ذكر السبب في خروج أبي السرايا
٦٤ فقرة، ج ١ ص ٤٢٤
الصفحة ٢ من ٢
- ج ١ ص ٤٣٤
فلما كان من الغد جمع الناس فخطبهم، ونعى محمدا إليهم وعزاهم عنه، فارتفعت الأصوات بالبكاء إعظاما لوفاته، ثم قال:
وقد أوصى أبو عبد الله رحمة الله عليه إلى شبيهه ومن اختاره، وهو أبو الحسن علي بن عبيد الله، فإن رضيتم به فهو الرضا، وإلّا فاختاروا لأنفسكم.
-
فتواكلوا ونظر بعضهم إلى بعض، فلم ينطق أحد منهم فوثب محمد بن محمد بن زيد «٢» وهو غلام حدث السن، فقال:
يا آل علي: فات الهالك النجا، وبقي الثاني بكرمه، إنّ دين الله لا ينصر بالفشل، وليست يد هذا الرجل عندنا بسيئة، وقد شفي الغليل، وأدرك الثأر، ثم التفت إلى علي بن عبد الله فقال: ما تقول يا أبا الحسن رضي الله عنك؟ فقد وصانا بك، امدد يدك نبايعك، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
ج ١ ص ٤٣٥إن أبا عبيد الله رحمة الله عليه قد اختار فلم يعد الثقة في نفسه، ولم يأل جهدا في حق الله الذي قلده، وما أردّ وصيته تهاونا بأمره، ولا أدع هذا نكولا عنه، ولكن أتخوّف أن أشتغل به عن غيره مما هو أحمد وأفضل عاقبة، فامض رحمك الله لأمرك، واجمع شمل ابن عمك، فقد قلدناك الرياسة علينا، وأنت الرضا عندنا، الثقة في أنفسنا.
ثم قال لأبي السرايا: ما ترى؟ أرضيت به؟.
قال: رضائي في رضاك، وقولي مع قولك، فجذبوا يد محمد بن محمد فبايعوه، وفرّق عماله.
-
فولى إسماعيل بن علي بن إسماعيل بن جعفر خلافته على الكوفة.
-
وولى روح بن الحجاج شرطته.
-
وولى أحمد بن السري الأنصاري رسائله.
-
وولى عاصم بن عامر القضاء.
-
وولى نصر بن مزاحم السوق.
-
وعقد لإبراهيم بن موسى بن جعفر على اليمن.
-
وولى زيد بن موسى بن جعفر الاهواز.
-
وولى العباس بن محمد بن عيسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب البصرة.
-
وولى الحسن بن الحسن الأفطس مكة.
-
وعقد لجعفر بن محمد بن زيد بن علي، والحسين بن إبراهيم بن الحسن بن علي واسطا.
-
فخرجوا إلى أعمالهم.
-
فأما ابن الأفطس فلم يمنعه أحد مما وجه له، فأقام الحج تلك السنة وهي سنة تسع وتسعين ومائة.
-
وأما إبراهيم بن موسى فأذعن له أهل اليمن بالطاعة، بعد وقعة كانت بينهم يسيرة المدة.
-
وأما صاحبا واسط فان نصرا البجلي صاحب واسط خرج إليهما فقاتلهما قتالا شديدا، فثبتا له ثم انهزم ودخلا واسطا وجبيا الخراج وتألفا الناس.
- ج ١ ص ٤٣٦
وأما الجعفري صاحب البصرة فإنه خرج إليه علي بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين «١» فاجتمعا، ووافاهم زيد بن موسى بن جعفر ماضيا إلى الأهواز، فاجتمعوا، ولقيهم الحسن بن علي المعروف بالمأموني «٢» - رجل من أهل باذغيس وكان على البصرة- فقاتلوه وهزموه وحووا عسكره.
-
وحرق زيد بن موسى دور بني العباس بالبصرة، فلقب بذلك وسمي زيد النار «٣» .
-
وتتابعت الكتب وتواترت على محمد بن محمد بالفتوح من كل ناحية.
