في جمادى الآخرة سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة ببغداد، ودفن بباب حرب … وأبو عمرو عبيد اللَّه بن موسى بن صالح بن راشد الإصطخري، يروى عن الحجاج بن نصير الفساطيطى وعباد بن صهيب، وكان خيرا فاضلا، وكان الشيخ أبو بكر بن عبيد اللَّه يثنى عليه خيرا، مات لاثنتي عشرة خلت من شوال سنة اثنتين وثمانين ومائتين وأبو محمد عبد اللَّه ابن محمد بن سعيد بن محارب بن عمرو بن عامر بن لاحق بن شهاب الأنصاري الإصطخري سكن بغداد، حدث بأحاديث مقلوبة عن الثقات مثل أبى خليفة الفضل بن الحباب الجمحيّ وزكريا بن يحيى الساجي وعبد اللَّه (١) بن آذران الشيرازي وخلق كثير من الغرباء، روى عنه أبو الحسن أحمد بن محمد العتيقي وأبو القاسم التنوخي وأبو عبد اللَّه الصيمري وأبو الفتح قطيط العطار وأبو منصور محمد بن عيسى الهمذانيّ، ذكره أبو بكر الخطيب في التاريخ وقال: أبو محمد الأنصاري الإصطخري أكثر من يروى عنهم مجهولون لا يعرفون وأحاديثه عن أبي خليفة مقلوبة وهي بروايات ابن دريد أشبه.

    قال أبو عبد اللَّه الصيمري: أبو محمد الإصطخري أظنهم تكلموا فيه وقد حدثنا عن أبي خليفة بأحاديث كأنها مقلوبة. وقال القاضي أبو القاسم التنوخي:

    حدثنا أبو محمد الإصطخري في سنة اربع وثمانين وثلاثمائة وقال: ولدت بإصطخر سنة احدى وتسعين ومائتين وسمعت من أبى خليفة وزكريا

    ج ٢ ص ٢٨٨الساجي وغيرهما بالبصرة في سنتي ثلاث وأربع وثلاثمائة وسمعت بفارس وكرمان والأهواز وأرجان والساحل والبصرة وواسط وبغداد والشام ومكة ودخلت مصر فسمعت بها وخلّفت أكثر كتبي السماعات بمصر مودعة هناك … ومحمد بن الأشعث الإصطخري أخو أبى داود سليمان ابن الأشعث السجستاني صاحب السنن، يروى عن عصمة بن المتوكل ويحيى ابن حماد، روى عنه محمد بن أحمد بن زيرك … (١)

    ج ٢ ص ٢٨٧
  6. [١٩٣ - الأصمعي]

  7. بفتح الألف وسكون الصاد المهملة وفتح الميم والعين المهملة في آخره، هذه النسبة إلى الجد وهو الإمام المشهور أبو سعيد عبد الملك بن قريب بن علي بن اصمع الباهلي الأصمعي من أهل البصرة، كان من أئمة أهل اللغة سلك البراري والبوادي وصحب الأعراب وأخذ الأدب من معدنه، قال أبو حاتم بن حبان: الأصمعي يروى عن ابن عون، روى عنه الناس، مات سنة خمس عشرة ومائتين، ليس فيما يروى من الحديث عن الثقات إذا كان دونه ثقة تخليط وإن كان ممن أكثر الحكايات عن الأعراب، وقد روى عنه مالك ويقول: حدثني عبد العزيز بن قرير - لم يحفظ اسمه ولا اسم أبيه - هذا كلام أبى حاتم بن حبان، وظني انه وهم فيه فإنه ذكر في الطبقة الثالثة من الثقات ان مالك بن انس مات سنة تسع وسبعين ومائة قبل الأصمعي بست وثلاثين سنة ومالك ما كان يروى الا عن الأكابر العلماء فكيف روى عن الأصمعي وهو دون مالك في العلم والسن مع أن جماعة اختلفوا على مالك في روايته عن عبد العزيز

