ذكر الخبر في ذلك

٢٧ فقرة، ج ١ ص ٤٥٤

  1. أخبرني ببعضه علي بن الحسين بن علي بن حمزة، عن عمه محمد بن علي بن حمزة العلوي. وأخبرني بأشياء «١» منه أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن العلوي، وجمعت أخبارهم:

    أن المأمون وجه إلى جماعة من آل أبي طالب فحملهم إليه من المدينة، وفيهم علي بن موسى الرضا، فأخذ بهم على طريق البصرة حتى جاءوه بهم، وكان المتولي لإشخاصهم المعروف بالجلودي من أهل خراسان، فقدم بهم على المأمون فأنزلهم دارا، وأنزل علي بن موسى الرضا دارا «٢» .

    ج ١ ص ٤٥٤
  2. ووجه إلى الفضل بن سهل فأعلمه أنه يريد العقد له، وأمره بالاجتماع مع أخيه الحسن بن سهل على ذلك، ففعل واجتمعا بحضرته، فجعل الحسن يعظم ذلك عليه، ويعرفه ما في إخراج الأمر من أهله عليه.

    فقال له «٣» : إني عاهدت الله أن أخرجها إلى أفضل آل أبي طالب إن ظفرت بالمخلوع، وما أعلم أحدا أفضل من هذا الرجل.

  3. فاجتمعا معه على ما أراد، فأرسلهما إلى علي بن موسى فعرضا ذلك عليه فأبى، فلم يزالا به وهو يأبى ذلك ويمتنع منه، إلى أن قال له أحدهما: إن فعلت وإلّا فعلنا بك وصنعنا، وتهدده، ثم قال له أحدهما: والله أمرني بضرب عنقك إذا خالفت ما يريد.

  4. ثم دعا به المأمون فخاطبه في ذلك فامتنع، فقال له قولا شبيها بالتهدد، ثم قال له:

    إن عمر جعل الشورى في ستة أحدهم جدك، وقال: من خالف فاضربوا عنقه، ولا بد من قبول ذلك.

    ج ١ ص ٤٥٥
  5. فأجابه علي بن موسى إلى ما التمس.

  6. ثم جلس المأمون في يوم الخميس، وخرج الفضل بن سهل فأعلم الناس برأي المأمون في علي بن موسى، وأنه ولّاه عهده، وسمّاه الرضا. وأمرهم بلبس الخضرة، والعود لبيعته في الخميس الآخر على أن يأخذوا رزق سنة.

  7. فلما كان ذلك اليوم ركب الناس من القواد والقضاة وغيرهم من الناس في الخضرة، وجلس المأمون ووضع للرضا وسادتين عظيمتين حتى لحق بمجلسه وفرشه. وأجلس الرضا عليهما في الحضرة، وعليه عمامة وسيف. ثم أمر ابنه العباس بن المأمون فبايع له أول الناس، فرفع الرضا يده فتلقى بظهرها وجه نفسه وببطنها وجوههم.

    فقال له المأمون: ابسط يدك للبيعة.

    فقال له: إن رسول الله (ص) هكذا كان يبايع، فبايعه الناس، ووضعت البدر، وقامت الخطباء والشعراء، فجعلوا يذكرون فضل علي بن موسى وما كان من المأمون في أمره.

  8. ثم دعا أبو عبّاد بالعباس بن المأمون، فوثب، فدنا من أبيه فقبّل يده وأمره بالجلوس.

  9. ثم نودي محمد بن جعفر بن محمد، فقال له الفضل بن سهل: قم. فقام، فمشى حتى قرب من المأمون ولم يقبل يده، ثم مضى فأخذ جائزته وناداه المأمون:

    ارجع يا أبا جعفر إلى مجلسك، فرجع.

  10. ثم جعل أبو عبّاد يدعو بعلويّ وعباسيّ فيقبضان جوائزهما حتى نفدت الأموال.

    ثم قال المأمون للرضا: قم فاخطب الناس وتكلم فيهم.

    فقال بعد حمد الله والثناء عليه:

    إن لنا عليكم حقا برسول الله (ص) ، ولكم علينا حق به، فإذا أديتم إلينا

    ج ١ ص ٤٥٦ذلك وجب علينا الحق لكم.

  11. ولم يذكر عنه غير هذا في ذلك المجلس.

  12. وأمر المأمون فضربت له الدراهم وطبع عليها اسمه.

  13. وزوج إسحاق بن موسى بن جعفر بنت عمه إسحاق بن جعفر بن محمد، وأمره أن يحج بالناس، وخطب للرضا في كل بلد بولاية العهد.

