(فصل) الوجه الرابع ما أنبأ به من أخبار القرون السالفة

فقرتان، ج ١ ص ٢٦٩

  1. على خمسمائة عام فَمَا قَدَرُوا على إطفاء شئ من نُورِهِ وَلَا تَغْيِيرِ كَلِمَةٍ من كَلامِهِ ولا تشكبك الْمُسْلِمينَ فِي حَرْفٍ من حُرُوفِهِ وَالْحَمْدُ لله منه قَوْلُهُ (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ، يولون الدبر) وَقَوْلُهُ (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ الله بأيديكم) الآية وَقَوْلُهُ (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى) الآية وَقَوْلُهُ (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إلا أذى إن يقاتلوكم) الآية فكان كُلُّ ذَلِكَ وَمَا فِيهِ من كَشْفِ أَسْرَارَ الْمُنَافِقِينَ وَالْيَهُودِ وَمَقالِهِمْ وَكَذِبِهِمْ فِي حَلِفِهِمْ وَتْقِريعِهِمْ بِذَلِكَ كَقَوْلِهِ (وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يعذبا الله مما نقول) وَقَوْلُهُ (يُخْفُونَ فِي أنفسهم مالا يبدون لك) لآية وَقَوْلُهُ (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ) الآية، وَقَوْلُهُ (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ - إِلَى قَوْلِهِ - فِي الدِّينِ) وقد قال مبديا ما قدره اللَّه واعتقده المؤمنون يوم بدر (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ) وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) وَلَمَّا نَزَلَتْ بَشَّرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

    بِذَلِكَ أَصْحَابَهُ بِأَنَّ اللَّه كفَاهُ إيّاهُمْ وَكَانَ المستهزؤن نَفَرًا بِمَكَّةَ يُنَفّرُونَ النَّاسَ عَنْهُ وَيُؤْذُونَهُ فَهَلَكُوا، وَقَوْلُهُ (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) فكان كَذَلِكَ عَلَى كَثْرَةِ من رَامَ ضُرَّهُ وَقَصَدَ قَتْلَهُ وَالْأَخْبَارُ بِذَلِكَ مَعْرُوفَةٌ صَحِيحَةٌ.

    ج ١ ص ٢٦٩
  2. (فصل) الْوَجْهُ الرَّابِعُ مَا أَنْبَأَ بِهِ من أَخْبَارِ الْقُرُونِ السَّالِفَةِ وَالْأُمَمِ البَائِدَةِ وَالشَّرَائِعِ الدَّاثِرَةِ مِمَّا كَانَ لَا يَعْلَمُ مِنْهُ الْقِصَّةُ الْوَاحِدَةُ إِلَّا الْفَذُّ

    ج ١ ص ٢٧٠من أخبار أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِي قَطَعَ عُمُرَهُ فِي تَعَلُّمِ ذَلِكَ فَيُوردُهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى وَجْهِهِ وَيَأتِي بِهِ عَلَى نَصّهِ فَيَعْتَرِفُ الْعَالِمُ بِذَلِكَ بَصِحَّتِهِ وَصِدْقِهِ وَأنَّ مِثْلَهُ لَمْ يَنَلْهُ بِتَعْلِيمٍ وَقَدْ عَلِمُوا أنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمّيّ لَا يَقْرَأُ وَلَا يَكْتُبُ وَلَا اشْتَغَلَ بِمُدَارَسَةٍ وَلَا مُثَافَنَةٍ وَلَمْ يَغِبْ عَنْهُمْ وَلَا جَهِلَ حَالَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَقَدْ كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ كَثِيرًا مَا يَسْالُونَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذَا فَيَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنَ الْقُرْآنِ مَا يَتْلُو عَلَيْهِمُ مِنْهُ ذِكْرًا كَقِصَصِ الْأَنْبِيَاءِ مَعَ قَوْمِهِمْ وَخَبَر مُوسَى وَالْخِضْرِ ويوسف وإخوته