    ج ٢ ص ٢٨٩ابن قرير وقالوا: هو قريب وهو من أهل المدينة، وقد ذكر/ الحافظ ابن عبد البر في كتابه فصلا في ذلك. وذكر أبو حاتم السجستاني نسب الأصمعي فقال: عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن علي بن اصمع بن مظهّر ابن رياح بن عبد شمس بن أعيا بن سعد بن عبد بن غنم بن قتيبة بن معن بن مالك بن اعصر بن سعد بن قيس بن عيلان. قلت: وهو أبو سعيد الأصمعي البصري صاحب اللغة والنحو والعربية والأخبار والملح، سمع عبد اللَّه بن عون الخزاز وشعبة بن الحجاج والحمادين ويعقوب بن محمد ابن طحلاء ومسعر بن كدام وسليمان بن المغيرة وقرة بن خالد، روى عنه ابن أخيه عبد الرحمن بن عبد اللَّه وأبو عبيد القاسم بن سلام وأبو حاتم السجستاني وأبو الفضل الرياشي وأحمد بن محمد اليزيدي ونصر بن علي الجهضمي ورجاء بن الجارود ومحمد بن عبد الملك بن زنجويه ومحمد بن إسحاق الصغاني وبشر بن موسى الأسدي وأبو العباس الكديمي في آخرين، وكان من احفظ أهل عصره حتى حكى عنه أنه قال: احفظ ستة عشر ألف أرجوزة.

  8. وكان الأصمعي بحرا في اللغة وأبو عبيدة اعلم منه بالأنساب والأيام والأخبار واجتمعا في مجلس الفضل بن الربيع فسأل الفضل الأصمعي فقال:

    كم كتابك في الخيل؟ قال قلت: جلد، قال: فسأل أبا عبيدة عن ذلك فقال:

    خمسون جلدا، قال: فأمر بإحضار الكتابين ثم امر بإحضار فرس فقال لأبى عبيدة: اقرأ كتابك حرفا حرفا ضع يدك على موضع موضع! فقال أبو عبيدة: ليس انا بيطارا انما ذا شيء أخذته وسمعته من العرب وألفته، فقال لي: يا أصمعي! قم فضع يدك على موضع موضع من الفرس! فقمت فحسرت

    ج ٢ ص ٢٩٠عن ذراعي وساقى ثم وثبت فأخذت بأذني الفرس ثم وضعت يدي على ناصيته فجعلت اقبض منه على شيء شيء وأقول هذا اسمه كذا وأنشد فيه حتى بلغت حافره. قال: فأمرني بالفرس فكنت إذا أردت ان أغيظ أبا عبيدة ركبت الفرس وأتيته. وكان أحمد بن حنبل يثنى على الأصمعي في السنة وعلى ابن المديني كان يثنى عليه أيضا، وكذلك يحيى بن معين.

  9. وقد ذكرنا وفاته وقيل: انه مات سنة ست عشرة ومائتين، وقيل: سنة سبع عشرة، وكان قد بلغ ثمانيا وثمانين سنة ومات بالبصرة *

    ١٩٤ - الأَصَمّ

    بفتح الألف وصاد المهملة وتشديد الميم في آخر الكلمة هذه صفة من كان لا يسمع من الصمم، والمشهور به في الشرق والغرب أبو العباس محمد بن يعقوب بن يوسف بن معقل بن سنان بن عبد اللَّه الأموي مولاهم المعروف بالأصم، وإنما ظهر به الصمم بعد انصرافه من الرحلة فاستحكم فيه حتى أنه كان لا يسمع نهيق الحمار، وكان أبو العباس محدث عصره بلا مدافعة فإنه حدث في الإسلام ستا وسبعين سنة وسنأتي على ذكره بالتفصيل، ولم يختلف قط في صدقه وصحة سماعه وضبط أبيه يعقوب الوراق لها، وكان مع ذلك يرجع إلى حسن المذهب والتدين، يصلى خمس صلوات في الجماعة، وبلغني انه اذن سبعين سنة في مسجده، وكان حسن الخلق سخى النفس لا يبخل بكل ما يقدر عليه، وربما كان في قديم الأيام يحتاج إلى الشيء لمعاشه فيورق ويأكل من كسب يده، وهذا الّذي يعاب به انه كان يأخذ على التحديث انما يعيبه به من كان لا يعرفه فإنه كان يكره ذلك أشد الكراهة ولا يناقش أحدا فيه انما كان

