المنافقون من الأوس
١٦ فقرة، ج ٢ ص ٢٧٥
- ج ٢ ص ٢٧٥
٦٤٠ - ومن الأوس: الجلاس بن سويد بن الصامت، من بنى حبيب بن عمرو ابن عوف. وكان عبد الله بن المجذر بن ذياد البلوى قتل أباه سويدا في الجاهلية.
-
فلما كان يوم أحد، قتل الجلاس بن سويد: المجذر غيلة. فأخبر جبريل رسول الله ﷺ بذلك، وأمره بقتل الجلاس بالمجذر. فركب رسول الله ﷺ إلى بني عمرو بن عوف في يوم حار، فخرجوا يسلمون عليه، وخرج الجلاس في ملاءة صفراء. فدعا رسول الله ﷺ عويم بن ساعدة، وأمره بقتله. فقدمه إلى باب المسجد، فضرب عنقه. وكان الجلاس يقول: إن كان هذا الرجل صادقا، لنحن شر من الحمير. فبلغ النبي ﷺ ذلك. فحلف له أنه ما قاله. فأنزل الله عز وجل فيه: يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر)، الآية (٢) .
-
الحارث بن سويد بن الصامت، أخوه. يقال إنه الذي قتل المجذر، فقتله رسول الله ﷺ ، وأن الجلاس كان ممن تخلف عن غزاة تبوك. والقول الأول قول الكلبي. ودري بن الحارث (٣) . بجاد بن عثمان بن عامر. نبتل بن الحارث الذي قال رسول الله ﷺ : «من أحب أن ينظر إلى شيطان، فلينظر إلى نبتل» وكان أدلم، ثائر الشعر، جسيما، أحمر العينين، أسفع (٤) الخدين. وكان ينقل حديث النبي ﷺ إلى المنافقين.
-
عبد الله بن نبتل، وهو الذي كان ينقل أيضا حديث النبي ﷺ .
قال الواقدي: وكان خارجة بن زيد بن ثابت يسقي الناس الماء المبرد بالعسل.
-
وكان عبد الله القراظ، وهو فارسي سبي في خلافة عمر بن الخطاب، يأتيه.
-
فإذا رآه، قال: اسقوه. فيسقى. فجاء ذات يوم وقد حضر رجل من ولد عبد الله ابن نبتل، فجعل يهزأ به. وكان القراظ عظيم الرأس والأذنين، له خلقة منكرة،
ج ٢ ص ٢٧٦فقال له: من أنت يا فتى؟ قال: رجل من الأنصار. قال: مرحبا بالأنصار، ممن (١) أنت منهم؟ قال: أنا فلان بن الحارث بن عبد الله بن نبتل. فقال:
«أما جدك فلم ينصر، أعلمت ما نزل فيه من القرآن؟ أما تدري ما صنعت به تراه فضحته. والله وهي الفاضحة» . قيس بن زيد، قتل يوم أحد.
-
أبو حبيبة (٢) بن الأزعر، وكان ممن بنى (٣) مسجد الضرار: ثعلبة بن حاطب ابن عمرو بن عبيد. معتب بن قشير. وثعلبة ومعتب هما اللذان عاهدا الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين (٤) . ومعتب هو الذي قال يوم أحد: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا (٥) . وهو القائل يوم الأحزاب: يعدنا محمد كنوز قيصر، وأحدنا لا يقدر على إتيان الغائط، ما هذا إلا غرور (٦) . ويقال إن جد بن قيس القائل ذلك. ورافع بن زيد.
-
وفيه وفي معتب ونفر من أصحابهما نزلت: ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت)، الآيتين (٧) وكان خصماؤهم دعوهم في خصومتهم إلى النبي ﷺ ، فأبوا ذلك وقالوا: نتحاكم إلى كعب بن الأشرف. فسماه رسول الله ﷺ طاغوتا. وفي رواية أخرى: فسماه الله. ويقال إنهم دعوهم إلى الكاهن. وجارية ابن عامر بن مجمع (بن العطاف، وبنوه يزيد وزيد ومجمع. وهم ممن اتخذ مسجد الضرار. وكان مجمع بن جارية قد قرأ القرآن، فكان يصلي بهم فيه. ويقال إن مجمع بن جارية لم يكن منافقا. ويقال إنه نافق ثم صح إسلامه، وعني بالقرآن حتى حفظه. ومربع بن قيظي القائل للنبي ﷺ : أحرج عليك أن تمر في حائطي. وهو القائل يوم الخندق: «إن
ج ٢ ص ٢٧٧بيوتنا عورة (١) . فأذن لنا في المقام». ويقال إن الذي قال ذلك بالخندق معتب ابن قشير. ومربع هذا عم عرابة بن أوس بن قيظى الجواد الذى مدحه الشماخ ابن ضرار. وكان عرابة قد أقبل من الطائف، ومعه أبعرة عليها زبيب وأدم.
-
فعن له الشماخ بن ضرار، فاستطعمه من الزبيب. فقال: خذ برأس القطار.
فقال الشماخ: أتهزأ بي؟ فقال: خذ عافاك الله برأس القطار، فهو لك.
