[هجرة الرسول ﷺ الى المدينة]

٢١ فقرة، ج ٢ ص ٢٥٩

  1. فقال: أو ما معك أحد؟ قلت: لا والله. فقال: ما لك مترك. وأخذ بخطام البعير وانطلق معي يقودني. فو الله ما رأيت أكرم مصاحبة منه: كنت أبلغ المنزل، فينيخ جملي ثم يستأخر عني. فإذا نزلت، حط عن بعيري، وقيده، ثم أتى شجرة فاضطجع تحتها. فإذا دنا الرواح، قدم البعير فرحله ثم استأخر وقال: اركبي. فإذا استويت على البعير، قادني. فلم يزل يصنع ذلك بي حتى أقدمني المدينة. فلما رأى قرية بني عمرو بن عوف بقباء، قال: زوجك في هذه القرية فادخليها على بركة الله. ثم انصرف راجعا إلى مكة.

    ج ٢ ص ٢٥٩
  2. ٦٠٠ - وقدم المدينة بعد أبي سلمة، عامر بن ربيعة العنزي، وبلال، وسعد، وعمر، وعمار. وخرج الناس مهاجرين متتابعين. فلم يبق منهم إلا من حبسته قريش. ولم يبق بمكة من بني أسد بن خزيمة أحد، حتى أغلقوا أبوابهم.

  3. وأغلقت أبواب بني البكير- وغير الكلبي يقول: بني أبي البكير- وأبواب بني مظعون. فمر عتبة بن ربيعة بدور بني جحش، فإذا أبوابها تخفق وليس فيها أحد. فتمثل قول الشاعر (١) :

    وكل دار وإن طالت سلامتها … يوما ستلحقها النكراء والحوب

    وبقي رسول الله ﷺ وعلي، وأبو بكر رضي الله تعالى عنهما، ليس معهم غيرهم. وأراد أبو بكر الهجرة. فسأله رسول الله ﷺ أن يحبس نفسه عليه. وكان قد علف راحلتين له ورق السمر أربعة أشهر.

  4. فلما أذن لرسول الله ﷺ في الهجرة، أتى أبا بكر، فأعلمه الهجرة. فأعطاه إحدى تينك الراحلتين، وهي ناقة رسول الله ﷺ القصواء، من نعم بني قشير، فلم تزل عنده، وماتت في أيام أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وكانت مرسلة ترعى بالبقيع لا تهاج. ويقال بنقيع (٢) الخيل.

  5. ٦٠١ - قالوا: تناظرت قريش في أمر رسول الله ﷺ حين هاجر أصحابه. فقال أبو البختري العاص بن هاشم: نخرجه فنغيب عنا وجهه ليصلح ذات بينها. وقال آخر: بل يقيد ويحبس حتى يهلكه، ثم فرق (٣) رأيهم على أن

    ج ٢ ص ٢٦٠يأخذوا من كل قبيلة من قريش غلاما نهدا جلدا وسيطا، فيعطوه سيفا صارما، ثم يجتمع أولئك الغلمان فيضربوه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في القبائل، فلا يدري بنو عبد مناف ما يصنعون، ولا يقوون على حرب جميع قريش.

  6. وكان الذي أطلع لهم هذا الرأي شيخ من أهل نجد. ويزعمون أنه الشيطان.

  7. وأتى جبريل رسول الله ﷺ ، فأخبره الخبر .. وأنزل الله عز وجل عليه: وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك (١) . وقوله «ليثبتوك» ، أي ليقيدوك. فأتى رسول الله ﷺ منزل أبي بكر، وأمر عليا فنام على فراشه. فلما دخلوا بيته وهم يرون أنه نائم على فراشه. فقام إليهم علي عليه السلام . فقالوا: أين ابن عمك؟ قال: لا علم لي به. ويقال إنهم رموه وهم يظنون أنه نبي الله. فلما قام، تركوه وسألوا عن النبي ﷺ ، فأخبرهم أنه لا علم له به.

  8. ٦٠٢ - قالوا: وخرج النبي ﷺ وأبو بكر من خوخة في ظهر بيت أبي بكر، حتى أتيا غار ثور، فصارا فيه. وكان عامر بن فهيرة يرعى غنما لأبي بكر، فيعزب بها ثم يبيت قريبا، ولا يبعد. فكانا يصيبان من رسلها (٢) .