    ج ٢ ص ٢٩١وراقه وابنه أبو سعيد يطلبان الناس بذلك وقد كان يعلم به فيكرهه ثم لا يقدر على مخالفتهم، سمع منه الآباء والأبناء والأحفاد وأولادهم كالحسن ابن الحسين بن منصور سمع منه كتاب الرسالة فسمع منه ابنه أبو الحسن ابن الحسن في ذلك الكتاب ثم سمعه أبو نصر بن أبي الحسن في ذلك الكتاب ثم سمع منه عمر بن أبي نصر في ذلك الكتاب ومثل هذا كثير كفاه شرفا ان يحدث طول تلك السنن فلا يجد أحد من الناس فيه مغمزا بحجة. قال الحاكم أبو عبد اللَّه الحافظ: ما رأينا الرحالة في بلد من بلاد الإسلام أكثر منها اليه يعنى أبا العباس الأصم فقد رأيت جماعة من أهل الأندلس والقيروان وبلاد المغرب على بابه، وكذلك رأيت جماعة من أهل طراز وأسفيجاب وأهل المشرق على بابه، وكذلك رأيت في عرض الدنيا من أهل المنصورة ومولتان وبلاد بست وسجستان على بابه، وكذلك رأيت جماعة من أهل فارس وشيراز وخوزستان على بابه فناهيك بهذا شرفا واشتهارا وعلوا في الدين وقبولا في بلاد المسلمين بطول الدنيا وعرضها. قال: سمعت أبا العباس محمد بن يعقوب غير مرة يقول: ولدت سنة سبع وأربعين ومائتين، رأى محمد بن يحيى الذهلي ولم يسمع منه، ثم سمع من أحمد بن يوسف السلمي وأبى الأزهر أحمد بن الأزهر العبديّ وفقد سماعه عند منصرفه من مصر، ثم رحل به أبوه سنة خمس وستين على طريق أصبهان فسمع هارون بن سليمان وأسيد (١) بن عاصم ولم يسمع بالأهواز ولا البصرة حرفا واحدا، ثم إن أباه حج به في تلك السنة

    ج ٢ ص ٢٩٢وسمع بمكة من أحمد بن شيبان الرمليّ فقط، ثم أخرجه إلى مصر فسمع محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكم ويحيى بن نصر الخولانيّ والربيع بن سليمان المرادي وبكار بن قتيبة القاضي وأقام بمصر على سماع الأمهات كتاب المبسوط للشافعي إلى أن استوفى سماعه، ثم دخل الشام فسمع بعسقلان من أحمد بن الفضل، وببيروت من العباس بن الوليد بن مزيد أقام عليه حتى سمع منه مسائل الأوزاعي، ثم دخل دمشق فسمع من محمد بن هشام ابن ملاس النميري أحاديث مروان بن معاوية وسمع من يزيد بن عبد الصمد وغيره، ثم دخل دمياط فسمع من بكر بن سهل وغيره وأقام بطرسوس وسمع الكثير من أبى أمية وذهب بعض سماعاته منه، ثم انحدر إلى حمص فسمع من محمد بن عوف الطائي الكبير وذهب بعض سماعاته منه، ثم دخل الجزيرة فكتب بالرقة عن محمد بن علي بن ميمون وهو إذ ذاك امام الجزيرة، ودخل من الموصل على طريق الجزائر إلى الكوفة فسمع من الحسن بن علي بن عفان العامري وأحمد بن عبد الجبار العطاردي وأحمد ابن عبد الحميد الحارثي، ثم دخل بغداد سنة تسع وستين بعد وفاة سعدان ابن نصر ومحمد بن سعيد بن غالب فسمع المسند من العباس بن محمد الدوري والمبسوط من محمد بن إسحاق الصغاني والتاريخ من الدوري وسمع من محمد ابن سنان القزاز، والعلل من عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل، وعلل على ابن المديني من حنبل بن إسحاق، ثم انصرف إلى خراسان وهو ابن ثلاثين سنة وهو محدث كبير، ثم ذكر الحاكم في وفاته: خرج علينا أبو العباس محمد ابن يعقوب رحمه الله ونحن في مسجده وقد امتلأت السكة من أولها إلى

