١٠ - زيد بن علي
٦٤ فقرة، ج ١ ص ١٢٤
الصفحة ٢ من ٢
- ج ١ ص ١٣٦
ثم إن زيدا- عليه السلام- هزمهم، وانصرفوا يومئذ بأسوأ حال «١» فلما كان العشي عبأهم يوسف ثم سرحهم نحو زيد، وأقبلوا حتى التقوا فحمل عليهم زيد فكشفهم، ثم تبعهم حتى أخرجهم إلى السبخة، ثم شد عليهم حتى أخرجهم من بني سليم فأخذوا على المسنّاة.
-
ثم ظهر لهم زيد فيما بين بارق ورؤاس «٢» فقاتلهم قتالا شديدا. وصاحب لوائه رجل من بني سعد بن بكر يقال له: عبد الصمد.
قال سعيد بن خيثم:
وكنا مع زيد في خمسمائة، وأهل الشام اثنا عشر ألفا- وكان بايع زيدا أكثر من اثني عشر ألفا فغدروا- إذ فصل رجل من أهل الشام من كلب على فرس رائع فلم يزل شتما لفاطمة بنت رسول الله (ص) ، فجعل زيد يبكي حتى ابتلت لحيته وجعل يقول: أما أحد يغضب لفاطمة بنت رسول الله (ص) ؟ أما أحد يغضب لرسول الله (ص) ؟ أما أحد يغضب لله؟ قال: ثم تحول الشامي عن فرسه فركب بغلة. قال: وكان الناس فرقتين نظارة ومقاتلة. قال سعيد:
فجئت إلى مولى فأخذت منه مشملا كان معه، ثم استترت من خلف النظارة حتى إذا صرت من ورائه ضربت عنقه وأنا متمكن منه بالمشمل، فوقع رأسه بين يدي بغلته، ثم رميت جيفته عن السرج، وشد أصحابه عليّ حتى كادوا يرهقونني، وكبّر أصحاب زيد وحملوا عليهم واستنقذوني، فركبت فأتيت زيدا فجعل يقبل بين عيني ويقول: أدركت والله ثأرنا، أدركت والله شرف الدنيا والآخرة وذخرها، إذهب بالبغلة فقد نفلتكها.
قال «٣» : وجعلت خيل أهل الشام لا تثبت لخيل زيد بن علي. فبعث
ج ١ ص ١٣٧العباس بن سعد إلى يوسف بن عمر يعلمه ما يلقى من الزيدية، وسأله أن يبعث إليه الناشبة، فبعث إليه سليمان بن كيسان في القيقانية وهم نجارية، وكانوا رماة، فجعلوا يرمون أصحاب زيد. وقاتل معاوية بن إسحاق الأنصاري يومئذ قتالا شديدا، فقتل بين يدي زيد. وثبت زيد في أصحابه حتى إذا كان عند جنح الليل رمى زيد بسهم فأصاب جانب جبهته اليسرى فنزل السهم في الدماغ، فرجع ورجع أصحابه، ولا يظن أهل الشام [أنهم] »
-
رجعوا إلّا للمساء والليل.
قال أبو مخنف: فحدّثني سلمة بن ثابت، وكان من أصحاب زيد، وكان آخر من انصرف عنه هو وغلام لمعاوية بن إسحاق، قال:
أقبلت أنا وأصحابي نقتفي أثر زيد «٢» فنجده قد دخل بيت حرّان بن أبي كريمة في سكة البريد في دور أرحب وشاكر، فدخلت عليه [فقلت له جعلني الله فداك أبا الحسين] «٣» وانطلق ناس من أصحابه فجاؤا بطبيب يقال له سفيان مولى لبني دواس «٤» . فقال له: إنك إن نزعته من رأسك مت.
قال: الموت أيسر عليّ مما أنا فيه.
قال: فأخذ الكلبتين فانتزعه، فساعة انتزاعه مات صلوات الله عليه.
قال القوم: أين ندفنه؟ وأين نواريه؟
-
فقال بعضهم نلبسه درعين، ثم نلقيه في الماء.
وقال بعضهم: لا، بل نحتز رأسه، ثم نلقيه بين القتلى.
قال: فقال يحيى بن زيد: لا والله لا يأكل لحم أبي السباع.
وقال بعضهم: نحمله إلى العباسية فندفنه فيها. فقبلوا رأيي.
