الباب الثاني في تكميل الله تعالى له المحاسن خلقا وخلقا وقرانه جميع الفضائل الدينية والدنيوية فيه نسقا

فقرتان، ج ١ ص ٥٤

  1. اعْلَمْ أيُّهَا الْمُحِبُّ لِهَذَا النَّبِيِّ الْكَرِيمِ الْبَاحِثِ عَنْ تَفْاصِيلِ جُمَلِ قَدْرِهِ الْعَظِيمِ أَنَّ خِصَالَ الْجَمَالِ وَالْكَمَالِ فِي البَشَرِ نَوْعَانِ: ضَرُورِيٌّ دُنْيَوِيٌّ اقْتَضَتْهُ الجِبِلَّةُ وَضَرُورَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَمُكْتَسَبٌ دِينيٌّ وَهُوَ مَا يُحْمَدُ فَاعِلُهُ وَيُقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى زُلْفَى، ثُمَّ هِيَ عَلَى فَنَّيْنِ أيْضًا مِنْهَا مَا يَتَخَلَّصُ لِأَحَدِ الْوَصْفَيْنِ ومِنْهَا مَا يَتَمَازجُ ويَتَدَاخَلُ فَأَمَّا الضَّرُورِيُّ الْمَحْضُ فَمَا لَيْسَ لِلْمَرْءِ فِيهِ اخْتِيَارٌ وَلَا اكْتِسَابٌ مِثْلُ مَا كان في حملته مِنْ كَمَالِ خِلْقَتِهِ وَجَمَالِ صُورَتِهِ وَقُوَّةِ عَقْلِهِ وَصِحَّةِ فَهْمِهِ وَفَصَاحَةِ لِسَانِهِ وَقُوَّةِ حواسه وأعظائه وَاعْتِدَالِ حَرَكَاتِهِ وَشَرَفِ نَسَبِهِ وَعِزَّةِ قَوْمِهِ وَكَرَمِ أرْضِهِ وَيِلْحَقْ بِهِ مَا تَدْعُوهُ ضَرُورَةُ حَيَاتِهِ إِلَيْهِ مِنْ غِذَائِهِ وَنَوْمِهِ

    ج ١ ص ٥٥وَمَلْبَسِهِ وَمَسْكَنِهِ وَمَنْكَحِهِ وَمَالِهِ وَجَاهِهِ، وَقَدْ تَلْحَقْ هَذِهِ الْخِصَالُ الآخِرَةُ بِالْأُخْرَوِيَّةِ إذَا قُصِدَ بِهَا التَّقْوَى وَمَعُونَةُ الْبَدنِ عَلَى سُلُوكِ طَرِيقِهَا وَكَانَتْ عَلَى حُدُودِ الضَّرُورَةِ وَقَواعِدِ الشَّريعَةِ، وَأمَّا المُكْتَسَبَةُ الْأخْرَوِيَّةُ فَسَائِرُ الأخلاق العلمية وَالْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ مِنَ الدِّينِ وَالْعِلْمِ وَالْحِلْمِ وَالصَّبْرِ والشكر والعدل وَالزُّهْدِ وَالتَّوَاضُعِ وَالْعَفْوِ وَالْعِفَّةِ والْجُودِ وَالشَّجَاعَةِ وَالْحَيَاءِ وَالمُرُوَءَةِ وَالصَّمْتِ وَالتُّؤَدَةِ وَالْوَقَارِ وَالرَّحْمَةِ وحُسْنِ الْأَدَبِ وَالْمُعَاشَرَةِ وَأَخَواتِهَا وَهِيَ الَّتِي جِمَاعُهَا: حُسْنُ الْخُلُقِ.

    1. (قوله خلقا وخلقا) الأول بفتح المعجمة وسكون اللام والثانى بضمها أو بضم المعجمة وسكون اللام (قوله الجبلة) بكسر الجيم والموحدة وتشديد اللام المفتوحة: الخلقة، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى والجبلة الأولين (قوله من غذائه) بكسر المخعجمة وبالذال المعجمة: ما يغتذى به من الطعام. (*)
    ج ١ ص ٥٤
  2. وَقَدْ يَكُونُ مِنْ هَذِهِ الْأَخْلَاقِ مَا هُوَ فِي الْغَرِيزَةِ وَأصْلِ الْجِبِلَّةِ لِبَعْضِ النَّاسِ وَبَعْضُهُمْ لَا نكون فِيهِ فَيَكْتَسِبُهَا وَلَكِنَّهُ لَا بُدَّ أنْ يَكُونَ فِيهِ مِنْ أصُولِهَا فِي أَصْلِ الْجِبِلَّةِ شُعْبَةٌ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَتَكُونُ هَذِهِ الْأَخلَاقُ دُنْيَوِيَّةً إذَا لَمْ يُرَدْ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ وَلَكِنَّهَا كُلَّهَا مَحَاسِنُ وَفَضَائِلُ بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِ الْعُقُولِ السَّلِيمَةِ وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي مُوجِبِ حُسْنِهَا وَتَفْضِيلِهَا.