    ج ٢ ص ٢٩٣آخرها من الناس وهو عشية يوم الاثنين الثالث من شهر ربيع الأول من سنة اربع وأربعين وثلاثمائة وكان يملى عشية كل اثنين من أصوله مما ليس في الفوائد أحاديث فلما نظر إلى كثرة الناس والغرباء من كل فج عميق وقد قاموا يطرقون له ويحملونه على عواتقهم من باب داره إلى مسجده فلما بلغ المسجد جلس على جدار المسجد وبكى طويلا ثم نظر إلى المستملي فقال: اكتب! سمعت محمد بن إسحاق الصغاني يقول سمعت ابا سعيد الأشج يقول سمعت عبد اللَّه بن إدريس يقول: أتيت يوما باب الأعمش بعد موته فدفعت الباب فقيل: من هذا؟ فقال: ابن إدريس، فأجابتني امرأة يقال لها برة: هاي هاي يا عبد اللَّه بن إدريس! ما فعل جماهير العرب التي كانت تأتى هذا الباب؟ ثم بكى الكثير ثم قال: كأني بهذه السكة ولا يدخلها أحد منكم فانى لا اسمع وقد ضعف البصر وحان الرجيل وانقضى الأجل. فما كان الا بعد شهر أو أقل منه حتى كف بصره وانقطعت الرحلة وانصرف الغرباء إلى أوطانهم ورجع امر أبى العباس إلى أنه كان يناول قلما فإذا اخذه بيده علم أنهم يطلبون الرواية فيقول: حدثنا الربيع بن سليمان، ويقرأ الأحاديث التي كان يحفظها وهي أربعة عشر حديثا وسبع حكايات وصار بأسوإ حال إلى شهر ربيع الآخر سنة ست وأربعين، فتوفى أبو العباس رحمه الله ليلة الاثنين، ودفن عشية الاثنين الثالث والعشرين من شهر ربيع الآخر من سنة ست وأربعين وثلاثمائة فغسله أبو عمرو بن مطر، وشهدت جنازته بشاه هنبر فتقدم أبو عمرو بن مطر للصلاة عليه ودفن في مقبرة شاه هنبر. ورئي في المنام فقيل: إلى ما ذا انتهى حالك أيها الشيخ؟ فقال: انا مع أبى يعقوب البويطي

  10. والربيع بن سليمان في جوار أبى عبد اللَّه الشافعيّ نحضر كل يوم ضيافته.