قال: فانطلقنا فحفرنا له حفرتين وفيها يومئذ ماء كثير، حتى إذا نحن
ج ١ ص ١٣٨مكّنّا له دفنّاه ثم أجرينا عليه الماء، ومعنا عبد سندي. قال سعيد بن خيثم في حديثه: عبد حبشي كان مولى لعبد الحميد الرؤاسي وكان معمر بن خيثم قد أخذ صفقته لزيد، وقال يحيى بن صالح: هو مملوك لزيد سندي وكان حضرهم.
قال أبو مخنف عن كهمس، قال: كان نبطي يسقي زرعا له حين وجبت الشمس، فرآهم حيث دفنوه، فلما أصبح أتى الحكم بن الصلت، فدلهم على موضع قبره، فسرح إليه يوسف بن عمر العباس بن سعيد المزني «١» . قال أبو مخنف: بعث الحجاج بن القاسم فاستخرجوه على بعير «٢» .
قال هشام فحدّثني نصر بن قابوس قال: فنظرت والله إليه حين أقبل به على جمل قد شدّ بالحبال، وعليه قميص أصفر هروي، فألقى من البعير على باب القصر فخرّ كأنه جبل. فأمر به فصلب بالكناسة، وصلب معه معاوية بن إسحاق، وزياد الهندي، ونصر بن خزيمة العبسي «٣» .
قال أبو مخنف: وحدثني عبيد بن كلثوم: أنه وجه برأس زيد مع زهرة بن سليم، فلما كان بمضيعة ابن أم الحكم ضربه الفالج، فانصرف وأتته جائزته من عند هشام.
-
فحدّثني الحسن بن علي الأدمي، قال: حدثنا أبو بكر الجبلي، قال:
حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن العنبري، قال: حدثنا موسى بن محمد، قال:
- حدثنا الوليد بن محمد الموقري، قال:
-
كنت مع الزهري بالرّصافة فسمع أصوات لعابين. فقال لي: يا وليد، أنظر ما هذا، فأشرفت من كوّة في بيته فقلت: هذا رأس زيد بن علي، فاستوى جالسا ثم قال:
أهلك أهل هذا البيت العجلة. فقلت: أو يملكون؟ قال: حدثني علي بن الحسين، عن أبيه، عن فاطمة أن رسول الله (ص) قال لها: المهدي من ولدك.
ج ١ ص ١٣٩قال أبو مخنف: حدثني موسى بن أبي حبيب: أنه مكث مصلوبا إلى أيام الوليد بن يزيد، فلما ظهر يحيى بن زيد كتب الوليد إلى يوسف:
«أما بعد. فإذا أتاك كتابي هذا فانظر عجل أهل العراق فأحرقه، وانسفه في اليم نسفا، والسلام» .
-
فأمر به يوسف- لعنه الله- عند ذلك خراش بن حوشب «١» . فأنزله من جذعه فأحرقه بالنار، ثم جعله في قواصر، ثم حمله في سفينة، ثم ذراه في الفرات.
-
حدثني الحسن بن عبد الله، قال: حدثنا جعفر بن يحيى الأزدي، قال:
حدثنا محمد بن علي بن أخت خلاد المقري، قال: حدثنا أبو نعيم الملائي عن سماعة بن موسى الطحان، قال:
رأيت زيد بن علي مصلوبا بالكناسة فما رأى أحد له عورة، استرسل جلد من بطنه، من قدامه ومن خلفه حتى ستر عورته.
-
حدثنا علي بن الحسين، قال: حدثني الحسين بن محمد بن عفير، قال:
حدثنا أبو حاتم الرازي، قال: حدثنا عبد الله بن أبي بكر العتكي، عن جرير بن حازم، قال: رأيت النبي (ص) في المنام، وهو متساند إلى جذع زيد بن علي وهو مصلوب، وهو يقول للناس: «أهكذا تفعلون بولدي» .
-
حدثنا علي بن الحسين، قال: حدثني أحمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن بن جعفر، قال:
قتل زيد بن علي يوم الجمعة في صفر سنة إحدى وعشرين ومائة.
- ج ١ ص ١٤٠
(تسمية من عرف ممن خرج مع زيد بن علي) من أهل العلم ونقلة الآثار والفقهاء قال علي بن الحسين بن محمد الأصفهاني: حدثنا علي بن العباس، ومحمد بن الحسين الأشناني، قال: حدثنا عباد بن يعقوب، قال: حدثنا مطلب بن زياد، عن ليث، قال:
جاء منصور بن المعتمر يدعو إلى الخروج مع زيد بن علي.