    ج ١ ص ٢٧١وَأَصْحَابِ الْكَهْفِ وَذِي الْقَرْنَيْنِ وَلُقْمَانَ وَابْنِهِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ مِنَ الْأَنْبَاءِ وَبَدْءِ الْخَلْقِ وَمَا فِي التَّوْرَاةِ والْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَصُحفِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى مِمَّا صَدَّقَهُ فِيهِ الْعُلمَاءُ بِهَا وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى تَكْذِيب مَا ذُكِرَ مِنْهَا بَلْ أَذْعَنُوا لِذَلِكَ فَمِنْ مُوَفَّقٍ آمَنَ بِمَا سَبَقَ لَهُ من خَيْرٍ وَمِنْ شَقِيٍّ مُعَانِدٍ حَاسِدٍ ومع هَذَا لَمْ يُحْكَ عَنْ وَاحِدٍ مِنَ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ عَلَى شِدَّةِ عَدَاوَتِهِمْ لَهُ وَحِرْصِهِمْ عَلَى تَكذِيبهِ وَطُولِ احْتِجَاجِهِ عَلَيْهِمْ بِمَا فِي كُتُبِهِمْ وَتَقْريعِهِمْ بما انظوت عَلَيْهِ مَصَاحِفُهُمْ وَكَثْرَةِ سُؤالِهِمْ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَعْنِيتِهِمْ إيَّاهُ عَنْ أَخْبَارِ أنْبِيَائِهمِ وَأسْرَارِ عُلُومِهِمْ وَمُسْتَودَعَاتِ سِيرِهِمْ وَإِعْلامِهِ لَهُمْ بِمَكْتُوم شَرَائِعِهمْ وَمُضَمَّنَاتِ كُتُبِهِمْ مِثْلُ سُؤالِهِمْ عَنَ الرُّوحِ وَذِي الْقَرْنَيْنِ وَأَصْحَابِ الْكَهْفِ وَعِيسَى وَحُكْمِ الرَّجْم وَمَا حَرَّمَ إسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَا حُرِّمَ عَلَيْهِم مِنَ الأنْعَامِ وَمِنْ طَيَّبَاتٍ كَانَتْ أُحِلَّتْ لَهُمْ فَحُرِّمَتْ عَلَيْهِم بَبَغْيِهِمْ وَقَوْلُهُ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ

    فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإنجيل وَغَيْرُ ذَلِكَ من أُمُورِهِمُ التي نَزَلَ فِيهَا القرآن

    1. (قوله إلا الفذ) بفتح الفاء وتشديد الذال المعجمة. أي الفرد (*)
    2. (قوله ولا مثافنة) بالمثلثة والفاء والنون في الصحاح ثافنت فلانا جالسته ويقال اشتقاقه من الثفنة، واحدة ثقنات البعير وهو ما يقع على الأرض من أعضائه إذا استناخ وغلظ كالركبتين كأنك ألصقت ثفنة ركبتك بثفنة ركبته (قوله الخضر) بفتح أوله وكسر ثانيه ويجوز كسر أوله وسكون ثانيه سمى خضرا لأنه جلس على فروة فإذا هي تهتز خلفه خضراء والفروة الحشيش اليابس وقيل لأنه إذا جلس اخضر ما حوله، واختلف هل كان وليا أو نبيا والقاتلون بأنه نبى اختلفوا هل كان رسولا أم لا قال الثعلبي نبى على جميع الأقوال معمر محجب عن الأبصار، قال ابن الصلاح وهو حى عند جماهير العلماء والصالحين والعامة وقال البخاري وطائفة منهم الْقَاضِي أَبُو بَكْر بن العربي إنَّه مات قَبْل انقضاء المائة لقوله صلى الله عليه وسلم أرأيتكم ليلتكم هذه فإنه على رأس مائة سنة لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد والجواب أن هذا الحديث عام فيمن يشاهده الناس ويخالطونه لا فيمن ليس كذلك كالخضر بدليل أن الدجال خارج عن هذا الحديث لما روى مسلم من حديث الجساسة الدالة على وجود الدجال في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وعلى بقائه إلى زمن ظهوره مع أن مسلما روى عن ابن عمر أن المراد بقوله صلى الله عليه وسلم على رأس مائة سنة لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد انخرام ذلك القرن (*)
    3. (قوله وذى القرنين) روى الحاكم في المستدرك أنه عليه السلام سأل عن ذى القرنين فَقَالَ لَا أدْرِي هو نبى أم لا وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ تعالى (وآتيناه من كل شئ سببا) أي علما ينفعه في قوله تعالى (فأتبع سببا) أي طريقة موصلة وقال ابن هشام في غير السيرة السبب حبل من نور كان ملك يمشى به بين يديه فيتبعه، وروي عن أبي الطفيل عامر بن واثلة) قال سأل ابن الكوا علي بن أبي طالب فقال أرأيت ذا القرنين أنبيا كان أم ملكا فقال: لانبياء كان ولا ملكا ولكن كان عمدا صالحا دعا قومه إلى عبادة الله فضربوه على قرنى رأسه ضربتين وفيكم مثله يعنى نفسه انتهى وقيل كانت له ضفيرتان من شعر العرب فسمى الضفيرة من الشعر قرنا (*)