-
وكتب إليه أهل الشام والجزيرة أنهم ينتظرون أن يوجه إليهم رسولا ليسمعوا له ويطيعوا.
-
وعظم أمر أبي السرايا على الحسن بن سهل وبلغ منه، فكتب إلى طاهر بن الحسين أن يصير إليه لينفذه لقتاله، فكتبت إليه رقعة لا يدري من كتبها، فيها أبيات وهي:
قناع الشك يكشفه اليقين ... وأفضل كيدك الرأي الرصين
تثبت قبل ينفد فيك أمر ... يهيج لشره داء دفين
أتندب طاهرا لقتال قوم ... بنصرتهم وطاعتهم يدين
سيطلقها عليك معقلات ... تصر ودونها حرب زبون
ويبعث كامنا في الصدر منه ... ولا يخفى إذا ظهر المصون
فشأنك واليقين فقد أنارت ... معالمه وأظلمت الظنون
ودونك ما نريد بعزم رأي ... تدبره ودع ما لا يكون
فرجع عن رأيه ذلك، وكتب إلى هرثمة بن أعين يأمره بالقدوم عليه، ودعا بالسندي بن شاهك فسأله التعجيل وترك التلوّم، وكان ردءا له، وكانت بين الحسن بن سهل وبين هرثمة شحناء «٤» ، فخشي أن لا يجيبه إلى ما يريد، ففعل ذلك
ج ١ ص ٤٣٧السندي ومضى إلى هرثمة فلحقه بحلوان، فأوصل إليه الكتاب، فلما قرأه تغيظ وقال:
نوطئ نحن الخلافة، ونمهد لهم أكنافها، ثم يستبدون بالأمور، ويستأثرون بالتدبير علينا، فإذا انفتق عليهم فتق بسوء تدبيرهم وإضاعتهم الأمور، أرادوا أن يصلحوه بنا، لا والله ولا كرامة حتى يعرف أمير المؤمنين سوء آثارهم، وقبيح أفعالهم.
قال السندي: وباعدني مباعدة آيسني فيها من نفسه، فبينا أنا كذلك إذ جاءه كتاب من منصور بن المهدي «١» فقرأه فجعل يبكي بكاء طويلا، ثم قال:
فعل الله بالحسن بن سهل وصنع، فإنه عرض هذه الدولة للذهاب، وأفسد ما صلح منها، ثم أمرض فضرب بالطبل، وانكفأ راجعا إلى بغداد.
-
فلما صار بالنهروان تلقاه أهل بغداد، والقواد، وبنو هاشم، وجميع الأولياء مسرورين بقدومه داعين له، وترجلوا جميعا حين رأوه، فدخل بغداد في جمع عظيم حتى أتى منزله.
-
وأمر الحسن بن سهل بدواوين الجيش فنقلت إليه ليختار الرجال منها وينتخبهم، وأطلق له بيوت الأموال فانتخب من أراد، وأزاح الغلة في العطيات والنفقات، وخرج إلى الياسريّة «٢» فعسكر بها.
قال الهيثم بن عدي:
فدخلت إليه وسلمت عليه ومازحته، وهو في نحو ثلاثين ألف فارس وراجل، فقلت له: أيها الأمير، لو خضبت لكان للعدو أهيب وأحسن للمنظر، فضحك ثم قال: إن كان رأسي لي فسأخضبه، وإن انقلب به أهل الكوفة فما يصنع بالخضاب.
قال: ثم نادى بالرحيل إلى الكوفة، فرحل الناس.
-
وأبو السرايا بالقصر «٣» ، وقد عقد لمحمد بن إسماعيل محمد بن عبد الله
ج ١ ص ٤٣٨الأرقط بن عبد الله بن علي بن الحسين، على المدائن، ووجه معه العباس الطبطبي «١» ، والمسيب، في جمع عظيم، فلقوا الحسين بن علي المعروف بأبي البط فالتقوا بساباط المدائن، فاقتتلوا قتالا شديدا، وهزم أبو البط واستولى محمد بن إسماعيل على البلد.