- فأخذ الإبل بما عليها، وقال (٢) :
-
رأيت عرابة الأوسي ينمى (٣) … إلى الخيرات منقطع القرين
وعباد بن حنيف بن واهب بن العكيم، أخو عثمان وسهل ابنى حنيف ابن واهب. وكان عباد ممن بنى مسجد الضرار. وفيه نزلت: إنما كنا نخوض ونلعب (٤) ». وخذام بن خالد. وهو أخرج مسجد الضرار من داره. ويقال إن الذي أخرجه من داره وديعة بن خذام. ورافع وبشير ابنا زياد. وقيس بن رفاعة الشاعر، وكان يختلف هو والضحاك بن حنيف إلى كنيسة يهود، فأصاب عينه قنديل، فذهبت. وحاطب بن أمية بن رافع بن سويد الذي قيل لابنه، وحمل مرتثا: أبشر بالجنة. فقال حاطب: جنة من حرمل، لا يغرنك (٥) هؤلاء يا بني. وبشر بن أبيرق الظفري. وهو أبو طعمة. واسم الأبيرق الحارث ابن عمرو بن حارثة بن الهيثم بن ظفر. واسم ظفر: كعب. وكان بشر شاعرا منافقا.
-
حدثني خلف بن سالم المخزومي، عن وهب بن جرير بن حازم، عن أبيه، عن الحسن قال: سرق ابن أبيرق درعا من حديد، ثم ثم رمى بها رجلا بريئا. فجاء قومه إلى النبي ﷺ فعذروه عنده، فأنزل الله عز وجل فيه:
(إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس. بما أراك الله ولا تكن للخائنين
ج ٢ ص ٢٧٨خصيما، إلى قوله (وساءت مصيرا (١) . فلما أنزلت فيه هذه الآيات، لحق بالمشركين، فمكث بمكة زمينا، ثم نقب على قوم بيتهم ليسرق متاعهم. فألقى الله عليه صخرة فشدخته، فكانت قبره.
-
وروى عن محمد بن إسحاق (٢) ، عن عاصم بن عمر بن قتادة الظفري، عن أبيه عن قتادة بن النعمان بن زيد ابن عامر بن سواد بن ظفر قال:
كان أهل بيت منا ذوو فاقة، يقال لهم بنو أبيرق: بشر، وبشير، ومبشر. وكان بشر منافقا يهجو أصحاب النبي ﷺ ، ثم ينحله بعض العرب. فإذا سمعه أصحاب رسول الله ﷺ ، قالوا: والله ما قاله إلا الخبيث بشر. فقال:
أو كلما قال الغواة قصيدة … أصموا وقالوا ابن الأبيرق قالها (٣)
متغصبين (٤) كأنني أخشاهم … جدع الإله أنوفهم فأمالها
قال: فابتاع رفاعة بن زيد بن عامر، عمي، جملا من درمك من ضافطة قدمت من الشام. وإنما كان طعام الناس بالمدينة الشعير والتمر. فكان الموسر منهم يبتاع من الدرمك ما يخص به نفسه. فجعل عمي ذلك الدرمك في مشربة له، وفيها درعان وسيفان وما يصلحهما. فعدي عليه من تحت الليل، فنقبت المشربة وأخذ الطعام والسلاح. فلما أصبح، أتانى فقال: يا ابن أخي تعلم أنه قد عدي علينا في ليلتنا فذهب بطعامنا وسلاحنا. فتحسسنا (٥) في الدار وسألنا. فقيل لنا: قد رأينا بني أبيرق استوقروا في هذه الليلة، ولا نرى ذلك إلا من طعامكم. قال: وجعل بنو أبيرق ونحن نبحث ونسأل في الدار، يقولون: والله ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل بن الحارث بن عروة بن
ج ٢ ص ٢٧٩عبد رزاح بن ظفر. وكان للبيد صلاح وإسلام. فلما سمع لبيد قولهم، اخترط سيفه وقال: أنا أسرق؟ والله ليخالطنكم سيفي أو لتبينن (١) هذه السرقة. قالوا:
إليك عنا أيها الرجل، فلست بصاحبها. فسألنا وفحصنا، حتى لم نشك في أن بني أبيرق أصحابها. فقال عمي: لو أتيت النبي ﷺ فأخبرته؟
قال قتادة: فأتيت رسول الله ﷺ ، فقلت له: يا رسول الله إن أهل بيت منا ذوي فاقة وجفاء عمدوا إلى عمي رفاعة بن زيد، فنقبوا مشربة له وأخذوا سلاحه وطعامه، فليردوا السلاح، ولا حاجة لنا في الطعام. (فقال النبي ﷺ : سآمر في ذلك) (٢) فلما سمع بنو أبيرق بذلك، أتوا رجلا منهم يقال له أسير بن عروة، فكلموه. فانطلق وجماعة من أهل الدار معه إلى النبي ﷺ فكلموه في ذلك، وقالوا: إن قتادة ابن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح، فرمياهم بالسرقة عن غير ثبت ولا بينة. قال قتادة: وأتيت النبي ﷺ فكلمته.