  14. فحدثني أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن [العلوي] ، قال: حدثني من سمع عبد الجبار بن سعيد يخطب تلك السنة على منبر رسول الله بالمدينة فقال في الدعاء له:

    اللهم وأصلح ولي عهد المسلمين، علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي، عليهم السلام:

    ستة آباء هم ما هم ... هم خير من يشرب صوب الغمام «١»

  15. حدثني الحسن بن الطبيب البلخي، قال: حدثني محمد بن أبي عمر العدني، قال: سمعت عبد الجبار يخطب، فذكر مثله.

  16. رجع الحديث إلى نظام خبر علي بن موسى.

    قال: وزوج المأمون ابنته أم الفضل محمد بن علي بن موسى على حلكة لونه وسواده، ونقلها إليه فلم تزل عنده «٢» .

  17. واعتل الرضا علته التي مات فيها «٣» ، وكان قبل ذلك يذكر ابني سهل عند المأمون فيزري عليهما، وينهى المأمون عنهما، ويذكر له مساوئهما «٤» .

  18. ورآه يوما يتوضأ للصلاة والغلام يصب على يده الماء فقال: يا أمير المؤمنين،

    ج ١ ص ٤٥٧لا تشرك بعبادة ربك أحدا «١» .

  19. فجعل المأمون يدخل إليه، فلما ثقل تعالل المأمون وأظهر أنهما أكلا عنده جميعا طعاما ضارا فمرضا، ولم يزل الرضا عليلا حتى مات.

  20. واختلف في أمر وفاته، وكيف كان سبب السم الذي سقيه.

  21. فذكر محمد بن علي بن حمزة أن منصور بن بشير ذكر عن أخيه عبد الله بن بشير:

    أن المأمون أمره أن يطوّل أظفاره ففعل، ثم أخرج إليه شيئا يشبه التمر الهندي، وقال له: افركه واعجنه بيديك جميعا، ففعل.

  22. ثم دخل على الرضا فقال له: ما خبرك؟

    قال: أرجو أن أكون صالحا.

    فقال له: هل جاءك أحد من المترفّقين اليوم؟.

    قال: لا، فغضب وصاح على غلمانه، وقال له: فخذ ماء الرمان اليوم فإنه ما لا يستغنى عنه. ثم دعا برمان فأعطاه عبد الله بن بشير وقال له: اعصر ماءه بيدك، ففعل وسقاه المأمون الرضا بيده فشربه، فكان ذلك سبب وفاته، ولم يلبث إلّا يومين حتى مات.

    قال محمد بن علي بن حمزة، ويحيى: فبلغني عن أبي الصلت الهروي:

    أنه دخل على الرضا بعد ذلك فقال له: يا أبا الصلت قد فعلوها: «أي قد سقوني السم» . [وجعل يوحد الله ويمجده] «٢» .

    قال محمد بن علي: وسمعت محمد بن الجهم يقول:

    إن الرضا كان يعجبه العنب، فأخذ له عنب وجعل في موضع أقماعه الإبر، فتركت أياما فأكل منه في علته فقتله، وذكر أن ذلك من لطيف السموم.

  23. ولما توفي الرضا لم يظهر المأمون موته في وقته، وتركه يوما وليلة، ثم وجه إلى

    ج ١ ص ٤٥٨محمد بن جعفر بن محمد، وجماعة من آل أبي طالب. فلما أحضرهم وأراهم إيّاه صحيح الجسد لا أثر به، ثم بكى وقال: عزّ عليّ يا أخي أن أراك في هذه الحالة، وقد كنت أؤمل أن أقدّم قبلك، فأبى الله إلّا ما أراد. وأظهر جزعا شديدا وحزنا كثيرا.

  24. وخرج مع جنازته يحملها حتى أتى الموضع الذي هو مدفون فيه الآن، فدفنه هناك إلى جانب هارون الرشيد «١» .

  25. وقال أشجع بن عمرو السلمي «٢» يرثيه، هكذا أنشدنيها علي بن الحسين بن علي بن حمزة، عن عمّه، وذكر أنها لمّا شاعت غيّر أشجع ألفاظها فجعلها في الرشيد:

