(فصل) اعلم أن الله جل اسمه قادر على خلق المعرفة في قلوب عباده
فقرتان، ج ١ ص ٢٤٩
- ج ١ ص ٢٤٩
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَام قَالَ الْجُلَنْدَى وَاللَّهِ لَقَدْ دَلَّني عَلَى هَذَا النَّبِيّ الْأُمّيّ أنَّهُ لَا يَأْمُرُ بِخَيْرٍ إلَّا كَانَ أَوَّلَ آخِذٍ بِهِ وَلَا ينهى عن شئ إلَّا كَانَ أَوَّلَ تَاركٍ لَهُ وَأنَّهُ يَغْلِبُ فَلَا يَبْطَرُ وَيُغْلَبُ فَلَا يَضْجَرُ وَيَفِي بِالْعَهْدِ وَيُنْجِزُ الْمَوْعُودَ وَأَشْهَدُ أنَّهُ نَبِيّ وَقَالَ نَفْطَوَيْهِ في قوله تعالى (يكاد زيتها يضئ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نار) هَذَا مَثْلٌ ضَرَبَهُ اللَّه تَعَالَى لِنَبِيَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ يَكَادُ مَنْظَرُهُ يَدُلُّ عَلَى نُبُوَّتِهِ وَإنْ لَمْ يَتْلُ قُرْآنًا كَمَا قَالَ ابْنُ رَوَاحَةَ
لَوْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ آيَاتٌ مُبَيّنَةٌ * لَكَانَ مَنْظَرُهُ يُنْبِيكَ بِالْخَبَرِ وَقَدْ آنَ أنْ نَأْخُذَ فِي ذِكْرِ النُّبُوَّةِ وَالْوَحْي وَالرَّسَالَةِ وَبَعْدَهُ فِي مُعْجِزَةِ الْقُرْآنِ وَمَا فِيهِ مِنْ بُرْهَانٍ وَدلَالَةٍ.
-
(فصل) اعْلَمْ أَنَّ اللَّه جَلَّ اسْمُهُ قَادِرٌ عَلَى خَلْقِ الْمَعْرِفَةِ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ وَالْعِلْمِ بِذَاتِهِ وَأسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وجيمع تَكْلِيفَاتِهِ ابْتَدَاءً دُونَ وَاسِطَةٍ لَوْ شَاءَ كَمَا حُكِيَ عَنْ سُنَّتِهِ فِي بَعْضُ الأنبياء وذكر بَعْضُ أَهْلُ التَّفْسِيرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا) وَجَائِزٌ أنْ يُوصِلَ إِلَيْهِمْ جَمِيعَ ذَلِكَ بِوَاسِطَةٍ تُبَلّغُهُمْ كَلَامَهُ وَتَكُونُ تِلْكَ الْوَاسِطَةُ إِمَّا من غرى الْبَشَرِ كَالْمَلَائِكَةِ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ من جِنْسِهِمْ كَالْأَنْبِيَاءِ مَعَ الْأُمَمِ وَلَا مَانِع لِهَذَا من دَلِيلِ الْعَقْلِ وَإذَا جَازَ هَذَا وَلَمْ يَسْتَحِلْ وَجَاءَتِ الرُّسُلُ بِمَا دَلَّ عَلَى صِدْقِهِمْ من مُعْجِزَاتِهِمْ وَجَبَ نصديقهم فِي جَمِيعِ مَا أَتَوْا بِهِ لِأَنَّ الْمُعْجِزَ مَعَ التَّحَدّي مِنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم
ج ١ ص ٢٥٠قَائِمٌ مَقَام قَوْلِ اللَّه صَدَقَ عَبْدي فَأَطِيعُوهُ وَاتّبِعُوهُ وَشَاهِدٌ عَلَى صِدْقِهِ فِيمَا يَقُولُهُ وَهَذَا كَافٍ وَالتَّطْوِيلُ فِيهِ خَارجٌ عَنِ الْغَرضِ فَمَنْ أرَادَ تَتبُّعَهُ وَجَدَهُ مُسْتَوْفَى فِي مُصَنَّفَاتِ أَئِمَّتِنَا رحمهم الله فالنبوة في لعة من همز مأخودة مِنَ النَّبإِ وَهُوَ الْخَبَرُ وَقَدْ لَا يُهْمَزُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ تَسْهِيلًا وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّه تعالى أَطْلَعَهُ عَلَى غَيْبِهِ وأسلمه أنَّهُ نَبِيُّهُ فَيَكُونُ نَبِيّ مُنَبَّأ فَعِيلٌ بِمَعْنَي مَفْعُولٍ أَوْ يَكُونُ مُخْبِرًا عَمَّا بَعَثَهُ اللَّه تَعَالَى بِهِ وَمُنَبّئًا بِمَا أَطْلَعَهُ اللَّه عَلَيْهِ فَعِيلٌ بِمَعْنَي فَاعِلٍ ويَكُونُ عِنْدَ من لَمْ يَهْمزْهُ مِنَ النُّبُوَّةِ وَهُوَ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ مَعْنَاهُ أَنَّ لَهُ رُتْبَةً شَرِيفَةً وَمَكَانَةً نَبِيهَةً عِنْدَ مَوْلَاهُ منيفة قالو صفان فِي حَقَّهِ مُؤْتَلِفَانِ وَأَمَّا الرَّسُولُ فَهُوَ الْمُرْسَلُ وَلَمْ يَأْتِ