-
فتجهمني، وقال: بئس ما صنعت وما أتيت به ومشيت فيه: عمدت إلى أهل بيت ذكر لي عنهم صلاح وإسلام ترميهم بالسرقة على غير ثبت ولا بينة. قال:
فرجعت وأنا أود أني خرجت من جل مالي ولم أكلم (٣) رسول الله ﷺ في ذلك. وأتاني عمي، فقال: ما صنعت؟ فأخبرته بقول رسول الله ﷺ ، فقال: الله المستعان. ولم أتلبث أن نزل: إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما، يعنى بنى أبيرق- (واستغفر الله- أي مما قلت لقتادة- إن الله كان غفورا رحيما ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما- يعني بني الأبيرق- يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا. ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا
- يعنى بشيرا وأصحابه- فمن يجادل الله
ج ٢ ص ٢٨٠عنهم يوم القيامة
- أي عن بني أبيرق أم من يكون عليهم وكيلا؟ ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما. (ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه، وكان الله عليما حكيما) (١) ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا
- قولهم للبيد بن سهل- (ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء،
يعني بشيرا وأصحابه. قال: فلما نزل القرآن، اشتد بنو ظفر على بني أبيرق حتى أخرجوا السلاح. فأتى به رسول الله ﷺ ، فرده إلى رفاعة. قال قتادة: فأتيت عمي بالسلاح، وكنت أرى أن إسلامه مدخول. فقال: يا ابن أخي، هو في سبيل الله. فعرفت أن إسلامه صحيح. قال: ولحق بشر بن أبيرق- وهو يصغر فيقال: بشير- بالمشركين. فنزل بمكة على سلافة بنت سعد بن شهيد، أخت عمير بن سعد ابن شهيد، وهو من بني عمرو بن عوف، من (٢) الأوس، وكانت سلافة تحت طلحة بن أبي طلحة العبدري. فأنزل الله تبارك وتعالى : ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم.
-
وساءت مصيرا. إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا) (٣) . ولما نزل بشر على سلافة، كان يقع في أصحاب رسول الله ﷺ ويقول في رسول الله، فهجاه حسان بن ثابت، ورمى سلافة به. فأخذت رحله، فوضعته على رأسها، ثم خرجت فرمت به في الأبطح، وقالت: «أهديت إلي شعر حسان. ما كنت لتأتيني بخير» . قال حسان (٤) :
وما سارق الدرعين إن كنت ذاكرا … بذي كرم عند الرجال أوادعه
لقد أنزلته بنت سعد فأصبحت … ينازعها جلد استه وتنازعه
ج ٢ ص ٢٨١فهلا بشير حيث جاءك راغبا … إليه ولم تعمد له فترافعه
ظننتم بأن يخفي الذي قد فعلتم … وفيكم نبي مفلح من يتابعه
ولولا رجال منكم أن يسوءهم … هجائى لقد جلت عليكم طوالعه
وجدناهم يرجونكم قد علمتم … كماء الغيث يرجيه السمين ويانعه
وأن تذكروا كعبا إذا ما نسيتم … فهل من أديم ليس فيه أكارعه
وقد روى أن الذي رماه بنو أبيرق بالدرعين يهودي يقال له النعمان بن مهض (١) . وليس بثبت. وقال بعض الظفريين:
بنى الأبرق المشئوم هلا نهيتم … سفيهكم عن آل زيد بن عامر
أردتم بأن ترموا ابن سهل بغدرة … جهارا. ومن يغدر فليس بغادر
الضحاك بن خليفة الأشهلي. وقزمان، حليف بني ظفر، ولا يعرف نسبه، ويكنى أبا الغيداق. رمى يوم أحد زرارة بن عمير العبدري- ويقال يزيد بن عمير- فقتله، وقتل قاسط بن شريح العبدري، وقطع يد صؤاب الحبشي مولى بني عبد الدار ثم رماه فقتله. وكان قزمان قد امتنع من الخروج يوم أحد حتى عيرته النساء، وقلن: إنما أنت امرأة. فأخذ سيفه وقوسه، وقاتل حمية وأنفة لقومه، وجعل يقول: قاتلوا، معشر الأوس، عن أحسابكم فالموت خير من العار والفرار. وكان النبي ﷺ يقول: قزمان في النار.
-
وأثبت يوم أحد، فحمل إلى دار بني ظفر، فقيل له: أبشر أبا الغيداق بالجنة، فقد أبليت اليوم وأصابك ما ترى. فقال: «أي جنة؟ والله ما قاتلت إلا حمية لقومي» . فلما اشتد به الوجع، أخرج سهما من كنانته فقطع به رواهش يده، فقتل نفسه. وفيه يقول رسول الله ﷺ : أن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر. وأبو عامر عبد عمرو بن صيفي بن النعمان، من الأوس. وكان يناظر أهل الكتاب، ويميل إلى النصرانية، ويتتبع الرهبان ويألفهم، ويكثر الشخوص إلى الشام، فسمي الراهب. فلما ظهر أمر رسول الله ﷺ ، حسده، ومر إلى مكة وقاتل مع قريش. ثم أتى الشأم،