  9. فاستأجر أبو بكر رجلا دليلا، يقال له عبد الله بن أريقط الديلي، من كنانة ابن خزيمة. وصنع آل أبي بكر لرسول الله ﷺ وأبي بكر سفرة، وذبحت شاة وطبخ لحمها، وجعل في جراب. فقطعت أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما قطعة من نطاقها، فأوكت به الجراب. فقال رسول الله ﷺ : إن لها نطاقين في الجنة. فسميت «ذات النطاقين» .

  10. ويروى أنه كان لها نطاق تنتطق به في منزلها، ونطاق تنتطق به إذا حملت الطعام لرسول الله ﷺ وأبي بكر، فقيل لها ذات النطاقين.

  11. ٦٠٣ - قالوا: وبعثت قريش قائفين يقصان آثار رسول الله ﷺ .

  12. أحدهما كرز بن علقمة بن هلال الخزاعي. فاتبعاه، حتى انتهيا إلى غار ثور.

  13. فرأى كرز عليه نسج العنكبوت. فقال: ها هنا انقطع الأثر. فانصرفوا.

    وقال بعضهم: ادخلوا الغار. فقال أمية بن خلف: «وما أربكم؟ إذ الغار

    ج ٢ ص ٢٦١وعليه من نسج العنكبوت ما عليه. والله إنى لأرى هذا النسج (من) قبل أن يولد محمد». وبال، حتى جرى بوله بين النبي ﷺ وأبي بكر.

  14. وجعلت قريش لمن جاء برسول الله ﷺ وأبي بكر أو قتلهما ديتهما.

  15. ويقال: مائة بعير. ونادوا بذلك في أسفل مكة وأعلاها.

  16. ٦٠٤ - قالوا: ومكث رسول الله ﷺ وأبو بكر في الغار ثلاث ليال.

  17. وعبد الله بن أبي بكر- وهو الذي أصيب بالطائف- يبيت عندهما. وهو غلام شاب لقن. ثم يصبح مع قريش كبائت. فلا يسمع بأمر يكاد به رسول الله ﷺ إلا وعاه، حتى يلقيه إليه. ثم إن رسول الله ﷺ وأبا بكر خرجا في السحر ليلة الاثنين لأربع ليال خلون من شهر ربيع الأول، فقالا يوم الثلاثاء بقديد. وجاءت وجوه قريش إلى منزل أبي بكر رضي الله تعالى عنه، فسألوا أسماء ابنته عنه. فقالت لهم: ما أدري أين هو؟ فلطمها أبو جهل أو غيره.

  18. ٦٠٥ - وكان أبو بكر أسلم يوم أسلم، وعنده أربعون ألف درهم. فخرج إلى المدينة للهجرة وما له إلا خمسة آلاف، أو أربعة آلاف درهم. فبعث ابنه عبد الله، فحملها إليه إلى الغار، فمضى به معه. وكان أبو قحافة وقد كف بصره. فقال لأم رومان، امرأة أبي بكر: عهدي بأبي بكر وله مال، فما فعل ماله؟ أتراه فجعكم به كما فجعكم بنفسه؟ فعمدت أسماء رضي الله تعالى عنها إلى (١) جلال الحصباء، فجعلته في كوة كان أبو قحافة يعهد أبا بكر يجعل ماله فيها كثيرا، وغطته بثوب، وقادت جدها إلى الكوة. فلما وضع يده على الحصباء قال: إن في هذا لمعاشا صالحا، صاحبه الله. وكان لعثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه مال. فما خرج إلى الهجرة إلا بسبعة آلاف درهم.

  19. وذلك أنه أنفق ماله في الرقاب والعون على الإسلام.

  20. ٦٠٦ - قالوا: وكانت عند رسول الله ﷺ ودائع. وإنما كان يسمى الأمين. فوكل عليا عليه السلام بردها على أهلها. فلما وفاهم إياها،

    ج ٢ ص ٢٦٢شخص إلى المدينة، حتى نزل على كلثوم بن الهدم ورسول الله ﷺ عنده.

  21. ٦٠٧ - قالوا: ولقي رسول الله ﷺ بريدة بن الحصيب الأسلمي في ركب من قومه، فيما بين مكة والمدينة، وهم يريدون موقع سحابة. فسابلوه وسابلهم. فدعاهم إلى الإسلام، فأسلموا، واعتذروا بقلة اللبن معهم، وقالوا:

    مواشينا شصص (١) . وجاءه بلبن، فشربه وأبو بكر. ودعا لهم بالبركة.