    قال الحاكم: وحضرت أبا العباس يوما في مسجده فخرج ليؤذن لصلاة العصر فوقف موضع المئذنة ثم قال بصوت عال: انا الربيع بن سليمان انا الشافعيّ، ثم ضحك وضحك الناس ثم اذن … ومن القدماء أبو علقمة عبد اللَّه بن عيسى الفروى الأصم من أهل المدينة، يروى عن ابن نافع ومطرف بن عبد اللَّه الأصم العجائب ويقلب على الثقات الأخبار، روى عنه محمد بن المنذر الهروي شكّر … وعقبة بن عبد اللَّه الأصم من أهل البصرة، يروى عن عطاء وابن بريدة، روى عنه الهيثم بن خارجة والعراقيون، كان ممن يتفرد بالمناكير عن الثقات المشاهير حتى إذا سمعها من الحديث صناعته شهد لها بالوضع وكثير بن حمير (١) الأصم، شيخ يروى عن الشاميين ما لم يتابع عليه، لا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد، يروى عن سالم أبى المهاجر، روى عنه موسى ابن أيوب واشتهر بهذا الاسم اثنان: واحد من الصوفية، والآخر من المحدثين، اما المحدث فقد بدأنا به وهو أبو العباس الأصم، ومن الصوفية أبو عبد الرحمن حاتم بن عنوان الأصم من أهل بلخ، كان أحد من عرف بالزهد والتقلل واشتهر بالورع والتقشف، وله كلام مدون في الزهد والحكم، وأسند الحديث عن شقيق بن إبراهيم البلخي وشداد بن حكيم البلخيين وعبد اللَّه بن المقدام ورجاء بن المقدام (٢) الصغاني، روى عنه أبو عبد اللَّه الخواص وأبو جعفر الهروي وجماعة، وقال رجل لحاتم الأصم: بلغني انك تجوز المفاوز من غير زاد؟ فقال حاتم: بل اجوزها بالزاد وإنما زادي

    ج ٢ ص ٢٩٥فيها أربعة أشياء، قال: ما هي؟ قال: أرى الدنيا كلها ملكا للَّه، وأرى الخلق كلهم عباد اللَّه وعياله، وأرى الأسباب والأرزاق كلها بيد اللَّه، وأرى قضاء اللَّه نافذا في كل ارض اللَّه، فقال له الرجل: نعم الزاد زادك يا حاتم! أنت تجوز به مفاوز الآخرة فكيف مفاوز الدنيا. وقيل له: من اين تأكل؟ فقال: «وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ» .

    ج ٢ ص ٢٩٤
  11. وكان أبو بكر الوراق يقول: حاتم الأصم لقمان هذه الأمة. وسئل خاتم:

    اى شيء رأس الزهد؟ قال: الثقة باللَّه ووسطه الصبر وآخره الإخلاص (١) وأما مالك بن جناب بن هبل الكلبي الشاعر يعرف بالأصم سمى الأصم بقوله:

    أصم عن الخنا ان قيل يوما … وفي غير الخنا ألفي سميعا (٢)

  12. [١٩٥ - الأصولي]

  13. بضم الألف والصاد المهملة وسكون الواو وفي آخره اللام، هذه النسبة إلى الأصول، وإنما تقال هذه اللفظة لعلم الكلام ولمن يعرف هذا النوع من العلم الأصولي، واشتهر بهذه النسبة [الأستاذ (٣) ] أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الفقيه الأصولي المتكلم، كان اماما فاضلا عالما ذكيا آية في هذا الفن، سمع بخراسان أبا بكر احمد

    ج ٢ ص ٢٩٦ابن إبراهيم الإسماعيلي وأبا [بكر محمد بن (١) ] يزداذ الأسفرايينى وببغداد أبا محمد دعلج بن أحمد السجزي وأبا بكر محمد بن عبد اللَّه الشافعيّ وغيرهم، سمع منه الحاكم (٢) أبو عبد اللَّه الحافظ وأبو بكر أحمد بن الحسين والبيهقي في جماعة كثيرة آخرهم أبو الحسن علي بن أحمد المديني المؤدب، وذكره الحاكم (٢) في التاريخ فقال: إبراهيم بن محمد الفقيه الأصولي المتكلم المقدم في هذه العلوم أبو إسحاق الأسفرايينى الزاهد انصرف من العراق بعد المقام بها وقد أقر له أهل العلم بالعراق وخراسان بالتقدم والفضل واختار الوطن إلى أن جرّ بعد الجهد إلى نيسابور وبنى له المدرسة التي لم يبن بنيسابور مثلها ودرس فيها وحدث. وقد ذكرته في (الأسفرايينى) وذكرت وفاته … (٣)