-
حدثنا علي بن الحسين، قال: حدثنا أبو عبد الله الصيرفي، قال: حدثنا فضل بن الحسن المصري، قال: سمعت أبا نعيم يقول:
أبطأ منصور عن زيد لما بعثه يدعو إليه، فقتل زيد ومنصور غائب عنه، فصام سنة يرجو أن يكفّر ذلك عنه تأخره. ثم خرج بعد ذلك مع عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر «١» .
-
حدثني أحمد بن محمد، قال: أخبرني الحسين بن هاشم في كتابه إليّ، قال: حدثنا علي بن إبراهيم بن معلى، قال: حدّثنا عمرو بن عبد الغفار، عن عبدة بن كثير السراج الجرمي، قال:
قدم يزيد بن أبي زياد، مولى بني هاشم، صاحب عبد الرحمن بن أبي ليلى الرقّة، يدعو الناس إلى بيعة زيد بن علي، وكان من دعاة زيد بن علي، وأجابه ناس من أهل الرقّة، وكنت فيمن أجابه.
-
حدّثنا علي بن الحسين، قال: حدّثني علي بن العباس، قال: حدّثنا أحمد بن يحيى، قال: حدّثنا عبد الله بن مروان بن معاوية، قال: سمعت محمد بن جعفر بن محمد في دار الإمارة يقول:
رحم الله أبا حنيفة. لقد تحققت مودّته لنا في نصرته زيد بن علي، وفعل بابن المبارك في كتمانه فضائلنا، ودعا عليه «٢» .
- ج ١ ص ١٤١
حدثنا علي بن الحسين، قال: أخبرنا الحسين بن القاسم، قال: حدثنا علي بن إبراهيم، قال: حدثنا عمرو بن عبد الغفار، عن عبدة بن كثير الجرمي، قال:
كتب زيد بن علي إلى هلال بن حباب، وهو يومئذ قاضي المدائن، فأجابه وبايع له.
-
حدثنا علي بن الحسين، قال: أخبرنا الحسين بن القاسم، قال: حدثنا علي بن إبراهيم، قال: حدثنا عمرو، قال حدثني عطاء بن مسلم، عن سالم بن أبي الحديد، قال:
أرسلني زيد بن علي إلى زبيد الإمامي أدعوه إلى الجهاد معه.
-
حدثنا علي بن الحسين، قال: أخبرني الحسين، قال: حدّثنا علي بن إبراهيم، قال: حدّثنا عمرو، عن الفضل بن الزبير، قال:
قال أبو حنيفة من يأتي زيدا في هذا الشأن من فقهاء الناس؟.
قال: قلت سليمة بن كهيل، ويزيد بن أبي زياد، وهرون بن سعد، وهاشم بن البريد، وأبو هاشم الرّماني، والحجاج بن دينار، وغيرهم.
فقال لي: قل لزيد لك عندي معونة وقوة على جهاد عدوك فاستعن بها أنت وأصحابك في الكراع «١» والسلاح ثم بعث ذلك معي إلى زيد، فأخذه زيد.
-
[حدثنا علي بن الحسين] ، قال: حدثني أبو عبيدة الصيرفي، قال:
حدثنا الفضل بن الحسين المصري، قال: حدثنا العباس العنبري، قال:
حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا أبو عوانة، قال:
فارقني سفيان «٢» على أنه زيدي.
- ج ١ ص ١٤٢
حدثني علي بن الحسن بن القاسم، قال: حدثنا علي بن إبراهيم، قال:
حدثنا عمرو بن عبد الغفار [عن عبدة بن كثير] «١» ، قال:
كان رسول زيد إلى خراسان عبدة بن كثير الجرمي، والحسن بن سعد الفقيه.
-
حدثنا علي بن الحسين قال: أخبرني الحسين قال: حدثنا علي بن إبراهيم، قال: حدثنا عمرو بن عبد الغفار، قال: حدثني شريك، قال:
إني لجالس عند الأعمش أنا، وعمرو بن سعيد أخو سفيان بن سعيد الثوري، إذ جاءنا عثمان بن عمير أبو اليقظان الفقيه، فجلس إلى الأعمش فقال: أخلنا فإن لنا إليك حاجة. فقال: وما خطبكم هذا شريك، وهذا عمرو بن سعيد أذكر حاجتك. فقال: أرسلني إليك زيد بن علي أدعوك إلى نصرته والجهاد معه، وهو من عرفت. قال: أجل ما أعرفني بفضله. أقرئاه مني السلام، وقولا له: يقول لك الأعمش لست أثق لك- جعلت فداك- بالناس، ولو أنا وجدنا لك ثلثمائة رجل أثق بهم لغيّرنا لك جوانبها.