    يا صاحب العيس يحدي في أزمّتها ... اسمع وأسمع غدا يا صاحب العيس

    اقرأ السلام على قبر بطوس ولا ... تقرأ السلام ولا النعمى على طوس

    فقد أصاب قلوب المسلمين بها ... روع وأفرخ فيها روع ابليس

    وأخلست واحد الدنيا وسيدها ... فأيّ مختلس منا ومخلوس

    ولو بدا الموت حتى يستدير به ... لاقى وجوه رجال دونه شوس

    بؤسا لطوس فما كانت منازله ... مما تخوفه الأيام بالبوس

    معرّس حيث لا تعريس ملتبس ... يا طول ذلك من نأى وتعريس

    إن المنايا أنالته مخالبها ... ودونه عسكر جمّ الكراديس

    أوفى عليه الرّدى في خيس أشبله ... والموت يلقى أبا الأشبال في الخيس

    ما زال مقتبسا من نور والده ... إلى النبي ضياء غير مقبوس

    في منبت نهضت فيه فروعهم ... بباسق في بطاح الملك مغروس

    والفرع لا يرتقى إلّا على ثقة ... من القواعد والدنيا بتأسيس

    ج ١ ص ٤٥٩لا يوم أولى بتخريق الجيوب ولا ... لطم الخدود ولا جدع المعاطيس

    من يوم طوس الذي نادت بروعته ... لنا النعاة وأفواه القراطيس «١»

    حقا بأن الرضا أودى الزمان به ... ما يطلب الموت إلّا كلّ منفوس

    ذا اللحظتين وذا اليومين مفترش ... رمسا كآخر في يومين مرموس

    بمطلع الشمس وافته منيّته ... ما كان يوم الردى عنه بمحبوس

    يا نازلا جدثا في غير منزله ... ويا فريسة يوم غير مفروس

    لبست ثوب البلى أعزز عليّ به ... لبسا جديدا وثوبا غير ملبوس

    صلّى عليك الذي قد كنت تعبده ... تحت الهواجر في تلك الأماليس

    لولا مناقضة الدنيا محاسنها ... لما تقايسها أهل المقاييس

    أحلّك الله دارا غير زائلة ... في منزل برسول الله مأنوس

    قال أبو الفرج:

    هذه القصيدة ذكر محمد بن علي بن حمزة أنها في علي بن موسى الرضا.

    قال أبو الفرج:

    وأنشدني علي بن سليمان الأخفش «٢» لدعبل بن علي الخزاعي «٣» يذكر الرضا والسم الذي سقيه، ويرثي ابنا له، وينعى على الخلفاء من بني العباس:

    على الكره ما فارقت أحمد وانطوى ... عليه بناء جندل ورزين «٤»

    وأسكنته بيتا خسيسا متاعه ... وإني على رغمي به لضنين

    ولولا التأسي بالنبيّ وأهله ... لأسبل من عيني عليه شؤون

    هو النفس إلّا أن آل محمد ... لهم دون نفسي في الفؤاد كمين

    أضرّ بهم إرث النبيّ فأصبحوا ... يساهم فيه ميتة ومنون

    دعتهم ذئاب من أميّة وانتحت ... عليهم دراكا أزمة وسنون

    ج ١ ص ٤٦٠وعاثت بنو العباس في الدين عيثة ... تحكّم فيه ظالم وظنين

    وسمّوا رشيدا ليس فيهم لرشده ... وها ذاك مأمون وذاك أمين

    فما قبلت بالرشد منهم رعاية ... ولا لوليّ بالأمانة دين

    رشيدهم غاو وطفلاه بعده ... لهذا رزايا دون ذاك مجون «١»

    ألا أيها القبر الغريب محلّه ... بطوس عليك السّاريات هتون

    شككت فما أدري أمسقى بشربة ... فأبكيك أم ريب الردى فيهون؟

    وأيهما ما قلت إن قلت شربة ... وإن قلت موت إنه لقمين

    أيا عجبا منهم يسمّونك الرضا ... ويلقاك منهم كلحة وغضون

    أتعجب للأجلاف أن يتخيفوا ... معالم دين الله وهو مبين

    لقد سبقت فيهم بفضلك آية ... لديّ ولكن ما هناك يقين

    هذا آخر خبر عليّ بن موسى الرضا «٢» .

  26. أخبرنا أبو الفرج قال: حدثنا الحسن بن علي الخفاف، قال: حدثنا أبو الصلت الهروي، قال:

    دخل المأمون إلى الرضا يعوده فوجده يجود بنفسه فبكى وقال: أعزز عليّ يا أخي بأن أعيش ليومك، وقد كان في بقائك أمل، وأغلظ عليّ من ذلك وأشد أن الناس يقولون: إني سقيتك سما، وأنا إلى الله من ذلك بريء.

    فقال له الرضا: صدقت يا أمير المؤمنين، أنت والله بريء.

  27. ثم خرج المأمون من عنده، ومات الرضا، فحضره المأمون قبل أن يحفر قبره وأمر أن يحفر إلى جانب أبيه، ثم أقبل علينا فقال: حدثني صاحب هذا النعش أنه يحفر له قبر فيظهر فيه ماء وسمك، احفروا، فحفروا فلما انتهوا إلى اللحد نبع ماء وظهر فيه سمك، ثم غاض الماء، فدفن فيه الرضا عليه السلام.