فصل هذا القول فيما طريقه البلاغ

فقرتان، ج ٢ ص ١٣٥

  1. أَنّ يَكُون فِيمَا يَكْتُبُه عَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم إِلَى النَّاس غَيْر الْقُرْآن فَيَصِف اللَّه وَيُسَمّيه فِي ذَلِك كيف شَاء.

    ج ٢ ص ١٣٥
  2. فصل هَذَا القول فِيمَا طَرِيقُه الْبَلَاغ وَأَمَّا مَا لَيْس سبيله سبيل الْبَلَاغ مِن الْأَخْبَار التي لَا مُسْتَند لَهَا إِلَى الأحْكام وَلَا أَخْبَار الْمعَاد وَلَا تُضَاف إِلَى وَحْي بَل فِي أُمُور الدُّنْيَا وَأحْوَال نَفْسِه فالَّذِي يَجِب تَنْزِيه النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم عَن أن يَقَع خَبَرُه فِي شئ من ذَلِك بِخِلَاف مُخْبَرِه لَا عَمْدًا

    وَلَا سَهْوًا وَلَا غَلَطًا وَأنَّه مَعْصُوم من ذَلِك فِي حَال رِضَاه وَفِي حَال سَخَطِه وَجدّه وَمَزْحِه وَصِحَّتِه وَمَرَضِه وَدَلِيل ذَلِك اتَّفَاق السَّلَف وَإجْماعُهُم عَلَيْه وَذَلِك أَنَا نَعْلَم من دِين الصَّحَابَة وَعَادَتهِم مُبَادَرتَهُم إِلَى تَصْديق جَميع أحْوالِه وللثقة بِجميع أخْبَارِه فِي أَي بَاب كَانَت وَعَن أي شئ وَقَعَت وَأنَّه لَم يَكُن لَهُم تَوَقُّف وَلَا تَرَدُّد فِي شئ مِنْهَا وَلَا اسْتِثْبَات عَن حاله عِنْد ذَلِك هَل وَقَع فِيهَا سَهْو أم لَا، ولما احْتَجّ ابن أَبِي الْحُقَيْق الْيَهُودِيّ عَلَى عُمَر حِين أجْلاهُم من خَيْبَر بإقْرَار رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم لَهُم واحْتَجّ عَلَيْه عُمَر رَضِي اللَّه عَنْه بِقَوْلِه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم: (كَيْفَ بِكَ إِذَا أُخْرِجْتَ مِنْ خَيْبَرَ؟) فَقَالَ الْيَهُودِيُّ كَانَتْ هُزَيْلَةُ مِنْ أَبِي الْقَاسِمِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ وأيضًا فَإِنّ أخْبَارَه وَآثَاره وَسِيرَه وَشَمَائِلَه مُعْتَنَى بِهَا مُسْتَقْصّى تَفَاصِيلُهَا وَلَم يَرِد فِي شئ مِنْهَا اسْتِدْرَاكُه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم لِغَلَط فِي قَوْل قاله أَو اعْتِرَافُه بوَهْم فِي شئ أخْبَر بِه وَلَو كان

    ج ٢ ص ١٣٦ذَلِك لَنُقِل كَمَا نُقِل من قِصَّتِه عَلَيْه السَّلَام رُجُوعُه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم عَمَّا أشَار بِه عَلَى الْأَنْصَار في تلقيح النحل وَكَان ذَلِك رَأيًا لَا خَبَرًا وَغَيْر ذَلِك مِن الْأُمُور التي لَيْسَت من هَذَا الْبَاب كَقَوْلِه وَاللَّهِ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأُرَى غَيْرُهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا فَعَلْتُ الَّذِي حَلَفْتُ عَلَيْهِ وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، وَقَوْلُهُ إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ - الْحَدِيث - وَقَوْلُه اسْقِ يَا زُبَيْرُ حَتَّى يبلغ الماء الجدر كَمَا سَنُبَيِّنُ كُلَّ مَا فِي هَذَا مِنْ مُشْكِلِ مَا فِي هَذَا الْبَاب وَالَّذي بَعْدَه إن شَاء اللَّه مَع أشْبَاهِهِمَا وَأيْضًا فإن الْكَذِب مَتَى عُرف من أحَد فِي شئ مِن الْأَخْبَار بِخِلَاف مَا هُو عَلَى أَي وَجْه كَان اسْتُرِيب بِخَبَره واتُّهم فِي حَديثه وَلَم

    يَقَع قَوْله فِي النُّفُوس مَوْقعًا ولهذا تَرَك المُحَدّثُون وَالْعُلمَاء الْحَدِيث عَمَّن عُرِف بِالْوَهْم وَالْغَفْلَة وَسُوء الْحِفْظ وَكَثْرَة الْغَلَط مَع ثِقَتِه وَأيْضًا فَإنّ تَعَمُّد الْكَذِب في أُمُور الدُّنْيَا مَعْصِيَة وَالإكْثَار مِنْه كَبِيرَة بِإجْمَاع مُسْقِط لِلْمُرُوءَة وَكُلّ هَذَا مِمَّا يُنَزَّه عَنْه مَنْصِب النُّبُوَّة وَالمَرَّة الْوَاحِدَة مِنْه فِيمَا يستبشع ويستشنع مِمَّا يُخِلّ بِصَاحِبهَا ويزري بقائلها لا حقة بِذَلِك وَأَمَّا فِيمَا لَا يَقَع هَذَا الموْقِع فإن عَدَدْناهَا مِن الصَّغَائِر فهل تَجْرِي عَلَى حُكْمهَا فِي الخِلَاف فِيهَا مُخْتَلف فِيه وَالصَّوَاب تَنْزِيه النُّبُوَّة عَن قَلِيلِه وَكَثِيرِه وَسَهْوِه وَعَمْدِه إِذ عُمْدَة النُّبُوَّة الْبَلَاغ وَالإعْلَام وَالتَّبْيين وَتَصْدِيق مَا جاء بِه النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وسلم وتجويز شئ من هَذَا قَادِح فِي ذَلِك وَمُشَكّك فِيه مُنَاقِض لِلْمُعْجِزَة فَلْنَقْطَع عَن يَقِين بَأنَّه لَا يَجُوز

    1. (قوله وجده) بكسر الجيم: ضد الهزل. (*)
    2. (قوله فِي تَلْقِيح النَّخْل) أي تبيرها وهو جعل شئ من النخل (الذكر في الأنثى) (قوله الجدر) بفتح الجيم وإسكان الدال المهملة قيل المراد هنا أهل الحائط وقيل أصول الشجر وقيل جدر المشارب التى يجتمع فيها الماء في أصول الشجر (*)