فَعُولٌ بِمَعْنَي مُفْعَلٍ فِي اللُّغَةِ إلَّا نَادِرًا وَإرْسَالُهُ أمْرُ اللَّه لَهُ بِالإِبْلاغِ إِلَى من أَرْسَلَهُ إليْهِ وَاشْتِقَاقهُ مِنَ التَّتَابعِ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ جاء النَّاسُ أَرْسَالًا إذَا تَبعَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَكَأَنَّهُ أُلْزِمَ تَكرِيرَ التَّبْلِيغ أَوْ أُلْزِمتِ الْأُمَّةُ اتّبَاعَهُ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَل النَّبِيّ والرسول بِمَعْنَي أَوْ بِمَعْنَيَيْنِ فَقِيلَ هُمَا سَوَاءٌ وَأَصْلُهُ مِنَ الْإِنْبَاءِ وَهُوَ الْإِعْلَامُ وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نبى) فَقَدْ أَثْبَتَ لَهُمَا الْإِرْسَالَ مَعًا، قَالَ وَلَا يَكُونُ النَّبِيُّ إِلَّا رَسُولًا وَلَا الرَّسُولُ إلَّا نَبِيًّا وَقِيلَ هُمَا مُفْتَرِّقَانِ من وَجْهٍ إِذْ قَد اجْتَمَعَا فِي النُّبُوَّةِ التي هِيَ الإطْلاعُ عَلَى الْغَيْبِ وَالْإِعْلَامُ بِخَوَاصّ النُّبُوَّةِ أَو الرّفْعَةِ لِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ وَحَوْزِ دَرَجَتِهَا وَافْتَرَقَا فِي زِيادَةِ الرِّسَالَةِ لِلرَّسُولِ وَهُوَ الْأَمْر بِالْإِنْذَارِ وَالْإِعْلَامِ
ج ١ ص ٢٥١كَمَا قُلْنَا وَحُجَّتُهُمْ مِنَ الآيَة نَفْسِهَا التَّفْرِيقُ بَيْنَ الاسْمَينِ وَلَوْ كَانَا شَيْئًا وَاحِدًا لَمّا حَسُنَ تَكْرَارُهُمَا فِي الْكَلَام الْبَلِيغِ قَالُوا وَالْمَعْنَى وَمَا أَرْسَلْنَا من رَسُولٍ إِلَى أُمَّةٍ أَوْ نَبِيّ وَلَيْسَ بِمُرْسَلٍ إِلَى أَحَدٍ وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الرَّسُولَ من جَاءَ بِشَرْع مُبْتَدإٍ وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ نَبِيٌّ غَيْر رَسُولٍ وإن أُمِرَ بِالْإِبْلَاغِ وَالْإِنْذَارِ وَالصَّحِيحِ وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجَمَّاءُ الْغَفِيرُ أَنَّ كُلَّ رَسُولٍ نَبِيّ وَلَيْسَ كُلُّ نَبِيّ رَسُولًا وَأَوَّلُ الرُّسُلِ آدَمُ وآخِرُهُمْ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي حَدِيث أَبِي ذَرّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّ الْأَنْبِيَاء مِائَة أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفَ نَبِيّ وَذَكَرَ أَنَّ رسل منهم ثلثمائة وَثَلاثَةَ عَشَرَ أَوَّلُهُمْ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَدْ بَانَ لَكَ مَعْنَي النُّبُوَّةِ وَالرّسَالَةِ وَلَيْسَتَا عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ ذَاتًا لِلنَّبِيِّ وَلَا وَصْفَ ذَاتٍ خِلَافًا لِلْكَرَّامِيَّة فِي تَطْوِيلٍ لَهُمْ وَتَهْوِيلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ تَعْوِيلٌ وَأَمَّا
- (قوله الجماء الغفير) في الصحاح قولهم جاؤا جما غفيرا والجماء الغفير وجماء الغفير بالمد في الجماء أي جاؤا بجماعتهم الشريف والوضيع ولم يتخلف أحد منهم وكان فيهم كثرة (قوله الكرامية) نسبه إلى محمد بن كرام بفتح الكاف وتشديد الراء كذا قيده ابن ماكولا والسمعاني وغير واحد وهو الجارى على الألسنة وأنكره محمد بن الهيضم وغيره من الكرامية وحكى فيه ابن الهيضم وجهين أحدهما التخفيف وفتح الكاف وذكر أنه المعروف في ألسنة مشايخهم وزعم أنه بمعنى كريم أو بمعنى كرامة والثانى التخفيف وكسر الكاف على لفظ جمع كريم وحكى هذا عن أهل سجستان قال ابن الصلاح ولا يعول على الأول وهو ما رواه السمعاني في الأنساب قال وكان والده يحفظ الكرم فقيل له كرام قال الذهبي وفيما قاله السمعاني نظر فإن كلمة كرام علم على والد محد سواء (*)