-
حدثنا علي بن الحسين، قال: حدثني أحمد بن محمد بن سعيد، قال:
حدثنا محمد بن زيد «٢» الثقفي. قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عمران بن أبي ليلى، قال: حدثني أبي، قال:
كان محمد بن أبي ليلى، ومنصور بن المعتمر، بايعا زيد بن علي. قال:
وبعث يوسف بن عمر إلى الناس فأخذ عليهم أبواب المسجد فحال بينه وبينهم.
-
حدثنا علي بن الحسين قال: حدّثني الحسين بن محمد بن عفير [الأنصاري] قال: حدثنا يوسف بن موسى القطان، قال: حدثنا حكام بن مسلم، قال: حدثنا عنبسة بن سعيد الأسدي:
ج ١ ص ١٤٣أنا أبا حصين قال لقيس بن الربيع: يا قيس. قال: لبيك. قال: لا لبيك، ولا سعديك، لتبايعن رجلا من ولد رسول الله (ص) ثم تخذله، وذلك أنه بلغه أنه بايع زيد بن علي.
-
وقال فضل بن العباس بن عبد الرحمن بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب يرثي زيد بن علي عليه السلام:
ألا يا عين لا ترقى وجودي ... بدمعك ليس ذا حين الجمود
غداة ابن النبي أبو حسين ... صليب بالكناسة فوق عود
يظل على عمودهم ويمسي ... بنفسي أعظم فوق العمود
تعدى الكافر الجبار فيه ... فأخرجه من القبر اللحيد «١»
فظلوا ينبشون أبا حسين ... خضيبا بينهم بدم جسيد
فطال به تلعبهم عتوًّا ... وما قدروا على الرّوح الصّعيد
وجاور في الجنان بني أبيه ... وأجدادا هم خير الجدود
فكم من والد لأبي حسين ... من الشهداء أو عم شهيد
ومن أبناء أعمام سيلقى ... هم أولى به عند الورود
دعاه معاشر نكثوا أباه ... حسينا بعد توكيد العهود
فسار إليهم حتى أتاهم ... فما أرعوا على تلك العقود
وكيف تظنّ بالعبرات عيني ... وتطمع بعد زيد في الهجود
وكيف لها الرقاد ولم تراءى ... جياد الخيل تعدوا بالأسود
تجمع للقبائل من معد ... ومن قحطان في حلق الحديد
كتائب كلّما أردت قتيلا ... تنادت: أن إلى الأعداء عودي
بأيديهم صفائح مرهفات ... صوارم أخلصت من عهد هود
بها نسقي النفوس إذا التقينا ... ونقتل كل جبّار عنيد
ونحكم في بني الحكم العوالي ... ونجعلهم بها مثل الحصيد
ج ١ ص ١٤٤وننزل بالمعيطيين حربا ... عمارة منهم وبنو الوليد
وإن تمكن صروف الدهر منكم ... وما يأتي من الأمر الجديد «١»
نجازيكم بما أوليتمونا ... قصاصا أو نزيد على المزيد
ونترككم بأرض الشام صرعى ... وشتى من قتيل أو طريد
تنوء بكم خوامعها «٢» وطلس ... وضاري الطير من بقع وسود
ولست بآيس من أن تصيروا ... خنازيرا وأشباه القرود
وقال أبو ثميلة الأبّار يرثي زيدا عليه السلام:
يا أبا الحسين أعار فقدك لوعة ... ما لقيت منها يكمد
فقد السهاد ولو سواك رمت به الأ ... قدار حيث رمت به لم يسهد «٣»
ونقول: لا تبعد، وبعدك داؤنا ... وكذاك من يلق المنية يبعد
كنت المؤمّل للعظائم والنهى ... ترجى لأمر الأمة المتأوّد
فقتلت حين رضيت كل مناضل ... وصعدت في العلياء كل مصعد
فطلبت غاية سابقين فنلتها ... بالله في سير كريم المورد
وأبى إلهك أن تموت ولم تسر ... فيهم بسيرة صادق مستنجد
والقتل في ذات الإله سجية ... منكم وأحرى بالفعال الأمجد
والناس قد أمنوا، وآل محمد ... من بين مقتول وبين مشرّد
نصب إذا ألقى الظلام ستوره ... رقد الحمام، وليلهم لم يرقد
يا ليت شعري والخطوب كثيرة ... أسباب موردها وما لم يورد
ما حجة المستبشرين بقتله ... بالأمس أو ما عذر أهل المسجد